الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

السيرة العطرة لسماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد

التصحيح والتجديد في الفكر الإسلامي

 

داود سلمان الشويلي

 

 

الفكر الاجتهادي الشيعي نموذجا

الكتاب الثالث

 

مقارنة بين الفكر الاجتهادي للإمام الشيخ حسين المؤيد

وبين الفكر الاجتهادي الاتباعي

2010

 

فـي اللاذقية فتنة      ما بين احـمد و المسيح

هذا بناقوس  يدق      وذا بــــمأذنة يصيح

كل يعــزز دينه       ياليت شعري ما الصحيح

       المعري

- مقدمة.

- منهج الدراسة .

- الفصل الاول – فاعلية الحوزة.

- الفصل الثاني- مسائل عقدية.

* الشفاعة.

* الولاية التكوينية.

* الرجعة.

* عالم الذر.

- الفصل الثالث - ممارسات شيعية .

* الشهادة الثالثة .

* الشعائر الحسينية.

* السجود على التربة الحسينية.

- الفصل الرابع - حوادث تاريخية.

* الهجوم على بيت الزهراء.

- الفصل الخامس - التقارب السني الشيعي.

* سب الصحابة وزوجات النبي (ص).

* فضيلة الصحبة.

* زواج السني بالشيعية وبالعكس.

- الفصل السادس - الافكار الغالية.

* تقديس الائمة ، ووضعهم موضع الانبياء او تطاولهم لمقام النبوة.

- الفصل السابع - فتاوى تصحيحية:

* حلية سماع الموسيقى وعزفها وصناعة وبيع الاتها.

* لعبة الشطرنج.

* المرأة والارث من الارض.

* طهارة اهل الكتاب.

مقدمة

خلال حياة النبي (ص) – بين بعثته وانتقاله الى الرفيق الاعلى – اكتمل الدين الاسلامي ،وقد بلغه (ص) كله الى الناس كافة ، قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (سبأ:28)، وقال سبحانه: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا )(المائدة: 3).

الا ان العبادات خاصة، تحتاج الكثير من مفرداتها الى الايضاح والتبيان ، ويأتي هذا التوضيح والتبيان مما يوحيه الله سبحانه الى نبيه (ص) ، او ما يجتهد عليه النبي (ص) – ضمن منظومة الوحي الالهي - ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).(النحل :44 )

اما الامور الدنيوية ، بكل صورها ، فتحتاج الى ما يسمى بالتشريع الذي يتحصل زمن النبي (ص ) بالمشورة: قال تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) ، ومثال على ذلك – كما تذكر بعض المصادر – مسألة تأبير النخل ، ومسألة الدفاع عن المدينة في غزوة احد .

اما بعد وفاة النبي (ص) ومسيرة الزمن الى امام ، واتساع الرقعة الجغرافية للامة الاسلامية ، وتغير الثقافات ، او دخول اخرى في حياة المسلمين تحت تأثير ما سبق ان قلنا ، وابتعاد الناس زمنيا عن منبع الاسلام الموحى به ، احتاجت حياة المسلمين الى من  يبين ويوضح لهم امورا كثيرة مما تسمى بالمستجدات من الامور والمسائل والقضايا .

فالشيعة الامامية - مثلا -  لم يحتاجوا الى ذلك الا بعد الغيبة الصغرى للامام المهدي ، لان وجود الائمة بين ظهرانيهم هو امتداد لوجود النبي (ص) ، وبعد الغيبة الصغرى، ولما استجد من امور ومسائل وقضايا حياتية جديدة، فقد احتيج الى من يبت فيها شرعا، فكان ان ظهر الاجتهاد لبيان الحكم الشرعي فيها.

(( الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو " بذل الوسع للقيام بعمل ما " وقد استعملت هذه الكلمة - لأول مرة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة : " إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص " . والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي ، فالفقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهمه ويبني على ما يرجع في فكره الشخصي من تشريع ، وقد يعبر عنه بالرأي أيضا . والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدرا من مصادره ، فكما أن الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة ويستدل بهما معا كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به . وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني ، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة . ولقي في نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل البيت ( ع ) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم . وتتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملة(كذا) هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت ( ع ) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم ، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم ، وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذي جاء في الروايات ، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتبا(كذا) أسماه " الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس ")). (1)

ولاجل تقنين الاجتهاد ، وضع العلماء علمين من شأنهما انجاح عملية الاجتهاد ، هما : علم الأصول و علم الفقه .

يقول محمد باقر الصدر : (( في علم الأصول تدرس العناصر المشتركة، وفي علم الفقه تدرس العناصر الخاصة في كل مسألة)). (2)

ويقول الصدر : ((وهكذا يترك للفقيه في كل مسألة أن يفحص بدقة الروايات والمدارك الخاصة التي ترتبط بتلك المسألة ويدرس قيمة تلك الروايات ويحاول فهم ألفاظها وظهورها العرفي وأسانيدها بينما يتناول الأصولي البحث عن حجية الظهور وحجية الخبر وهكذا . وعلم الأصول لا يحدد العناصر المشتركة فحسب بل يحدد أيضا درجات استعمالها والعلاقة بينها كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاء الله تعالى)) . (3)

و يعرف علم الأصول بأنه :((العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي)). (4)

و(( علم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية غير أنه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير أي عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الاحكام ، ويدرس العناصر المشتركة التي يجب أن تدخل فيها لكي يكون الاستنباط سليما )). (5)

يقول الصدر: (( كلما بعد الفقيه عن عصر النص تعدد(كذا) جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية وتنوعت الفجوات في عملية الاستنباط نتيجة للبعد ألزمني ، فيحس أكثر فأكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامة يعالج بها جوانب الغموض ويملا بها تلك الفجوات ، وبهذا كانت الحاجة إلى علم الأصول تاريخية(كذا) بمعنى أنها تشتد وتتأكد كلما ابتعد الفقيه تاريخيا عن عصر النص وتراكمت الشكوك على عملية الاستنباط التي يمارسها)) . (6)

من خلال هذا الفهم للاجتهاد ، كان وضعنا لهذه الدراسة التي امتدت على صفحات ثلاث كتب، وسؤال مهم يدور في خلدي قبل ان اضع اصابعي على لوحة الحاسوب لاسطر اولى كلمات هذه الدراسة ، التي امتدت على مساحة ما يقرب من عشرين صفحة ، ونشرتها على اكثر من موقع الكتروني ، الا ان صفحاتهما بعد ذاك اتسعت حتى اصبحت ثلاث كتب ، وكل كتاب يبحث في موضوعة ما .

والسؤال هو : هل ما زال الاجتهاد الشيعي مثمرا لحد الان بحيويته المعهودة التي كان عليها اول تأسيسه ؟ ام انه اغلق ابوابه واصبح المتأخرون يرددون ما قاله الاولون؟

هذا السؤال طرحته اكثر من مرة على ذائقتي الفكرية ، ولم اهتد الى الاجابة الا ببعض البصيص من النور هنا او هناك ، حتى اذا اطلعت قبل اكثر من سنتين على الموقع الالكتروني لسماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد وجدت ضالتي ، وقلت مع نفسي ربما سأجد الضوء في نهاية النفق كاملا ، ساطعا، فكانت هذه الدراسة.

كان عنوان الدراسة هو : (( التصحيح والتجديد في الفكر اللاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي نموذجا)) وقد وزعناها على ثلاث كتب ، الاول استقل بدراسة التصحيح والتجديد في الفكر الشيعي عند المرجع الديني سماحة اية الله العلامة الشيخ حسين المؤيد، درسنا فيه ما جاء به سماحته من تجديدات في الفكر الاجتهادي الشيعي على المستوى الشرعي، وكذلك ما قدمه من تصحيحات لما سبق النظر والقول  فيه من قضايا شرعية وجد سماحته – من خلال مبانيه الفقهية ، وما صارت عليه مداركه الفكرية من اتساع فضاءاتها ، وما افرزه الواقع العراقي خاصة بعد الاحتلال من نعرة طائفية بغيضة وقاتلة – وجد ان تلك الاجتهادات بحاجة الى تصحيح ، خاصة ان النصوص التي اعتمدها الاولون لاخراج الفتوى كانت غير موثوقة السند او المتن او تتضارب واحكام القرآن الكريم .

والكتاب الثاني درس الجانب السياسي في افكار سماحة العلامة الشيخ المؤيد وما قدمه – كرجل دين ورجل سياسة – من مشاريع نهضوية على المستويات الوطنية والقومية والاسلامية ، وكذلك نظرته للاحتلال، وكيفية مقاومته ، والى العملية السياسية في العراق.

 اما الكتاب الثالث – هذا الذي بين ايديكم - فقد قدم دراسة مقارنة بين الفكرالاجتهادي للامام الشيخ حسين المؤيد وبين الفكر الاجتهاد ي الاتباعي,

والذي تقصده الدراسة بمصطلح (الفكر الاجتهادي الاتباعي) هو المنظومة الفكرية الاجتهادية التي انطلق منها فقهاء الشيعة – خاصة الاصوليون – للوصول الى الحكم الشرعي ، وظلت هذه المنظومة تعمل دون تطور وتغير على الرغم من نطور الحياة وتغيرها وصعوبة مناحيها كافة، فراح المتأخرون يرددون فتاوى الاولين دون فحص وتدقيق ، الا من شذ عن هذه القاعدة العامة في الاجتهاد فرمي بالخروج عن المذهب ، او الكفر او ما شاكل ذلك.

وفي نهاية هذه الرحلة في فكر رجل دين وسياسة في بداية القرن الواحد والعشرين ، القرن الذي كانت فاتحته احتلال بلدين مسلمين ، افغانستان والعراق ، من قبل اعتى دولة في العالم تحت سلطة اكبر رجل متخلف فكريا تسيره افكار الصهيونية العالمية ،لا يسعني الا ان اناشد القاري اللبيب في ان يضع نصب عينية العلمية والموضوعية والحيادية، ويبتعد عن عاطفة صادقة او مزيفة وهو يقرأ هذه الدراسة بكتبها الثلاثة، وسيجد – حتما – انها مصداق لما حمله عنوانها من معان سامية كنا – نحن الشيعة – بأمس الحاجة اليها ، في عصر اصبح عالمنا فيه كالقرية العصرية بفضل ثورة تكنلوجيا الاتصال والمعلومات ، حيث انكشف ما كان مستورا بين اوراق الكتب الصفراء ، او متداولا على الالسنة في غرف الاستقبال ذات الابواب المقفلة ، وراحت الفضائيات وشبكة الانترنيت تنقله امام اعين من يريد ان يطلع ،وعندما وقع الاحتلال في العراق ، انفجر اللغم المخبئ تحت تراكمات السنين ، وراح ابناء العراق ، سنيهم وشيعهم ينطبق عليه قول الشاعر – مع فارق الطرفين -  العربي الكبير المعري:

في اللاذقية فتنة     ما بين احـمد والمسيح

هذا بنقوس يدق     وذا بـــمأذنة  يصيح

كل  يعـزز دينه    ياليت شعري ما الصحيح

واذا كان قد اوحى هنتكتون الى سيد البيت الابيض بإن صراعات القرن الواحد والعشرين ستكون – بل يجب ان تكون – مع الاسلام (صراع حضارات) ، فأكثر من هنتكتون عربي واقليمي وصهيوني قد اوحى بصراع شيعة العراق وسنته ، تحت شعارات المظلومية.

وانقسمت ثقافة العراق الموحدة – قيل انها كانت مقسمة ، الا انها مستورة لاسباب شتى - ، وراح من يغذي اوارها من خلف الحدود ، فانبرت عقول نيرة من ابناء العراق الى الوقوف في وجهها، ومن بين هذه العقول ، كان سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد، المرجع الديني الكبيرللكثير من ابناء الشيعة.

وهذه الدراسة بكتبها الثلاثة جاءت لتوضيح وبيان دور هذا المرجع الشيعي لرأب الصدع وايقاف الفتنة التي لعن الله من ايقضها.

***

منهج الدراسة

 

المنهج المقارن ، هو : (( مقابلة الأحداث والآراء بعضها ببعض لكشف ما بينها من وجوه شبه أو علاقة  .

 والمقارنة والموازنة من العلوم الإنسانية بمثابة الملاحظة والتجربة من العلوم الطبيعية ، يقول ابن خلدون :" إن الباحث يحتاج إلى العلم باختلاف الأمم والبقاع والأمصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال ، والإحاطة بالحاضر من ذلك ، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق والخلاف ، ويعلل المتفق منها والمختلف  - المقدمة – ".

ويعرفه معجم "الصحاح في اللغة والعلوم ": " المنهج المقارن : منهج يسلك سبيل المقارنة بين صور مختلفة من الأحداث والظواهر".

وهو مأخوذ مما أضافه المعجم العربي الحديث لمعاني الكلمة ، ففي " المعجم الوسيط " : " قارن الشئ بالشئ وازنه به " محدثة " ، وبين الشيئين أو الأشياء وازن بينها ".

فالمقارنة - إذن - تعني الموازنة بين الأشياء .

المنهج المقارن : الطريقة التي يتبعها الباحث في الموازنة بين الأشياء)) .(7)

ومن خلال هذا المعنى المفهومي والاصطلاحي ، كان اعتماد هذه الدراسة ، في دراسة عملية الاجتهاد – استنباط الحكم الشرعي – مقارنة بين فكر كل من سماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد ، وبين الاقدمين (أي الاتباعيين) (8)، فضلا عن ذكر واحد ممن جدد في الفتوى والنظر الفقهي والتاريخي للفكر الشيعي في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي ، وهو سماحة الامام السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله .

وليس السبب تقديم دراسة في الفقه المقارن ، وانما بيان تغيير الفتوى من مجتهد واخر لاسبابه التي وجدها تدفع الى ذلك.

ونحن إذ نقدم هذه الدراسة، فإن هدفنا بيان صور التجديد والاصلاح في الفكر الاجتهادي الشيعي الاثني عشري، من خلال ما قدمه سماحة الامام المؤيد من اجتهادات جديدة في مسائل سبق ان قدمت فيها اجتهادات توالى ترديدها جيلا عن جيل في كل زمان ومكان مهما تغيرت احوال الناس ، مع وجود فسحة من عدم الخروج من الاصول الشرعية الالهية ، منذ فتح باب الاجتهاد عند الشيعة الى يومنا هذا .

على سبيل المثال ، حلية وحرمة لعبة الشطرنج ، فقد حرمها المراجع كافة حتى التي تلعب بدون رهان ،كالصدوق (الذي يجعله من الاوثان – في المقنع) ، والشريف المرتضى في رسائل المرتضى ج1 ، من القدامى ،والسيد الخوئي والسيد السيستاني ، من المعاصرين.

ونحن في هذه الدراسة نهمل مباني كل مجتهد ومنهجيته في الوصول الى الحكم الشرعي ، لان هدفنا هو توضيح التجديد والتصحيح في عملية الاجتهاد في عصرنا الحديث ، وكيفية تغيير الكثير من الفتاوى (حلالها وحرامها) إما بسبب ما وجده المعاصرون من اسباب تغير تلك الاحكام ، او انهم قد وجدوا ان اسبابا غير فقهية اوجدت تلك الفتاوى، من مثل تأثير السياسة والايديولوجيا عليها.

اما بالنسبة لامور تاريخية نظر فيها المراجع ، و غيرهم من فقهاء ورجال دين و مؤرخين و كتاب ، فقالوا بصدق وقوعها ، ثم جاء بعض المعاصرين وقالوا بعدمه ، فقد تناولتها هذه الدراسة .

ان الاختلاف في الفتاوي خاصة، يتأتى من :

((1 - الخلاف في الأصول والمباني العامة التي يعتمدونها في استنباطهم ، كالخلاف في حجية أصالة الظهور الكتابي ، أو الاجماع ، أو القياس ، أو الاستصحاب ، أو غيرها من المباني مما يقع موقع الكبرى من قياس الاستنباط .

 2 - اختلافهم في مدى انطباق هذه الكبريات على صغرياتها بعد اتفاقهم على الكبرى سواء كان منشأ الاختلاف اختلافا في الضوابط التي تعطى لتشخيص الصغريات بوجهة عامة أم ادعاء وجود قرائن خاصة لها مدخلية في التشخيص لدى بعض وإنكارها لدى آخرين)). (9)

ودراستنا هذه لا تستجلي كل ما موجود من فتاو ومرويات تاريخية وجد فيها الامام المؤيد الحاجة الى المراجعة – للاسباب التي وجدها – وانما اخذنا بعض الامثلة على سبيل المثال، لاستجلاء عمليات التجديد والتصحيح في الفكر الشيعي ، وكيف ان الاجتهاد له الدور الكبير في ذلك .

***

وعلينا ان ننبه القاريء اللبيب الى مسألة في غاية الاهمية ، وهي ان الكثير من المراجع والفقهاء قد تناولوا بالتجديد والتصحيح ما جاء به الاولون (ومنهم مراجع وفقهاء معاصرين).

ومن المعروف في الفكر الشيعي الاثني عشري ، انه لايمكن تقليد الميت ابتداء ، وفي الوقت نفسه ، جواز بقاء المقلد على تقليد الميت (في هذا اختلاف بين المراجع) .

ولما كان السيد محمد حسين فضل الله قد توفاه الله بأجله المحتوم – رحمه الله ، وهو من المجددين في الفكر الشيعي ، الاجتهادي خاصة ، فهذه الدراسة تنظر بعين الموضوعية الى ان سماحة المرجع العلامة الشيخ حسين المؤيد ومن خلال تجديده وتصحيحه في الفكر الشيعي منذ تصديه للمرجعية ، هو المؤهل لان يكون مرجع الشيعة في عصرنا الحديث، وهو عربي الاصل كالمرحوم فضل الله (10)، وقد بينا ذلك في كتابينا السابقين.

 ان مصدرنا الاساس لما في هذه الدراسة من اراء وفتاوي الامامين هو ما ثبت في مواقعهم الالكترونية على شبكة النت .

وفي الكثير من المواضع في هذا الكتاب او الكتب التي سبقته ، كنت دائما استشهد بإمور وقعت لي او امامي ،او لغيري ممن اثق بصدقهم ، وان الذي ارمي اليه من وراء ذلك – خاصة عند ذكر الامور السلبية – التأكيد على ان الخاصة من علماء ورجال دين ومفكرين شيعة في واد، وعامة الشيعة في واد اخر ، وتصل الامور حد التسامح من قبل الخاصة لما يعمله العامة من امور منافية للدين والاخلاق والسلوك والعقل والمنطق، بل منافية لما جاء به القرآن الكريم.

ان الامر الذي تريد قوله هذه الدراسة، ان الخاصة بكل عناوينهم، هم المسؤولين عن العامة وثقافتهم الدينية والمذهبية ، طالما يرجعون اليهم في التقليد ، تحت مفهوم المثل الشعبي الذي يقول : (ذبها براس عالم واطلع منها سالم) وايضا ، ان الذي شجع العامة على تطبيق هذا المثل هم خطباء المنبر الحسيني ، ووكلاء بعض المراجع منذ عقود عديدة من السنين.

انني ادعو رجال الدين كافة، وعلى مختلف عناوينهم، الى مسك زمام الامور في المذهب الشيعي في التصحيح والتجديد على المستويات الحياتية والدينية كافة ، ولا تترك الامور تسير بأخطائها التي صارت اليها لاسباب كثيرة ، وان ننظر اليها بمنظار اسلامي بحت بعد مراجعتها ومراجعة ما وصلنا من روايات واحاديث تحمل الغث والسمين ، واملنا كبيرا بسماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد رافع راية التجديد والتصحيح ، وبمن سبقه من رجال دين شيعة قدموا ما قدرهم الله على تقديمه.

***

الهوامش:

1 - دروس في علم الأصول - السيد محمد باقر الصدر - ج 1 - ص 46 – 47.

2 - المصدر السابق - ج 1 - ص 38.

3 - المصدر السابق - ج 1 - ص 38- 39.

4 - المصدر السابق- ج1 – 37.

5 - المصدر السابق- ج1 – 40.

6 - المصدر السابق- ج1 – 44.

7 - أصول البحث - الدكتور عبد الهادي الفضلي - ص 62 – 63.

8 -  كل المراجع الاحياء في المذهب الشيعي الاثني عشري هم بهذه الصفة ، عدى ما خالفهم في بعض المسائل.

9 - الأصول العامة للفقه المقارن - السيد محمد تقي الحكيم - ص 18.

10 – عندما اشرت الى قوميتهما العربية ، لم اقصد اية عنصرية او شيفونية بغيضة ، الا ان الذي دعاني الى قول ذلك هو ما جاء في كتاب (لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير - ص 15) عند حديثه عن الازمة التي وقعت بين المرجعية في قم والنجف وسماحة السيد فضل الله رحمه الله: (( ولهذا اتهموا المرجعية في النجف وقم بالتمييز العنصري بدعوى أنهم من الفرس وهو من العرب ، ومن ثم ليعزفوا على أوتار النغمة العنصرية الممجوجة ، والتي حاول من خلالها ضرب عصفورين بحجر)) .

فضلا عن ذلك عربية البعض من الفقهاء والمراجع الذين رفعوا راية التصحيح والتجديد ، كالامين ، وكاشف الغطاء.

ان قول الصغير يأتي من باب : (كاد المتهم ان يقول خذوني). وتأكيدا للصراع القومي الذي يدور في حوزة النجف ، كما جرى في حياة المرجع العربي محمد باقر الصدر في ستينات وسبعينات القرن الماضي ، وما جرى في حياة المرجع العربي محمد محمد صادق الصدر في تسعينات القرن الماضي، وما اتهم به المرجع الديني محسن الحكيم رحمه الله بتوزيع رواتب طلاب الحوزة ، ومنح الطلاب الايرانيين رواتب اكثر من اقرانهم من القوميات الاخرى.

الفصل الاول

فاعليَّة الحوزة

مبدأ التقليد :

هو : نظام ثقافي يجمع ابناء الشيعة الاثني عشرية ، مبدأه الاساس ، تقليد شخص واحد او اكثر يسمى المرجع، والذي يحصل على درجة الاجتهاد حسب تسلسل الدرجات العلمية في الحوزة.

    والاجتهاد هو :

    (( استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية لمن له القدرة العلمية)).(1)

    فيما المؤمن الشيعي العامي يسمى ( المقلِد) لذلك المرجع  ، أي الذي يرجع  : ((إلى المجتهد الجامع للشرائط وأخذ الحكم الشرعي منه )) .(2)

    والحوزة العلمية في النجف خاصة ذات جذور تاريخية قديمة ،وقد لعبت دورا كبيرا على الصعيد الديني – المذهبي ، وعلى الصعيد الاجتماعي ، والصعيد السياسي ، والثقافي ايضا.

تأسست الحوزة العلمية في النجف على يد الشيخ الطوسي المتوفي عام 460هـ، وكانت الدراسة فيها تنقسم الى مرحلتين ، هما :

1 - مرحلة المقدمات والسطوح .

2 - مرحلة البحث الخارجي .

فالمرحلة الاولى  تعتبر مرحلة اعداد ، اما الثانية ، فهي مرحلة التخصص والوصول الى الاجتهاد.

سارت الحوزة العلمية منذ التأسيس الى بداية القرن العشرين على الطريق الذي تأسست فيه ، حتى اذا جاء النصف الاول من القرن العشرين ، قام الشيخ محمد رضا المظفر كأول رجل اصلاح في الحوزة الى عدة خطوات اصلاحية وقف الكثير من رجال الحوزة (من اصول غير عربية) – وقتذاك - ضدها ، فماتت حركته الاصلاحية على الرغم من ان افكاره  ضلت منارا لمن جاء من بعده .

ما زالت الحوزات العلمية – خاصة في النجف – تفتقد مناهجها الى الكثير من الدروس واهمها دراسة وتدبر القرآن الكريم ، وكذلك تفتقر الى ما انتجه الفكر الحديث والمعرفة الحديثة.(3)

***

ومن اهداف المرجعية :

((1- نشر أحكام الإسلام على أوسع مدى ممكن بين المسلمين ، والعمل لتربية كل فرد منهم تربية دينية تضمن التزامه بتلك الأحكام في سلوكه الشخصي .

2- إيجاد تيار فكري واسع في الأمة يشتمل على المفاهيم الواعية من قبيل المفهوم الأساسي الذي يؤكد بأنّ الإسلام نظام كامل لشتى جوانب الحياة ، واتخاذ ما يمكن من أساليب لتركيز تلك المفاهيم .

3- إشباع الحاجات الفكرية للعمل الإسلامي ، وذلك عن طريق إيجاد البحوث الكافية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمقارنات الفكرية بين الإسلام وبقية المذاهب الاجتماعية ، وتوسيع نطاق الفقه الإسلامي على نحو يجعله قادراً على مد كل جوانب الحياة بالتشريع ، وتصعيد الحوزة ككل إلى مستوى هذه المهام الكبيرة .

4- القيمومة على العمل الإسلامي والإشراف على ما يعطيه العاملون في سبيل الإسلام في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مفاهيم وتأييد ما هو حق منها وتصحيح ما هو خطأ .

5- إعطاء مراكز العالمِية من المرجع إلى أدنى مراتب العلماء الصفة القيادية للأمة بتبني مصالحها والاهتمام بقضايا الناس واحتضان العاملـين في سبيل الإسلام)).(4)    

***

 الا ان العلامة الشيخ المؤيد يرى غير ذلك من خلال المشروع النهضوي الذي قدم فيه ملامح التجديد والتصحيح والاصلاح للحوزة وللاجتهاد في حوزة النجف العربية العراقية، يقول :

    ((  الحوزة تاريخيا وللأسف الشديد كانت تفتقد ولا تزال إلى الحضور العراقي ،الحوزة مكان حاضنة مفتوحة لكل الجنسيات لا يوجد تمييز إلا بالكفاءة العلمية وبالتقوى ولكن هذا لا يعني أن تتحول الحوزة في بلد كالعراق هو مهد للتشيع تاريخيا وحاضنة للتشيع تاريخيا ويعتبر شيعة العراق في الطليعة من شيعة المسلمين ،لا يمكن أن تتحول هذه الحوزة إلى وضع يهمش فيه الحضور العراقي والوجود العراقي بل لابد أن يكون المحور والأساس في الحوزة هو للعراقيين وللوجود العراقي ،والآخرون أيضا يفسح لهم المجال في حوزة هي حاضرة علمية كبرى وجامعة علمية تخرج العلماء والأفاضل من مختلف الجنسيات ولكن العراق يحتاج إلى علماء عراقيين ويحتاج إلى أفاضل عراقيين والى خطباء عراقيين والى أئمة جماعة عراقيين والى مراجع عراقيين والى أساتذة عراقيين وهذه حقيقة اجتماعية في كل مكان أشار إليها القران الكريم( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) فهو لا يرسل إلى العرب إنسان أعجميا ولا يرسل إلى العجم أنسانا عربيا وإنما من كل قوم يرسل من هو منهم يفهم ثقافتهم ولغتهم وأجوائهم وبالتالي يكون اقدر على التأثير فيهم ، نعم الكفاءة شرط لدينا مقاييس ومعايير شرعية الاعلمية وما شاكل ولكن الحضور العراقي في الحوزة أمر ضروري جدا لكي تستطيع الحوزة أن تنسجم مع الواقع العراقي وان توثر في الواقع العراقي وهذا أمر كانت تفتقد إليه الحوزات العلمية وحاول السيد الشهيد الصدر السيد محمد باقر قدس الله نفسه حاول في أخريات سنيه حاول أن يستقدم المثقفين والجامعيين إلى الحوزة وان يطعم هذه الحوزة بعقول عراقية وان يحتضن وان ينمي الحضور العراقي في الحوزة ولكن لم تطل به الأيام وانتكس الوضع إلى أن تصدى الشهيد الثاني الصدر الثاني إلى هذه القضية وعمل على تقوية الحضور العراقي في الحوزة ولعل ما هو موجود الان من حصيلة في الحوزة عراقية هي من ثمرات غرسه والان أيضا الحوزة بحاجة إلى تقوية وتنمية الحضور العراقي لان المجتمع العراقي لا يزال بحاجة وطلب العلم واجب كفائي إذا لم يمتثل بالنحو الذي يسقط به هذا الوجوب يكون الجميع آثمين والان لا يوجد ذلك العدد الكافي الذي يمكنه أن يغطي حاجة العراق فضلا عن حاجة البلدان العربية التي للشيعة فيها تواجد ولهذا من يجد في نفسه الرغبة والكفاءة والأهلية لطلب العلم الديني يجب عليه أن يبادر إلى طلب العلم والى الانخراط في صفوف الحوزة لكي يكون لنا ذلك العدد الكافي الذي نتمكن من خلاله من تغطية حاجات المجتمع العراقي لدينا وعلى جميع الأصعدة وهذه قضية قائمة إلى يومنا وسوف تزداد هذه الحاجة إلى الحضور العراقي في الحوزة مستقبليا أيضا ولابد أن يتنادى كل المخلصين لتوفير الظروف والأجواء التي يحتضن فيها من يريد طلب العلم ويوفر له الجو الكافي والمعاش الكافي الذي يمكنه من طلب العلم ومن التقدم والرقي كي يستطيع من خدمة المجتمع كي يستطيع خدمة المجتمع فيما بعد.(( (5 )

    والمشكلة تلك التي شخصها سماحته بأسلوب تاريخي علمي ومنطقي ، تكمن اسبابها كما يقول في ندوة حوارية  :

    ((في عدم تبلور مرجعية عراقية وطنية لها محورية في داخل الشعب العراقي الامر الذي كنا نصر عليه منذ اليوم الأول ولانريد أن ننطلق من منطلق عنصري في هذه القضية وإنما هذه مسألة تقتضيها طبيعة المجتمعات واشار اليها القرآن الكريم ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ))العراق الذي يحتضن الحوزات العلمية الشيعية في العالم اعني بذلك النجف الاشرف حوزة النجف تاريخيا بعد الفترة الصفوية همش فيها المحور العراقي الوطني الا في فترات محدودة ولهذا في ظل غياب مرجعية عراقية لها محوريتها لايمكن للمجتمع أن يتحرك بالشكل الصحيح . أساساً المشكلة التّي يعاني منها الشعب هي ان هناك معادلة تستبطن تناسبا عكسيا فهناك عاطفة دينية متأججة وثقافة دينية متدنية يمكن أن يكون من اهم اسباب هذه القضية الاضطهاد الديني السابق هذا الامر جعل الدين مظلوما بنظر الناس ، والشعب العراقي من خصوصياته انه يتميز بالتعاطف مع المظلومين ولهذا الحركات الثورية غالبا ما كانت تجد في العراق حاضنة لها تاريخيا لان الشعب العراقي شعب يتعاطف مع المظلومية فالدين حينما اصبح مظلوما تعاطف الناس مع الدين وتأججت عواطفهم والاضطهاد في نفس الوقت يعزل المواطن العراقي عن مصادر الفكر الديني الصحيح فالكتاب الإسلامي ممنوع، الخطيب الإسلامي لايستطيع ان يتكلم بما يريد، الناس تخشى الوصول إلى العالم وهكذا فأذن انتج ذلك هذا التناسب العكسي الذي يعتبر خللا بالتوازن . حينما تكون هنالك عاطفة دينية متأججة وثقافة دينية متدنية يدخل على الخط ما اصطلح عليه بالديماغوجية الدينية التّي تضاف اليها الديماغوجية السياسية وحينئذ تدخل قوى دينية وسياسية لتحريك الامة بأتجاه مصالحها هي، مستغلة تأجج العاطفة وتدني الثقافة .

وهناك قضية اخرى وهي انه تاريخيا كلما كان المتصدي في المجتمع العراقي مرجعية عراقية وطنية او كان هناك محور علمي عراقي وطني نجد ان المواقف تكون ايجابية ، المواقف العامة تكون ايجابية وينتعش الوضع الديني وينتعش الوضع الوطني بينما حينما تغيب المحاور الدينية العراقية الوطنية تتأزم الامور ويعيش المجتمع حالة من الضياع وأساساً نظرة وتربية الشيعة في تعاطيهم مع المرجعية هي على اساس النظر إلى المرجعية على انها زعامة دينية ولهذا تلتف الامة حول المرجع بوصفه نموذجا للزعامة الدينية وهذه التربية اعتاد عليها الناس وهي من حيث المبدأ قضية صحيحة ولكنّها حينما تلتقي مع مصداق مناسب نجد ان الزعامة الدينية تحرك الامة بأتجاه الاهداف الرسالية وحينما يغيب مثل هذا النموذج الظواهر غير الطبيعية او غير المطلوبة تطفو على السطح نحن نعتقد ان الشعب العراقي بحاجة إلى المحور الديني العراقي الوطني هذا المحور يجب ان يكون له ثقله العلمي . انت تحدثني عن مرجعيات تعبرعنها مرجعيات عراقية ولكن بغض النظر عن الاسماء وانت لم تطرح اسماء ولذلك استطيع ان اتوسع في هذا المجال لا اعتقد ان هناك فيمن يقصد من تتوفر فيه هذه المواصفات لان بروز المرجعية يقوم على اساس ان يكون للمرجع ثقله ووزنه العلمي الواضح في الحوزة وان يكون له عطاؤه الفكري في الامة . الامة في العصر الحديث تعودت على مرجعيات كان لها عطاؤها الفكري حينما نستذكر اسماءً لامعة كالامام الشهيد محمد باقر الصدر الذي لم يقتصر على مجرد الفتوى في الحلال والحرام وإنما كان له اسهامه الفكري الحضاري وكان له عطاؤه الفكري الذي تربى عليه شباب الامة ، الامة بحاجة إلى النمط الذي يغذيها من خلال وزنه وثقله مضافا فهمه وثقافته السياسية الحديثة التّي تجعله قادراعلى فهم الاحداث وتحليلها تحليلاً صحيحا ليتخذ المواقف الصائبة بشأنها ولهذا اعتقد انه من الضروري للمشروع الوطني السياسي والاجتماعي ان يعتمد على مرجعية عراقية لها وزنها العلمي ولها قدرتها على العطاء الفكري ولها ثقافتها السياسية المتينة اذا برز هذا المحور والتفت الامة حول هذا المحور يمكن رسم معادلة جديدة تكنس تداعيات وافرازات الواقع الحالي ونحن نؤكد وكنا قد اكدنا في بياناتنا ومواقفنا على ضرورة تقوية التّيار الوطني الذي يتبنى المشروع الوطني العراقي الذي لايقوم على اساس طائفي او اثني وإنما يقوم على اساس اعتماد المواطنة العراقية والتأكيد على هوية العراق الوطنية العربية والإسلامية . هناك خلل في الميزان السياسي في الساحة العراقية فالقوى التّي رضيت ان تتعامل بنحو او بآخر مع المحتل هذه القوى هي التّي تهيمن اليوم على الساحة بمجموعها ،والمعادل الموضوعي لهذه القوى الذي يمكن ان يكون مشروعا بديلا هو معادل ضعيف لان القوى الوطنية او الشخصيات الوطنية لم تشكل إلى الآن واقعا يحدث توازنا في الساحة السياسية ولهذا نحن دعونا منذ مدة وانعكس ذلك في تصريحاتنا الصحفية للصحف العربية وغيرها دعونا إلى تشكيل جبهة وطنية موحدة كي تكون هذه الجبهة المعادل الموضوعي الذي يعيد التوازن ليكون مشروعا بديلا يقدم إلى الشعب العراقي لاقناع المواطن العراقي به وببرنامجه السياسي ولهذا انا ادعو الاخوة والاخوات المتمسكين بالمشروع الوطني لاسيما النخب الثقافية والسياسية الوطنية إلى التركيز على هذه النقطة لان الحل ينطلق منها وفي ظل غياب التوازن السياسي لايمكن للقوى الوطنية ان تتحرك في اجواء الشحن الطائفي والاثني لان صوت هذا الشحن الطائفي والاثني سيعلو عليها كما حصل خلال هذه الفترة خلال هذه السنوات القلائل حيث اعتمد على تصعيد وتيرة هذا الشحن من اجل تغييب الحس الوطني لان هذا الحس الوطني يقلب المعادلة ولهذا اعتقد ان من الضروري ان يبدأ الحل من هذه النقطة)).(6)

     فسماحته يشدد على مسألة مهمة وهي تعريق الحوزة في النجف ليس بسبب عنصري شوفيني بغيض، ولكن بسبب جوهري هو: ((  لكي تستطيع الحوزة أن تنسجم مع الواقع العراقي وان توثر في الواقع العراقي وهذا أمر كانت تفتقد إليه الحوزات العلمية)).

    وسماحة العلامة الشيخ عندما ينتقد المرجعية فأنه ينطلق من اساس اسلامي ،وبمنهجية علمية موضوعية اسلامية، وبوطنية صافية لا يشوبها أي شائب، وفي الوقت نفسه يطالب بتطوير عمل تلك المرجعيات ، يقول سماحته :      

    ((موقف المرجعيات من الأحداث التّي شهدتها وتشهدها الساحة يرتبط بطبيعة هذه المؤسسة الدينية وان كان هناك , وهناك في الواقع إشكاليات في العمل المرجعي في عمل المؤسسة الدينية هذه الاشكاليات تعود إلى حاجة المؤسسة الدينية الى إعادة بناء وتطوير بما يؤهلها للعب دورها الاساسي بما يتناسب وطبيعة المرحلة ومتطلبات العصر ، لاشك بان هذا الاداء الذي شهدناه ونحن لانريد ان ننطلق من مواقف تتعلق بالأشخاص وإنما نريد ان ان نثمن الأداء والمنهج لاشك بان هذا الأداء لم يكن موفقا , المرجعية أساساً لايصح ان تكون مجرد منصب للفتوى بالحلال والحرام ولايمكن ان يستغرق عمل المرجع في هذا الجانب فقط انما المرجعية طبقاًًًًًًً لمدرسة اهل البيت امتداد شرعي لخط الإمامة وبالتالي يكون المرجع ممثلا لمنصب الإمامة في المجتمع وماقيمة الإمامة بدون الانفتاح على المجتمع بعرضه العريض, الآمر الذي يقتضي توفر مواصفات في المرجع تؤهله لاداء هذا الدور الكبير بما في ذلك ثقافته السياسية وفهمه وقدرته على تحليل الأوضاع تحليلاً صائباً . اذاً المؤسسة الدينية بوضعها الحالي ليست مؤهلة للعب هذا الدور على ان عملها لايزال يكتسب صفته التقليدية الرتيبة ولم يتطور بعد إلى عمل مؤسسي فالمرجع يحتاج لاتخاذ المواقف والقرارات إلى جهاز عمل وإلى مركز للأبحاث والدراسات وإلى هيئة استشارية تخصصية تمده بالمعطيات اللازمة وتعينه على حسن اتخاذ القرار. هذا الامر بحسب ما نعلمه من واقع المرجعيات غير متوفر بالشكل المطلوب ولهذا لايمكن ان نعتبر اداء المرجعيات فيما يرتبط بقضية كالقضية التّي تعرض لها العراق وكحدث كالحدث الذي تمر به المنطقة هذا الأداء ليس أداء يتناسب وحجم هذا الحدث . نحن ننطلق من منطلق تقييم ماجرى من إحتلال من خلال الستراتيجية التّي تنتهجها الولايات المتحدة ولهذا نعتبر ان الموقف الذي كان يجب ان يتخذ لابد ان يتناسب مع خطورة هذه الستراتيجية و تداعياتها على الامة بأكملها (...) فأذن نحن ننظر إلى الهجمة الامريكية على العراق وعلى المنطقة من هذه الزاوية الستراتيجية . من الواضح ان الافق اذا كان بهذا الشكل , هذا الامر يستدعي من المؤسسة الدينية موقفا يتناسب مع حجم خطورة هذه القضية والاداء الذي لاحظناه ليس بهذا المستوى مطلقا , المرجعية لم تتبن موقف المقاومة المسلحة وتبنت بحسب ماهو معلن موقف المقاومة السياسية ولكنّ المقاومة السياسية بالمعنى الفني السياسي لابد ان تتجسد في مجموعة من المظاهر يتحرك من خلالها الشعب تتحرك من خلالها الامة لم نجد مظهرا من هذه المظاهر التّي يمكن ان نقول عنها انها مقاومة سياسية بحجم الإحتلال . كان يمكن للمرجعِِِِِية أن توجه الشعب والامة بأتجاه المقاومة السياسية وأن تستغل نفوذها لتحريك الامة بهذا الاتجاه وكمثال بسيط على القضية لو أن المرجع اصدر فتوى تقضي بأن يرفع كل بيت عراقي لافتة على باب الدار تقول لا للإحتلال هذا مثال بسيط لوجدنا الامة تعيش في جو مقاوم سياسيا للإحتلال لكن لم نشهد مثل هذه القضية لم نشهد مثلا تظاهرات بحجم واسع تقوم على فكرة المقاومة السياسية للإحتلال)) . (7) 

    ومن مواصفات المرجع الذي عليه ان يتحمل تنفيذ الاهداف التي ذكرناها سابقا ، ان يكون كما يقول سماحته:

 ((  ان المرجع إذا أراد أن يلعب دوراً وحدوياً وان يكون مرجعاً وان يكون ملكا لكل المسلمين دون أن يتقوقع في إطار مذهبي ضيق حينئذ ممكن أن يشكل زعامة إسلامية ينضوي تحت مظلتها أبناء العراق بمختلف طوائفهم. ولا توجد لدى أبناء الشعب العراقي أية حساسية من التعامل مع مرجعية وطنية وحدوية ترعى مصالحهم بدون النظر إلى انتماءاتهم)). (8)            

    ولما كان حديثنا في السطورالسابقة قد انصب حول المرجعية ودورها في الحياة العامة والسياسية – وبأية صورة لها – فعلينا ان ننتبه الى امر هام، وهو دخول رجال دين بأسم الدين او الحوزة ليلعبوا ادوارا لا تخدم الشعب ، وقد حذر سماحته من مثل هؤلاء عندما قال :

    ((من المشاكل التّي عانتها الامة ومن التحديات التّي يواجهها المشروع الوطني والمشروع النهضوي هو ان بعض الاتجاهات ذات الصبغة الدينية بدلا من تديين السياسة سيست الدين وهذه مشكلة تترك اثرا سلبيا على الدين نفسه انا لااعني قضية فصل الدين عن السياسة انا اعتقد ان الإسلام هو دين الحياة لكل مناحيها ولكنّ تسييس الدين بمعنى تفريغ الدين من محتواه الرسالي وتحويل هذا الدين إلى آلة سياسية للوصول إلى اهداف معينة هذا هو الخطر)) . (9)   

***

ومن الذين انتقدموا عمل الحوزة في النجف ، فضلا عن الشيخ المظفر ، والشيخ المؤيد ، المرحوم السيد فضل الله الذي له رأي فيها ، و ردا على سؤال وجه له عن الأسلوب الامثل للخروج من أجواء الجمود الَّتي تنتشر في الحوزات، قال :

(( السّبل إلى ذلك كثيرة، وأهمّها الانفتاح على مشاكل العصر والأمّة، من أجل المشاركة في إيجاد الحلول المناسبة لها، لأنّه من الضّروريّ أن تكون الحوزة قريبةً جدّاً من النّاس، وبالتّالي، فلا ينبغي لها الابتعاد عن كلّ المشاكل والابتلاءات الّتي تحدث هنا وهناك، وهذا ما يعطي الحوزة دوراً فاعلاً وإيجابيّاً، وبالتّالي، فإنّ الانفتاح على الآخرين وعلى اعتراضاتهم وإشكالاتهم، سواء كانت تتعلّق بالنّاحية العقائديَّة والوجوديَّة، أو بالنّاحية التّاريخيَّة، ونحو ذلك من قضايا، يجعل التَّواصل والتّفاهم ممتدّاً إلى الّذين نختلف معهم، تماماً كما كان عليه الأئمّة(ع)، حيث كانوا محطَّ أنظار الجميع، من خلال توجّه الكلّ إليهم للسّؤال عمَّا يدور في أذهانهم، حتّى الّذين كانوا يقفون في الجهة المقابلة، كانوا يطرحون أسئلتهم، إمّا عناداً أو احتجاجاً، فكانوا يقفون عاجزين ـ عندئذٍ ـ في قبال الأئمّة(ع) وما يملكون من إجاباتٍ شافيةٍ ونافعةٍ لكلّ أسئلتهم، وإمّا استفساراً واستعلاماً، حيث كانوا يرون الأئمّة(ع) مناراً لهم من أجل السّير بهم في خطّ التّكامل للسّير نحو الله. وهذا ما نريد للحوزة أن تكون عليه، ونسأل الله أن يلهم الجميع السّير في هذا الاتجاه، والحمد لله، فإنّنا نلمس بين وقتٍ وآخر من يتحسَّس مثل هذه الهموم، ويحاول السّير بالحوزة إلى الأمام.)).

***

فالمطلوب من الحوزة العلمية كما جاء من خلال اراء ثلاثة مراجع ، هو تجاوز السلبيات التي شخصوها ، وهي:

- نقص في المادة وضعف في الأسلوب.

- التعقيد الذي لا يزال يطغى على الدراسة فيها ،و طابع الغموض .

- سوء التنظيم في تنسيق الأبحاث.

- الافتقار الى التواصل مع آفاق الفكر الحديث وشؤون المعرفة التجريبية.

- الافتقار الى الإحاطة الكاملة بشؤون الفكر الاسلامي من فقه وتفسير وحديث وتاريخ وما إلى ذلك.

- تفتقد ولا تزال إلى الحضور العراقي لكي تستطيع الحوزة أن تنسجم مع الواقع العراقي.

- عدم تبلور مرجعية عراقية وطنية لها محورية في داخل الشعب العراقي.

- الافتقاد إلى مرجع يغذيها من خلال وزنه وثقله مضافا فهمه وثقافته السياسية الحديثة التّي تجعله قادراعلى فهم الاحداث وتحليلها تحليلاً صحيحا ليتخذ المواقف الصائبة بشأنها.

- افتقاد المؤسسة الدينية الى إعادة بناء وتطوير بما يؤهلها للعب دورها الاساسي بما يتناسب وطبيعة المرحلة ومتطلبات العصر.

- ما زال عملها يكتسب صفته التقليدية الرتيبة ولم يتطور بعد إلى عمل مؤسسي، فالمرجع يحتاج لاتخاذ المواقف والقرارات إلى جهاز عمل وإلى مركز للأبحاث والدراسات، وإلى هيئة استشارية تخصصية تمده بالمعطيات اللازمة وتعينه على حسن اتخاذ القرار.

- تقوقع المرجع في إطار مذهبي ضيق ، إذ بعدمه يمكن أن يشكل زعامة إسلامية ينضوي تحت مظلتها أبناء العراق بمختلف طوائفهم. ولا توجد لدى أبناء الشعب العراقي أية حساسية من التعامل مع مرجعية وطنية وحدوية ترعى مصالحهم بدون النظر إلى انتماءاتهم  .          

 

الهوامش:

1 – الاسلام منهاج الحياة – متن فقهي يعبر عن دورة تمثل فتاوي سماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد .

2 – المصدر السابق.

3 - من المؤسف له ان المرجع الشيعي الكبير السيد علي السيستاني قد افتتح مؤسسة (مركز المصطفى للدراسات الاسلامية) في ايران ولم يفتتحه في العراق مثلا.

4 – المرجعية والولاية – الشيخ حسين المعتوق.

5 - الخطبة الثانية ليوم الجمعة المصادف   9ذو القعدة / 1424هـ.

    وقد نشر الكثير من الدراسات التي تناولت الحوزات العلمية ، وطالبت بالتصحيح والتجديد، ان كان ذلك في مناهج الدراسة الحوزوية ،او في خروج رجالها الى الحياة العامة والتفاعل الجاد والمثمر بين الخاصة والعامة من الشيعة.

    ومن هذه الدراسات على سبيل المثال لا الحصر :

- عراق بلا قيادة – عادل رؤوف- المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية.

- محمد محمد صادق الصدر ـ مرجعية الميدان ـ مشروعه التغييري ووقائع الأغتيال.

- ثوابت ومتغيرات الحوزة العلمية - جعفر الباقري.

- الدور السياسي لحوزة النجف - فاضل الربيعي.

- نظرات الى المرجعية – العاملي.

- المرجعية والولاية – الشيخ حسين المعتوق.

6 - وقائع اللقاء الهام للإمام المؤيد في ندوة حوار مفتوح عبر الانترنت مع شبكة أخبار العراق غرفة صوت الحق - بتاريخ 28/1/2006 .

    - وعن الشحن الطائفي يقول سماحته:

(( الشحن الطائفي كان له دور سلبي كبير وخطير لانه في ظل الشحن الطائفي تم تغييب المشروع الوطني العراقي وتسويق الطائفية السياسية وفتح المجال لتدخل ايران في الشأن العراقي وبالتالي تطويل عمر الاحتلال)). (الحوار الذي أجراه برنامج بلا حدود لقناة الجزيرة الفضائية مع سماحة الإمام المؤيد  18/1/2007).

7 - لقاء مع سماحة الشيخ آية الله حسين المؤيد في قناة الجزيرة مباشر
بتاريخ 16/9/2006
.

8 – المصدر السابق.

9 - ندوة حوار مفتوح عبر الانترنت مع شبكة أخبار العراق غرفة صوت الحق مع الإمام المؤيد - بتاريخ 28/1/2006 .

 

 

    

الفصل الثاني

مسائل عقدية

(المسائل العقدية تحتاج الى ادلة يقينية)

 

* الشفاعة.

* الولاية التكوينية.

* الرجعة.

* عالم الذر.

العقيدة:

 هي:(( الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقدة . ( ج ) عقائد .

- في الدين : ما يقصد به الاعتقاد دون العمل . كعقيدة  وجود الله ، وبعثه الرسل)) (1).

وهي ايضا : (( المعتقد ، ما لا يقبل الشك فيه لدى معتقده .

في الدين ، ما يقصد به الاعتقاد دون العمل ، كعقيدة وجود الله ، وبعثة الرسل . * العقائد : جمع عقيدة . (...) العقيدة : بفتح العين ج عقائد ، ما عقد عليه القلب واطمأن إليه .

أركان العقيدة : الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقضاء والقدر)).(2)

(( العقيدة هي المذهب .

: المعتقد ، ما لا يقبل الشك فيه لدى معتقده .

: في الدين ، ما يقصد به الاعتقاد دون العمل ، كعقيدة وجود الله ، وبعثة الرسل)) .(3)

***

وقبل ان اقلب هذه الصفحة اود ان اطرح رأيا سبق ان قلته في اكثر من دراسة في مسألة قدرة الله سبحانه وتعالى.

اعتقد – انا- جازما، ان الله قادر قدير على كل شيء منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا ، وهو يستطيع ان يفعل أي شيء ، الا انه في الوقت نفسه ، اعتقد اعتقادا جازما – ايضا – بأن الله سوف لم ولن يفعل أي شيء، ان كان ذلك للقوانين الطبيعية التي وضعها ليسير من خلالها الكون ، او من خلال القوانين الاخرى التي وضعها سبحانه في جسم كل كائن حي ، الانسان والحيوان والنبات، لان تغير أي قانون – قبل يوم القيامة - هو عبث محض وحاشا الله من ذلك.

اما ما يعتري الكون من تغيرات كونية تحدث هنا وهناك ، فهي تغير لا يخرج عما رسم من داخل قوانينها الذاتية.

وكذلك القول بالنسبة لقوانين الجسم الحي ، فهي لا تتغير الا لسبب يمكن التغلب عليه من خلال اعمال البشر ، وتقدمهم العلمي عبر مسيرة التاريخ البشري ، كالامراض التي تصيب الكثير من اجهزة الكائن الحي ، وهي – بعد التطور الذي وصل اليه الطب، واخراجها من كونها تنشأ لاسباب سحرية ، او بسبب الجن – قد تم السيطرة على بعضها ، فضلا عن معرفة اسباب نشوء البعض منها، اما الامراض الاخرى التي لم يصل العلم لحد الان الى معرفة اسبابها والمعالجة منها، فالتطور العلمي كفيل بذلك.

وقد خاطب الله عباده كافة بأن يُعمٍلوا ويطوروا عقولهم ليصلوا الى وسائل جديدة تخدمهم في كل شيء ابتداء من اجسامهم، وانتهاء بمكونات ومظاهر الكون كافة، قال تعالى :

* (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن:33) ، أي بعلم.

فلا حاجة – عندئذ – الى ان يمنح الله سبحانه أي شخص - بعد انهاء رسالاته وختمها بالاسلام ، وختم انبيائه ورسله بمحمد (ص) - القدرة على ان يغير شيء ، او ان يسيطر على شيء ، او ان يتحكم بشيء.

قال تعالى:

* (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يّـس:40)

* (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس:5)

* (المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ * اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). (الرعد : 1 - 4)

اما اليوم الموعود الذي سيتغير فيه كل شيء فهو يوم القيامة ، اليوم الذي يغير فيه الله سبحانه قوانين الطبيعة والكائن الحي:

* (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا *وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). (الزلزلة : 1 -8)

* (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ). ( التكوير: 1 - 14)

* (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ). (الانفطار:1 - 8)

* (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ).(1الانشقاق: 1 - 3)

فبماذا يتصرف من فوضه الله سبحانه حق التصرف بالكون وما فيه ، او ما يسمى بـ (الولاية التكوينية))؟

وإذا جادل البعض ، وقال ان الله سبحانه قد اعطى الكثير من عباده مثل هذه الولاية، كالنبي سليمان ، والنبي عيسى ، وغيرهما ،فهي لا تخرج من ان تكون معجزة نبوية انية لا تتكرر، وقد اثبت التاريخ ذلك.

***

1 - الشفاعة:

الشفاعة فعل انساني نشأ منذ القدم ، منذ نشأت القوى التي تخيف الانسان ، والالهة ، ان كانت هذه الالهة اصيلة بذاتها (مهما تنوعت صورها ، بشرية " طوطمية"، او مظهر من مظاهر الطبيعة )، او كانت غير ذلك ، أي رمز  لالهة اقوى منها  (كالتماثيل ، او الاوثان مثلا) تسكن في مكان خارج المكان الذي يسكن فيه البشر ، السماء مثلا .

واذا اطلقنا على الانسان تسمية العبد وعلى الالهة تسمية السيد، فإن العلاقة التي تربط العبد بسيده هي علاقة اشكالية ، إذ مرة تكون علاقة رضية سوية ، ومرة اخرى غير ذلك ، فيحتاج العبد الى رضى سيد  ، فيبحث عن طريق لارضائه، فإما ان يرضيه بشيء ما (القرابين مثلا) او ان يجد شيئا ما (مشخص) يقوم بينهما كواسطة لارضائه.

والشفاعة هي واسطة بين العبد وسيده للحصول على رضا السيد .(4)

والعرب قبل الاسلام (سوى من كان حنيفيا)، حالهم حال البشرية (يإستثناء بعض معتنقي الديانات السماوية) كانوا من هذا النوع ، انهم يعبدون بعض الالهة لتقربهم زلفى الى الله :

* (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر:3)

* (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (هود:101)

* (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الجاثـية:10)

اما القرابين ، بكل صورها واشكالها، والاموال التي تقدم للالهة ، فلا تنفع شيئا مع الله:

(وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) (سـبأ:37)

لانه لو نفعت ، لانتفى العدل الهي .

***

نحن نعرف جميعا انه لم ترد آية واحدة تؤكد على شفاعة النبي محمد (ص) ، وان رابطة الرحم بينه وبين ابنته السيدة فاطمة الزهراء ، وابن عمه الامام علي بن ابي طالب ، وذريتهما ، هي رابطة لا تجعلهم اكثر فضلا من النبي (ص) عند الله.

الا انه في الوقت نفسه  نفهم جيدا ان الشفاعة يوم القيامة ستكون لبعض خلق الله ، من نبي ورسول وشهيد وولي ، وفي ذلك امور، منها:

- ان الله لم يخبرنا في كتابه الكريم عن الذين يحق لهم الشفاعة، بإستثناء مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ، ونحن لا نعرفه.

- ان الشفاعة لا تكون الا لمن ارتضاه الله ، ونحن لا نعرفه.

*(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (الانبياء:28)

- ان الشفاعة لا تقع الا بعد إذن من الله ، ولا نعرف من الذي يأذن له الله.

*(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)

وقد ناقشنا الشفاعة في الكتاب الاول من هذه الدراسة ، ولا بأس ان نعيد اهم ما قيل فيه.

***

من المسائل العقدية التي اشتركت فيها الاديان كافة – السماوية والوضعية – هي مسألة الشفاعة ، واخذت لها مساحة واسعة في الدراسات الفلسفية والكلامية(5)، وباتت عند المؤمنين - بتلك الاديان- شغلهم الشاغل وحلمهم الذي يرجون التحقق يوم الاخرة،ليفوزوا الفوز العظيم ، انها صارت ثقافة عامة منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا.

الا ان الاختلاف الذي وقع بين الاديان ومن ثم بين المذاهب داخل كل دين في هذه المسألة، جعلها تتربع على عرش الدراسات تلك ، ومن ثم وضع لها الكثير من الاحاديث(6)- على صعيد الدين الاسلامي - التي تؤيدها من خلال الشافع والمشفوع اعتمادا على العشرات من الايات القرآنية ، فراحت كافة المذاهب الاسلامية تضع الاحكام لها ، وتتفنن بذكر من يشفع ومن الذي يشفع له.

ووضعت الاسئلة:

- هل هي خاصة بالمؤمنين ام لغيرهم، خاصة اصحاب الكبيرة ؟  

- من هم المشفعون ،هل الانبياء يشفعون ام ان النبي محمد (ص) فقط يقوم بهذا الدور ، وهل هناك غيرهم؟

  وهناك من وسع وهناك من ضيق .

وقد ناقش الفكر الشيعي هذه المسألة وتوصل الى ان من يقوم بالشفاعة هم : الأنبياء والشهداء والعلماء ، و القرآن ، والصالحون، والمؤمنون ،وخاصة النبي (ص) والائمة .

(( والشفاعة ثبتت عندنا للنبي ( ص ) وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين . . .)) كما يقول الطوسي ص26 .

و قال الامام على بن ابي طالب( لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة) كما يذكر  الصدوق ص20.

وقال الشيخ المفيد : (( اتفقت الإمامية على أن رسول الله ( ص ) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته ، وأن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وأن أئمة آل محمد ( عليهم السلام ) كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين )). ص25.

وفي اجابة للمرجع الديني السيد علي السيستاني عن سؤال جاء فيه: ( لمن الشفاعة الكبرى يوم القيامة ؟ 1 - الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - ؟ 2 - فاطمة الزهراء - عليها السلام - ؟ 3 - علي بن أبي طالب - عليه السلام - ؟) قال :

(( رسول الله - ص - صاحب الشفاعة الكبرى ففي الأحاديث أن الأنبياء أيضا بحاجة إلى شفاعته والمراد من الشفاعة أن ولايته أي متابعته والإيمان به لو لم ينضم إلى العمل لم ينفع . ولا يبعد أن يقال أنها بهذا المعنى لا تختلف بالنسبة إلى الرسول (ص) ، فإنه كما لا ينفع العمل من دون ولائه (ص) كذلك لا ينفع من دون ولائهم سلام الله عليهم)) .(7)

وجاء في تفسير الإمام العسكري (ع) - المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) - ص 37 :

 (( ... شفاعة المؤمنين : فإذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة  الواحدة  إلى تسعة وتسعين رحمة فيرحم بها أمة محمد صلى الله عليه وآله ، ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة حتى أن الواحد ليجئ إلى مؤمن من الشيعة ، فيقول : اشفع لي . فيقول : وأي حق لك علي ؟ فيقول : سقيتك يوما ماءا . فيذكر ذلك ، فيشفع له ، فيشفع فيه ، ويجيئه آخر فيقول : إن لي عليك حقا ، فاشفع لي . فيقول : وما حقك علي ؟ فيقول : استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار . فيشفع له ، فيشفع فيه ، ولا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه ، فان المؤمن أكرم على الله مما تظنون )).

في هذا التفسير يتخصص المؤمن بالشيعي فقط.

ومن هذا الفهم الشيعي للشفاعة ، تأثرت الحياة الدنيا للشيعة ، حتى وصل الامر الى القول ان زيارة ضريح الامام الحسين تدخل صاحبها الجنة، وغير ذلك، فبدأ الاتكال ، وضاعت الفرائض الالهية.

(( عن أبي عبد الله ( ع ) قال : من زار الحسين بن علي ( ع ) في شهر رمضان ومات في الطريق لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة آمنا )).(8)

عن جعفر بن محمد ((من جاءه خاشعا محتسبا مستقيلا مستغفرا فشهد قبره في احدى ثلاث ليال من شهر رمضان أول ليلة من الشهر وليلة النصف وآخر ليلة منه تساقطت عنه ذنوبه وخطاياه)). (9)    

((وروى عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) إني سمعتك وأنت تقول : كل شيعتنا في الجنة على ما كان منهم . قال : صدقتك كلهم والله في الجنة قال : قلت جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبار . فقال : أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي ولكني والله أتخوف عليكم في البرزخ . قلت : وما البرزخ ؟ قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة))0 (10)

واخيرا يقول محرر (الشفاعة حقيقة إسلامية) في صفحته الاخيرة : ((وأن الرسول ( ص) والأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) والصالحين والعمل الصالح والقرآن والملائكة كلهم يشفعون للذين يستحقون الشفاعة))

***

تعريف الشفاعة:

تعرف الشفاعة لغة : (شفع شفعا ، الشئ صيره شفعا أي زوجا بأن يضيف إليه مثله ، يقال كان وترا فشفعه بآخر " أي قرنه به " . وتقول " شفع لي الأشخاص " أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري ، وشفع شفاعة لفلان ، أو فيه إلى زيد : طلب من زيد أن يعاونه وشفع عليه بالعداوة : أعان عليه وضاده . وتشفع لي وإلي بفلان أو في فلان : طلب شفاعتي). (11)

اما اصطلاحا فهي : (نوع من الدعاء والرجاء) و (رفع العقاب عن المذنبين) ص10.

هذا يعني ان طرفا ثالثا يسمى الشافع دخل في الوسط بين الطرف الاول المتشفع منه (المشفع) والطرف الثاني المتشفع له.

وهو ما يسمى مجازا بـ (الواسطة) بين طرف واخر، او في مفهوم المشركين قبل البعثة بمعنى :(المتخذينهم زلفى ، أي المتقرب بهم ) مع العلم ، يقول القرآن الكريم:

(وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) (سـبأ:37)

 (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر:3)

وقد وردت الشفاعة وتصريفاتها في  القرأن الكريم في اكثر من اية:

*(لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً) (مريم:87)

*(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طـه:109)

*(وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سـبأ:23)

*(قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الزمر:44)

*(وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (الزخرف:86)

*( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:48)

*( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة:123)

*(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:254)

*( مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) (النساء:85)

 *( كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين * فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة *فرت من قسورة ).( المدثر:38 - 51 )

*( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين * الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون *ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون *هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون). (الاعراف:50 - 53 )

*( ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) (الروم:13)

*( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ) (الزمر:43)

*( فكبكبوا فيها هم والغاون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم ) (الشعراء : 94 - 101)

*(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (يونس:18)

 *( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)

 *(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأنعام:51)

 *(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (الأنعام:70)

 *(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (يونس:3)

 *(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (السجدة:4)

 *(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر:18)

***

اذن، من يملك فعل الشفاعة هم :

- مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً.

- إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً.

- إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.

- إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ.

والمنفي عنهم الشفاعة:

- من يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ.

- لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ.

- المشركون.

- المجرمون.

- اِلظَّالِمِونَ.

- الذين نسوا الدين.

- الكافرون.

- الممتنع عن الانفاق.

- المفترون.

- الغاوون .

- جنود إبليس أجمعون .

- المكذبون بيوم القيامة.

- اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا.

فيما الفكر الشيعي يذكر بلا دليل موثق اؤلئك الذين يملكون الشفاعة (بإذن الله)، وهم:

- النبي (ص).

- السيدة فاطمة الزهراء.

- الامام علي بن ابي طالب و الائمة.

- الشيعة المؤمنون.

- الشهداء.

- العلماء.

- الصالحون.

وحتما ان الشهداء والعلماء والصالحين هم فقط من الشيعة طالما خص الشيعة من المؤمنين فقط .

دراستنا هذه تناقش هذه المسألة بين فكر سماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد ، الذي رفع راية الاصلاح في المذهب الشيعي (12) فضلا عن انه صاحب مشروع اصلاحي وطني واسلامي، مقارنة بالفكر الاجتهادي الاتباعي ، والفكر الشيعي الغالي ، في المذهب الشيعي الامامي الاثني عشري .

***

الشفاعة في فكرالعلامة الشيخ المؤيد:

بينا في الكتاب الاول من هذه الدراسة رأي سماحة العلامة الشيخ المؤيد بهذه المسألة انطلاقا من قواعد اساسية ذكرها الامام، منها :

((1- ان الشفاعة قضية تعيش في وجدان الناس و تنعكس على سلوكهم و طريقة تفكيرهم و نظرتهم الى الأمور ، و هي مضافاً الى أنها تلتقي مع نزعة في نفس الانسان تميل الى التشبث يأطواق النجاة و ان على مستوى الامل ، فانها اتخذت بدوافع سياسية و مصلحية أيضاً لتبرير تصرفات الظالمين و من على شاكلتهم و ترميم صورتهم بين الناس و تسكين خواطرهم ازاء ما يصدر عنهم من سيئات)).

ولو راجعنا كتب علماء الشيعة كافة ممن ناقشوا عقيدة الشفاعة لما وجدنا احدا منهم يقر بأنها مبدأ انساني تاريخي قبل ظهور الاديان السماوية ، وإذ اقول هذا القول فهذا لا يعني مطالبتهم بذلك ، بقدر ما يعني ان معارفهم على الرغم من انها تنطلق من القرآن والسنة النبوية حسب رواياتاهم ، لا تبتعد عن ذلك ، وحتى الله سبحانه اتجه الى الواقع والتاريخ وتمثل بهما ،الا علماء الشيعة في هذه المسألة وغيرها ، نراهم يصمون الاذان والاعين عن الواقع وما حفل به التاريخ الانساني وكأنهم يعيشون في جزيرة مهجورة.

((2- إنّ تكوين مفهوم صائب عن الشفاعة يجب أن يمر عبر التركيز على ما ورد في القرآن الكريم و جعله الأساس الذي بناءً عليه يتم التعامل مع ما ورد في الشفاعة من أحاديث فلا يؤخذ الا بما ينسجم و المعطيات الموجودة في القرآن الكريم ، و يترك ما عدا ذلك وان كان له سند معتبر ، لأن اعتبار السند لوحده لا يكفي في حجية الحديث و انما يجب التأكد من سلامة المتن أيضاً على أساس عدم التنافي مع محكمات القرآن الكريم و مسلمات العقل و الفطرة)) .

ومن هذه المنهجية العلمية / الواقعية ، ناقش سماحة العلامة الشيخ مفهوم الشفاعة، فكانت (نظريته) او رأيه الذي لا يبتعد عن القرآن الكريم .

***

وان نظرية سماحة العلامة الشيخ ، تعتمد على :

1 - أن الأصل و القاعدة العامة في الثواب و العقاب و الجزاء هو الإيمان و العمل.

2 - ان للشفاعة دور في يوم الجزاء و ان لم تكن الأصل و القاعدة لكنها عامل مساعد .

3- ان قرار الشفاعة بيد الله تعالى وحده ، فهو مالك الشفاعة و اليه يرجع أمرها ، و ليس هناك تفويض عام بها لأحد من دون الله عز و جل.

4- إن الشفاعة يوم القيامة لا تكون الا بإذن من الله عز و جل في ذلك اليوم فليس لأحد أن يبادر بالشفاعة لأحد.

5- ان تأثير الشفاعة يتوقف على أمرين :

- الأول : اذن الله تعالى بالشفاعة .

 الثاني : رضاه بها .

6- انّ الشفاعة لا تكون في كل المجالات.

7- أنّ الاذن بالشفاعة لن يعطى الا اذا ارتضى الله تعالى الشفاعة للمشفوع له، و لعل هذه الغيبية تأتي في سياق يربي الناس على عدم الاتكال على الشفاعة بدلاً من العمل.  

8- لم يذكر القرآن الكريم تفاصيل المجالات التي تقبل فيها الشفاعة.

9- لم يتحدث القرآن الكريم عن تفاصيل الشافعين.

ونفهم من اعلاه :

انها بيد الله، ولا تفويض عام بها الا لمن يرتضيه و يأذن له الله، ليست عامة ،وعلى المؤمن ان لا يتكل عليها لان ايمانه وعمله هما العاملان المساعدان في الحصول عليها.

فيتوصل سماحته الى نتيجة مفادها :

1 -  أن الشفاعة قضية محدودة بحدود معينة و انها ترتبط باذن الله تعالى و لها مجالات معينة و لا تكون الا في حق أشخاص معينين .

2 - لا بد أن تعرض أحاديث الشفاعة على هذه المعطيات القرآنية فيقبل منها ما لا يتعارض و هذه المعطيات تعارضا بيناً و يرفض الباقي .

 وهاتان النتيجتان (أي محدودية الشفاعة وصحة الاحاديث) لم يضعهما نصب عينيه كل من ناقش هذه المسألة من فلاسفة وكلاميين ومفسرين وغيرهم.

وقد انتبه سماحة العلامة الشيخ الى قضية كانت غائبة عن فكر من ناقش هذه المسألة، وهي قضية التوبة المفتوح بابها امام المؤمنين ، ومن خلالها يمكن للعبد ان يراجع اعماله فيتوب ولا ينتظر الشفاعة الاخروية.

*(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طـه:82)

اذن فالشفاعة ، كما يقول سماحة العلامة الشيخ :

((ليست ذلك الباب المفتوح على مصراعيه ليكون طوق النجاة للمجرمين و الآثمين ليتعلقوا به ، و ليست رجاءً يعوّل عليه من لا يريد أن يسعى و يتواكل عن العمل إتكالاً على الشفاعة ، كما أنها ليست باباً ضيقة تختص بالمتقين فقط دون غيرهم ، فإن هذا الاختصاص لا تدل عليه آيات القرآن الكريم ، و قوله تعالى ( و لا يشفعون الا لمن إرتضى ) المقصود به من ارتضى للشفاعة و ليسَ من ارتضى بمعنى من اتقى و رضي عنه لتكون الشفاعة خاصة بالمتقين لان هذا الفهم لا ينسجم مع ما يفهم عرفاً من معنى الشفاعة و من الجو العام لآيات الشفاعة و قيودها الموحي بالشفاعة لمن يحتاج اليها في درء العذاب أو تخفيفه ، و هذا لا يتنافى مع استحقاق المذنب للعقاب الاخروي حتى تلك الذنوب التي يستحق عليها الخلود في النار لأنه قد يكون له من الأعمال و المواقف ما يفتح له معها باب الشفاعة عند الله تعالى في التخفيف أو المسامحة . نعم كل ذلك في إلاطار الذي لا يخرج بالشفاعة عن مقتضى فلسفة المعاد و عن القاعدة الأساسية في الجزاء)).

***

وما دمنا نتحدث عن الشفاعة بين الاجتهاد والرأي الاتباعي ، وبين تجديد وتصحيح سماحة العلامة الشيخ المؤيد في الكثير من المسائل العقدية عند ابناء مذهبه ، وهو المرجع المؤتمن على هذا المذهب ، وما يقوله مستند الى دليل موثوق ثقة علمية – خاصة الروايات والاحاديث – من ناحية السند والمتن وموافقتهم للقرآن الكريم ،  فلا مندوحة في ذكر المعركة الحامية – من على المنابر والورق  المطبوع – بين سماحة الامام السيد المرحوم محمد حسين فضل الله ، الذي نادى هو بالتجديد وبالتصحيح ، وبين الاتباعيين ومن يمكن وصفهم بالمفوضة والغالين ، في العقد التاسع من القرن الماضي ، في مسالة الشفاعة خاصة.

سأعتمد في هذه الدراسة النصوص التي اعتمدها من ناقشه في هذه المسألة والمبثوثة بين صفحات كتبه وتسجيلات محاضراته، لا لشيء الا لكي تكون مقارنتنا للاراء من كلا الطرفين ، فضلا عن مقارنتها مع اراء سماحة العلامة الشيخ المؤيد ، مقارنة صادقة ، ومن خلال كتبهم التي هي حجة عليهم.

يقول السيد جعفر مرتضى في كتابه (خلفيات كتاب مأساة الزهراء (ع) - السيد جعفر مرتضى - ج 2 - ص 203 وما بعدها) :

 (( هذه نماذج من كلماته(13) تدل على هذا المعنى نذكرها هنا ونعلق عليها بما يناسب حال الكتاب ويقتضيه المقام)) والكلمات هذه هي المآخذ التي وقف عندها السيد جعفر في رأي السيد فضل الله رحمه الله :

- أطلب من الله أن يشفع عليا فيك .

- يا محمد ، يا علي ، شرك في العبادة .

- وكما قلنا فإن الشرك في العبادة ، هو أن تدعو غير الله ، حتى الأنبياء والأئمة ، لا يمكن أبدا أن تدعوهم بمعنى أن تقول : يا الله ، يا محمد ، هذا لا يجوز " .

- نعم أن تتوسل بمحمد ليشفع لك إلى الله هذا لا يضر .

- أن تقول : يا الله يا علي بالمعنى الذي تقول به : يا الله . . هذا لا يجوز .

- نعم أن تطلب من الله أن يشفع عليا بك لقربه منه ، ولأنه يشفع أولياءه فهذا لا يضر ".

- الله لا يريدنا أن نتوجه إلى أحد من الناس

- الشفاعة بالشكل وليست حقيقية .

- لا معنى للتقرب للأنبياء ، والأوصياء لأجل شفاعتهم .

- ويقول البعض(14) : " لذلك فإن الله يريدنا ألا نتوجه إلى الناس مباشرة ، بل أن نتوجه إلى الله مباشرة وأن يكون الناس أولياء ، لاحظوا مثلا في دعاء يوم الخميس ( واجعل توسلي به شافعا ) شفعه في ، أن تختزن في نفسك أن النبي ( ص ) لا يملك الشفاعة في نفسه بل تجعله شفيعا أمام الله وتطلب من الله أن يشفعه فيك ، فمعنى ذلك وكما في أدب أهل البيت لنا أن الشفاعة عندما تطلبها فإنك تطلبها من الله ( واجعله شفيعا مشفعا ) أي أن يكون شفيعا تشفعه فالله سبحانه وتعالى الذي يجعل الأنبياء شفعاء ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ( الأنبياء 28 ) ( ولا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ) ولذلك فإن بعض الناس إذا ذبح ذبيحة للسيدة زينب أو للعباس أو للحسين أو طعاما تصور أنه عمل بطريقة ( أطعم الفم تستحي العين ) ".

- ثم هو يقول : " إن الشفاعة إنما هي بالشكل فقط ، وليست حالة وساطة بالمعنى الذي يفهمه الناس في علاقاتهم بالعظماء حيث يلجأون إلى الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة مودة أو مصلحة أو موقع معين ليكونوا الواسطة في إيصال مطالبهم وقضاء حوائجهم عنده " .

- ثم يقول بالحرف : " إن الشفاعة هي كرامة من الله لبعض عباده فيما يريد أن يظهره من فضلهم في الآخرة فيشفعهم في من يريد المغفرة له ، ورفع درجته عنده ، لتكون المسألة - في الشكل - واسطة في النتائج التي يتمثل فيها العفو الإلهي الرباني ، تماما كما لو كان النبي السبب ، أو الولي هو الواسطة " . إلى أن قال : " وفي ضوء ذلك لا معنى للتقرب للأنبياء ، والأولياء ، ليحصل الناس على شفاعتهم ، لأنهم لا يملكون من أمرها شيئا بالمعنى الذاتي المستقل . بل الله هو المالك لذلك كله على جميع المستويات ، فهو الذي يأذن لهم بذلك في مواقع محددة ، ليس لهم أن يتجاوزوها . الأمر الذي يفرض التقرب إلى الله في أن يجعلنا ممن يأذن لهم بالشفاعة له ".

- أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم .

- لا حاجة في الحديث مع الله إلى الوسائط من البشر أو من غيرهم .

- الله هو الجدير بالعبادة وطلب الشفاعة .

- الشافعون لا يقربون بعيدا من الله .

- الشفاعة كرامة للشافع فيشفعه الله بمن يريد أن يغفر له .

- الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة .

- الشفاعة مهمة محددة فلا تستغرق في ذات النبي والولي لأجلها .

- التوسل بالشفعاء معناه وجود نقاط ضعف في قدرة أو في عظمة الله تعالى .

- لا معنى للتوجه للمخلوق لطلب الشفاعة ما دام لا يملكها بنفسه .

- أطلب من الله ليمنح الخاطئ الشفاعة من خلال الشافع .

- لا يطلب أحد من مخلوق شيئا ، بل الطلب من الله فقط والقصد إليه حتى في الشفاعة .

- الشفاعة وظيفة إلهية محددة الموقع والشخص والدور .

- طلب الشفاعة مباشرة من المخلوق لا ينسجم مع التوحيد .

- إن الشفاعة لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة ، بل هي بأمر الله ورضاه

 - لا واسطة بين العبد وربه في خطابه وسؤاله له : وقد نلاحظ في التوجه الإنساني بوحدانية العبادة والاستعانة . . في خطاب العبد لربه في هذه الآية الكريمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) . . أن الإنسان لا يحتاج في حديثه مع الله وفي طلبه منه إلى أية واسطة من بشر أو غيره ، لأن الله لا يبتعد عن عبده ولا يضع أي فاصل بينه وبينه .

- لا يتدخل أحد إلا بإذنه الذي يلقيه الله إليه فيما يريد ، وفيما لا يريد .

 - لا معنى لأن يتوجه الإنسان للشفعاء ولو عبر الواسطة .

- المطلوب هو التخلص من الإغراق في أسلوب الطلب من الأنبياء والأولياء . 883 - الإغراق في الطلب من النبي والولي إلى حد ينسى الطالب ربه مرفوض .

- يستغرق في ذات النبي والولي حتى ينسى ربه .

 - لا يملك أحد أن يتدخل في إنقاذ أحد من خلال موقع مميز خاص .

- يقول البعض : " . . ( ولا تنفع الشفاعة عنده ) فليست هناك مراكز قوى تفرض نفسها على الله ، من موقع القوة الذاتية التي تترك تأثيراتها على قرار الله ، فيمن يعطيه أو فيمن يمنعه لتكون هناك نقاط ضعف في قدرته أو في عظمته الإلهية . . ليحتاج الناس إلى التوسل إليه بالشفعاء ليصلوا من خلالهم إلى مواقع رحمته ورضاه ، ليتعبدوا لهم للحصول على رضاهم الذي يؤدي للحصول على رضاه . . فليس هناك أحد أقرب إليه من أحد ، من حيث الذات ، فهو الذي يقرب الناس إليه ، ويمنحهم درجة القرب إليه من خلال أعمالهم . . ويبقيهم في دائرة الخضوع له المنتظرين لإذنه في كل ما يفعلون أو ما يتركون . . فيعرفون أنهم لا يملكون الشفاعة أمامه لأي شخص لأنهم لا يملكون معه أي شيء ( إلا لمن أذن له ) في ذلك فأراد تكريمه بالشفاعة لبعض الخاطئين الذين يريدون أن يغفر لهم بحيث تكون الشفاعة وظيفة إلهية محددة الموقع معينة الشخص والدور ، من دون زيادة ولا نقصان ، . . وفي ضوء ذلك نفهم أن الشفاعة ليست حالة ذاتية للشفعاء لدى الله ، بل هي مهمة محددة في دائرة المهمات التي قد يوكلها إلى بعض عباده ، لمصلحة يراها ، في وقت محدود ، ودور خاص ، مما يفرض على المؤمنين عدم الاستغراق في ذات النبي أو الولي . . طلبا للشفاعة ، بل في توجيه الخطاب لله أن يمنحه الشفاعة من خلالهما ".

- ويقول أيضا : " . . فليس هناك إلا العمل . . وإذا كانت هناك من شفاعة ، فإنها لا تنطلق من رغبة الشفيع الخاصة بل هي بأمره ورضاه ، فلا معنى لأن تتوجه إلى المخلوق بطلب الشفاعة ما دام لا يملكها بنفسه ، بل ينتظر أمر الله فيها . . فهو الجدير بالعبادة وطلب الشفاعة . . وفي ضوء ذلك ، كان التوحيد يمثل الصفاء الروحي الذي يعيش معه الإنسان في حركة الإيمان المطلق بعيدا عن كل التعقيدات الخانقة التي تجر معها المزيد من العادات والتقاليد والأجواء الضاغطة على الفكر والروح والشعور ".

- ويقول أيضا : " . . ولا يقبل من أحد رجاء ولا شفاعة في حق نفسه أو في حق غيره ، لأن أي واحد منهم لا يملك حقا ذاتيا في ذلك كله إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة فأراد الله أن يكرمه بها ليجعل له الكرامة باستنقاذ من يريد الله أن ينقذه من النار ، ويرحمه برحمته ، وذلك هو الذي رضي الله قوله فيما يعبر عنه القول من العقيدة الصافية الحقة ، والروح الراضية المرضية والعمل الخالص الذي يتحرك في رضا الله من خلال وعي الإيمان وطهر الإخلاص . وفي ضوء هذه الآية نستفيد تقرير مبدأ الشفاعة التي تؤكد وجودها لدى بعض الأشخاص المقربين إلى الله . ولكن من خلال إعطاء الله ذلك فيكون القصد والتوجه لله في المسألة في الشفاعة لا إلى الشخص لأنه لا يملك من أمر الشفاعة شيئا في نفسه . . وذلك هو الحد الفاصل بين الاستغراق في الشخص من خلال الاستغراق في ذاته ، وبين الاستغراق في الله على أساس الكرامة التي يمنحها لبعض عباده في شفاعته للآخرين استجابة لإرادة الله له في ذلك . . وهذا هو الذي يعطي للعقيدة صفاءها فلا يطلب أحد من مخلوق شيئا بل يكون الطلب كله لله ، والقصد إليه في كل شيء حتى في الشفاعة التي لا يملكها أحد إلا بإذنه ".

- ويقول البعض أيضا : " . . تلك هي مواقعهم فيما تتميز به مواقعهم الشخصية ، وفيما يقفون عنده من حدود مواقعهم أمام الله فلا يتجاوزونها فيما يعيشونه في داخل حياتهم الخاصة ، وفيما يتحركون به من العلاقات في حياة الآخرين . . فلا يتصرفون معهم إلا بما يعلمون أن الله يرضى عنه ، فلا يرون لأنفسهم الحرية في أن تتدخل العوامل الذاتية فيما يريدون أن يتقدموا به إلى الله ، من الشفاعة لبعض الخاطئين ، أو المنحرفين ، لأنهم يعرفون أن الشفاعة ليست حالة ذاتية ينطلق بها المقربون إلى الله ليستفيدوا من مواقع القرب ، في علاقاتهم الخاصة بالأشخاص ، ليقربوا بعيدا عن الله ، كما يفعل الناس في الدنيا ، ليتقرب الناس إليهم بما يتقربون به إلى المقربين من الملوك والأمراء ، ليشفعوا لهم عنده ، فينفعلون بذلك ، فيما يتحدثون به ، إلى رؤسائهم ، في قضايا الامتيازات والشفاعات ، وما إلى ذلك . . إن المقربين من عباد الله المكرمين ، سواء منهم الملائكة أو الأنبياء والأولياء ، لا يعيشون في مشاعرهم العنصر الذاتي ، بل يتمثلون في وجدانهم العنصر الروحي فهم يعرفون مواقع رضا الله فيتحركون فيها ، ومحال كرامة الله ورحمته ، فينطلقون إليها ، ويعلمون أن الشفاعة كرامة يريد الله أن يكرم بها بعض خلقه فيشفعهم فيمن يريد أن يغفر لهم ويرحمهم لأنهم في الموقع الذي يمكن لهم فيه أن يتقربوا من رحمته ومغفرته ولذلك فهم يعرفون مواقع الشفاعة فيمن يطلبون من الله أن يشفعهم فيهم فلا يشفعون للكافرين والمشركين والمنحرفين الذين حاربوا الله ورسوله ، لأنهم ليسوا في مواقع الرحمة التي سيستحقون فيها الرحمة " )).

ويقف المؤلف وقفة قصيرة فيقول : ((إننا لا نريد هنا بحث موضوع الشفاعة ، ولكننا نلمح إلى بعض الأمور بصورة عابرة ، فنقول :

 1 - إن الكل يعلم : أن لا أحد يدعو محمدا صلى الله عليه وآله ، أو عليا عليه السلام ، أو أي نبي أو ولي ، كوجودات منفصلة عن الله تعالى ، ومستقلة عنه بالتأثير ، ولم تحدث في كل هذا التاريخ الطويل أن تكونت ذهنية شرك عند الشيعة نتيجة لذلك ، فضلا عن غيرهم .

 2 - إننا نوضح معنى الشفاعة في ضمن النقاط التالية :

 أ - إن الإنسان المذنب ، قد لا يجد في نفسه الأهلية أو الشجاعة لمخاطبة ذلك الذي أحسن إليه ، وأجرم هو في حقه ، أو هكذا ينبغي أن يكون شعوره في مواقع كهذه ، فيوسط له من يحل مشكلته معه ، ممن لا يرد هذا المحسن طلبهم ولا يخيب مسألتهم . (15)    

. ب - إن الله إنما يريد المغفرة للعبد المذنب ، بعد شفاعة الشفيع له . . ولم تكن تلك الإرادة لتتعلق بالمغفرة لولا تحقق الشفاعة . . فلو أن الشفيع لم يبادر إلى الشفاعة لكان العذاب قد نال ذلك العبد المذنب . وهذا كما لو صدر من أحد أولادك ذنب ، فتبادر إلى عقوبته ، فإذا وقف في وجهك من يعز عليك ، وتشفع به ، فإنك تعفو عنه إكراما له ، وان لم يفعل ذلك ، كما لو لم يكن حاضرا مثلا ، فإنك ستمضي عقوبتك في ذلك الولد المذنب لا محالة)) . (16)   

ويقف وقفة اخرى قصيرة يقول فيها: ((  ولنا هنا ملاحظات :

 - إن هذا البعض لم يقدم أي دليل على مدعاه في أن استجابة الله مرهونة بالتوجه إليه تعالى مباشرة)) .(17)   

واذا كان السيد جعفر قد توصل الى : (( أن إرادة الله لم تكن قد تعلقت بالمغفرة للمذنب قبل الشفاعة ؛ لتكون شفاعة النبي أو الوصي بعدها - بالشكل - ومن دون أن يكون لها تسبيب حقيقي . . بل هناك تسبيب حقيقي للشفاعة ، فإنها هي سبب المغفرة ، وهي سبب إرادة الله بان يغفر لذلك المذنب ، ولو لم يقم الشافع بها لم يغفر الله لذلك المذنب . ولولا ذلك ، فإنه لا يبقى معنى للشفاعة . . ولا يكون العفو إكراما للشافع ، واستجابة له ، وقد نجد في حديث الرسول ( ص ) ما يفيد هذا المعنى فهو يقول : ( إدخرت الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي ) ، حيث لم يقل ادخرها الله لأهل الكبائر من أمتي )).

***

مناقشة ردود  المؤلف السيد جعفر مرتضى:

اولا: على صفحة 201 ،الفصل الرابع يتحدث عن الشفاعة، فيقول : ((بداية إن كلام هذا البعض حول شفاعة الأنبياء ، والأوصياء ، وسائر أولياء الله تعالى لعباده المذنبين من المؤمنين لا تكاد تجد له موافقا في المذاهب الإسلامية ، إلا ما يعرف من قول ابن تيمية وجماعة الوهابية ، المخالف لأقوال المسلمين جميعا ، ولنصوص القرآن الصريحة الآمرة بابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى ، والدالة على ثبوت الشفاعة ولو في الجملة )).

اذا تجاوزنا ابن تيمية واقواله لاننا غير معنين به ويأقواله ، ولم نقرأ له ورقة واحدة من مؤلفاته ، فالمؤلف نجده يقرر ان اقوال البعض (ويقصد المرحوم السيد فضل الله ) : (لا تكاد تجد له موافقا في المذاهب الإسلامية).

اتساءل: ايهما افضل ان نحتكم الى القرآن الكريم ، او الافضل الاحتكام الى المذاهب الاسلامية؟

بالنسبة لهذه الدراسة، اجد من الافضل – بل هو الصواب الشرعي - الاحتكام الى القرآن الكريم. فماذا يقول القرآن الكريم؟

ان ايات القرآن الكريم التي ذكرناها اعلاه تؤكد على:

1 – الشفاعة لله سبحانه وحده. (الزمر:44) (الزمر:43) (الأنعام:51) (الأنعام:70)

(السجدة:4) (غافر:18)

2 – او من يرتضيه ويأذن له :

آ / ( مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً) (مريم:87)  

ب/ (مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طـه:109)

ج / ( إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (سـبأ:23) (البقرة:255) (يونس:3)

 د / (مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (الزخرف:86)

اذن ، اين هي شفاعة الانبياء وسائر اوصياء الله ؟ هل ان المؤلف اطلع على غيب الله وقال ما قال ؟ ام انه وبجرة قلم غير واعية قال ان اقوال فضل الله لا توافق القرآن الكريم ، ولا المذاهب الاسلامية؟

ليتفضل المؤلف ويدلنا على من اتخذ عهدا عند الله بالشفاعة ، ومن أذن له الله ورضي له الشفاعة ، ومن شهد الحق ، ليدلنا على دليل واحد من القرآن الكريم الذي نفى هو ان اقوال السيد لا توافق القرآن الكريم.

ربما يرد علينا المؤلف او شخص اخر بقوله : انت قرآني المذهب. وهذا صحيح ، طالما ان المذاهب الاسلامية كافة لم تتفق على صحة احاديث بعضها ، فلكل مذهب ومدرسة واتجاه صحيحه ولا يتنازل عنه ،وحتى ان بعض تلك الاحاديث غير صحيحة ولا موثقة ، لا في السند ولا في المتن ، وبعضها لا يوافق القرآن الكريم ، ولا يوافق العقل والمنطق السليمين ، انها اقوال رجال جاءت عن طريق العنعنة ، والرجال يخطئون ويصيبون وينسون ، وطريق العنعنة طريق شائك ، وصدق من قال : لم يصح عن النبي حديث سوى حديث (من كذب علي فاليتبوء مقعده في النار).(18)   

اما قوله عن ابتغاء الوسيلة ، فلا ادري هل ان الوسيلة الواردة في الاية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:35) هي بمعنى الشفاعة؟

ام الوسيلة التي جاءت في الاية : (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً) (الاسراء:57)

فعندما يطالبنا الله ان نبتغي اقرب الوسائل ، فحتما ان اقربها هو الدعاء المباشر ، اعتمادا على قوله سبحانه : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60)

* (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة:186)

* (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (لأعراف:56)

* (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود:61)

* (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) (سـبأ:50)

ايريدنا المؤلف ان نهجر القرآن ونكون ممن وصفهم الله : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (الفرقان:30) ونعتمد على ما نقله رجال يصيبون ويخطئون وينسون وسبحان من لا ينسى ؟

ثانيا: يعيب المؤلف على فضل الله قوله : (أطلب من الله أن يشفع عليا فيك) و (نعم أن تتوسل بمحمد ليشفع لك إلى الله هذا لا يضر).

ان المؤلف يريدنا ان نقول مباشرة يا ... اشفع لي.

فايهما افضل شرعا ان تقول يا الله شفع علي في ّ،ام تقول يا علي اشفع لي؟

لماذا هذا الغلو الممجوج ؟ ولماذا هذا الابتعاد عن القرآن الكريم الذي يصرح بـ (من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه)؟

ثالثا: اما عدم قبوله بقول السيد فضل الله : (يا محمد ، يا علي ، شرك في العبادة)، ففيه قول لغوي.

فإما ان تكون الياء للمناداة (بفتح المنادى)، وهذا يجوز ، او ان تكون للندبة والاستغاثة (بضم المنادى)، وهذا لا يجوز شرعا.

يقول المؤلف : ((إن الكل يعلم : أن لا أحد يدعو محمدا صلى الله عليه وآله ، أو عليا عليه السلام ، أو أي نبي أو ولي ، كوجودات منفصلة عن الله تعالى ، ومستقلة عنه بالتأثير ، ولم تحدث في كل هذا التاريخ الطويل أن تكونت ذهنية شرك عند الشيعة نتيجة لذلك ، فضلا عن غيرهم)) .

واذا كان المؤلف من خاصة الشيعة اصحاب العلم ، فإن العامة من الشيعة عندما تسألهم عن قوله ذاك سيرد عليك بما يعني انه يندب عليا ويستغيث به ، ولا يناديه ، وهم يقولون مباشرة يا علي او يا حسين ارزقني وارحمني واعطني الذرية الصالحة،وهذا هو الشرك.

اما ان يقول البعض من رجال الدين بأنهم عامة لا يفقهون ، نقول هذا صحيح مؤكد ، الا اننا نتساءل من يثقفهم؟ ، اليس العامة ينتظرون من يقول لهم هذا خطأ وهذا صواب من على منابر الحسينيات؟ ام نقول مع من قال في احدى الفضائيات ان قول يا الله فقط هو الشرك ، وقول يا على هو التوحيد ؟

رابعا: يعلق المؤلف على قول المرحوم سماحة السيد فضل الله قائلا: (إن هذا البعض لم يقدم أي دليل على مدعاه في أن استجابة الله مرهونة بالتوجه إليه تعالى مباشرة)) .

اتساءل:واي دليل اكبر واعظم وافضل من قوله تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) ( البقرة 186 )  الا تعتبر هذه الاية دليلا على خصوصية الله بالدعاء ، ام ان النقل غير الموثوق لبعض البشر او ما يسمى بروايات او احاديث الائمة هو الدليل ؟

***

اخيرا :

نسأل: من هم الشافعون عند الله ، من غيره سبحانه؟

والجواب حتما :هم من ارتضى الله لهم الشفاعة.

:ومن هم اؤلئك؟

:انهم في غيب الله .

***

2 - الولاية التكوينية:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر:23)

 

لم تكن الولاية التكوينية عقيدة متعارفا عليها بين عامة الشيعة ، بل كانت مما تذكر في الكتب او المجالس الخاصة عند بعض علماء الشيعة - خاصة من الذين يرون رأي المفوضة - الذين يرون ان الله فوض للائمة تسيير الكون ، وعند بعض الغلاة ، ومتطرفي الشيعة، وصوفيتها .

وقد اثيرت هذه القضية عندما نفى وجودها سماحة السيد فضل الله ، في نهاية القرن الماضي ، فقامت الدنيا عليه ولم تقعد، كما قامت عليه عند رفضه لمصداقية وقوع احداث ما سمي بقضية الهجوم على بيت الزهراء ، وغيرها من القضايا التي اصبحت عند الشيعة من مسلمات العقيدة وهي غير ذلك.

واذ نناقش هذه القضية عند حديثينا عن تجديد الفكر الشيعي وتصحيح لبعض عقائده من قبل سماحة العلامة الشيخ المؤيد ، فإننا نبغي من وراء ذلك اعادة طرح القضية مرة اخرى على بساط البحث المقارن ، لان تساؤلات كثيرة اثيرت عنها في الاونة الاخيرة، ليس بين مقلدي سماحة الامام المؤيد فقط ، بل انها اصبحت حديث بعض الفضائيات ، والاتهامات التي وجهت الى الشيعة بالشرك ، وعدم الوحدانية ، أي ضرب لاهم عقيدة (يعتبرها البعض غير ذلك) شيعية ، ومنها هذه العقيدة التي تجعل من الائمة متحكمين بالكون ومصائره  .

***

معنى الولاية التكوينية:

يقول الشيخ الصغير: ((أن اسم الولاية التكوينية لم يرد لا في آية قرآنية ولا في سنة شريفة ، فالنص الشريف يخلو من هذه التسمية ، ولكن هذه التسمية استخدمت في وقت متأخر لتشير إلى مفهوم تداولته العديد من الآيات القرآنية ، والنصوص الشريفة ، وبقدر عدم أهمية الاهتمام بمن وضع هذه التسمية من علماء الكلام من علمائنا الأبرار - قدس الله أنوارهم - إلا أننا نجد أن من الحق الإشارة إلى أن من وشع التسمية قد وفق أيما توفيق في الوصف الدقيق للمفهوم)) . (19)        

ويتابع القول:

 ((  لذا فإن الولاية التكوينية تعني القدرة على التسلط على الظاهرة الكونية ، من خلال آلية يفترض أن تتفاعل مع مكونات الفعل التكويني إن على نحو التسلط عليها )).(20)

الا ان السؤال المهم والذي يتردد على كافة الالسنة هو: لماذا لم يستخدم المعصوم ( عليه السلام ) الولاية لو كانت لديه ؟ والذي طرحه الشيخ الصغير نفسه في كتابه وشرق وغرب في الاجابة دون طائل. (21)

***

يجيب سماحة العلامة الشيخ المؤيد عن سؤال : هل الولاية التّكوينيّة ثابتة لأهل البيت(ع)؟ ، فيجيب سماحته:

((ليست مطلقة وإنما هي محدودة جدا في حالات ضيقة كالكرامات التي تكون من الله تعالى وبإرادته وتمكينه عز وجل في خصوص تلك الحالات ، وهي تنسب إلى الله تعالى بالذات والحقيقة لا إليهم عليهم السلام ، وبهذا الاعتبار يمكن إنكار الولاية التكوينية لهم على الإطلاق فإنها تنتسب بالذات والحقيقة إلى الله عز وجل.)).

إذن ، هي كرامة لمن يعتقد بوجود الكرامات، ولم تكن القدرة على التسلط على الظاهرة الكونية ، اوالتصرف به ، ان كان بإذن من الله او بدونه .

اما السيد فضل الله رحمه الله ، فيجيب قائلا:

(( الولاية التّكوينية غير ثابتة، بل يعارضها القرآن الكريم، وعقيدة التّوحيد الخالصة، فلم يثبت أنّ الله تعالى جعل لواحدٍ من البشر القدرة على التصرّف في عالم التّكوين، إلا في مجالٍ محدودٍ كمورد المعجزة، حيث يكون ذلك بإقدارٍ من الله تعالى)).

وهنا يتطابق الرأيان ، رأي الامام المؤيد و رأي السيد فضل الله ، واذا كان سماحة الامام المؤيد يشبهها بالكرامة ، ففضل الله رحمه الله مرة يقول عنها انها كرامة(22) ، ومرة يرتقي بها الى ان تكون معجزة ،كما في الاجابة السالفة ، والمعجزة هي من اختصاص الانبياء والرسل فقط ، الا انهما ينفيانها نفيا قاطعا.

***

3 – الرجعة:

من خلال المصادر التي تناولت الرجعة في الفكر الشيعي الاثني عشري ، نتوصل الى فهم الاتي:

 (( الرجعة في اللغة : بالفتح هي المرة في الرجوع ومعناه العود إلى الدنيا بعد الموت .

والرجعة في الاصطلاح : وهي عندنا بمعني رجوع الحجج الإلهية ورجوع الأئمة الطاهرين ورجوع ثلة من المؤمنين وغيرهم إلى الدنيا بعد قيام دولة المهدي . وقد فسرها البعض برجوع دولة الحق لا رجوع الأموات إلى الدنيا وهو تفسير شاذ لا يقول به مشهور الامامية )). (23)        

ويقول الشيخ السبحاني : ((  والمقصود منها في الثقافة الشيعية هو عودة جماعة من الأمة الإسلامية إلى الحياة بعد ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ، وقبل قيام القيامة . ويشهد القرآن الكريم قبل أي شئ بوجود مسألة الرجعة في الثقافة الإسلامية )).(24)               

ان الرجعة عند البعض من علماء الشيعة من امهات المسائل العقدية:

يقول الشيخ الطبسي : ((  ان مسألة الرجعة من أمهات المسائل العقائدية ومما أجمعت عليها الامامية وقامت عليها عشرات من الروايات الصحيحة )). (25)                 

فيما يقول عنها الشيخ محمد رضا المظفر : ((عقيدتنا في الرجعة إن الذي تذهب إليه الإمامية أخذا بما جاء عن آل البيت عليهم السلام أن الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها ، فيعز فريقا ويذل فريقا آخر ، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد ، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت ، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب )).(26)            

ويقول ايضا : (( والإمامية بأجمعها عليه إلا قليلون منهم تأولوا ما ورد في الرجعة بأن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الإمام المنتظر ، من دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الموتى)) . (27)           

فيما يقول محمد جواد مغنية ان فريقا من علماء الشيعة أنكرها ، ونفاها نفيا باتا . (28)                        

ويقول على ص55  : (( ومهما يكن ، فإن غرضنا الأول من نقل كلام الشيخ الطبرسي الإمامي هو التدليل على أن علماء الإمامية لم يتفقوا بكلمة واحدة على القول بالرجعة . وقد اعترف باختلافهم الشيخ أبو زهرة ، حيث قال في كتاب " الإمام الصادق " ص 240 ما نصه بالحرف : " ويظهر أن فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمرا متفقا عليه عند إخواننا الاثني عشرية ، بل فيهم فريق لم يعتقده " . وقال السيد محسن الأمين في كتاب " نقض الوشيعة " ص 473 طبعة 1951 : " الرجعة أمر نقلي ، إن صح النقل به لزم اعتقاده ، وإلا فلا ")) .

ويقول الشيخ السبحاني : ((إن الرجعة بمعنى عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثم موتهم وحشرهم مجددا يوم القيامة ليس شيئا يضاد أصول الإسلام ، وليس فيه إنكار لأي حكم ضروري ، وليس القول برجعتهم إلى الدنيا يلغي بعثهم يوم القيامة ، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية)) . (29)  

((  أن الراجعين صنفان من المؤمنين والكافرين ، فقد روي عن الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( إن الرجعة ليست بعامة ، وهي خاصة ، لا يرجع إلا من محض الإيمان محضا أو محض الشرك محضا ) أما سوى هذين الصنفين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب .

 من هم الراجعون ؟ (...) رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) والإمام الحسين ( عليه السلام ) وكذلك باقي الأئمة والأنبياء ( عليهم السلام ). وتنص كذلك على رجعة عدد من أنصار الإمام المهدي ( عليه السلام ) ووزرائه ، وبعض أصحاب الأئمة وشيعتهم ، ورجعة الشهداء والمؤمنين ، ومن جانب آخر تنص على رجعة الظالمين وأعداء الله ورسوله وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وخصوم الأنبياء والمؤمنين ، ومحاربي الحق والمنافقين ، وجميع هؤلاء لا يخرجون من الصنفين المذكورين في الحديث المتقدم)) . (30) 

ويقول المركز : (  وليس هذا بمعنى أن عقيدة الرجعة تعد واحدة من أصول الدين ، ولا هي في مرتبة الاعتقاد بالله وتوحيده أو بدرجة النبوة والمعاد ، بل هي من ضروريات المذهب كما تقدم . ولا يترتب على الاعتقاد بالرجعة إنكار لأي حكم ضروري من أحكام الإسلام ، وليس ثمة تضاد بين هذا الاعتقاد وبين أصول الإسلام)) . . (31)    

ويقول ايضا: ((  لكن البعض من المتقدمين تأول ما ورد في الرجعة بأن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت ( عليهم السلام ) بظهور الإمام المنتظر ( عليه السلام ) من دون رجوع أعيان الأشخاص وإحياء الموتى (...) وبالجملة : فإن حال الاعتقاد بالرجعة حال سائر الأمور الضرورية في المذهب ، فإنه - بعد ثبوت كونه من الضروريات - يجب الاعتقاد به ، لكن الاعتقاد بالتفاصيل والجزئيات غير واجب . وأما تفاصيل الأحكام المترتبة على إنكار الضروري من المذهب أو الدين ، فليرجع فيها إلى الكتب الاعتقادية والفقهية)) .

واخيرا يقول الشيخ السبحاني : ((  وفي الحقيقة إن " الرجعة " هو مظهر مصغر من القيامة النهائية الحقيقية الكبرى التي يحشر فيها الناس أجمعون ، وبلا استثناء)) . (32)      

***

تساءل / 1:هل الرجعة خاصة برجوع اشخاص معينين من المؤمنين والكافرين عند ظهور المهدي؟

ام انها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى آل البيت بظهور الإمام المنتظر؟

نجد اختلاف عند علماء الشيعة في ذلك.

تساءل / 2: هل هي عقيدة، ام انها امر نقلي كما يقول الامين؟ ام انها ضرورة من ضرورات المذهب ، وعند ذاك تصبح عقيدة؟ بل اصبحت عقيدة بنيت عليها امورا كثيرة فرقت الامة الاسلامية ، من مثل ان الخلفاء الراشدين الاولين ، والكثير من الصحابة ، والسيدة عائشة، سيعودن من ضمن المسمون بالكافرين. (33)      

***

بعد كل الذي عرفناه من اختلاف علماء الشيعة في الرجعة ، نسأل سماحة العلامة الشيخ المؤيد عن رأيه الفقهي بالرجعة.

يقول سماحته: (( السند المذكور للرواية في مفروض السؤال سند معتبر تام الاّ أنّ هذه الرواية ساقطة عن الحجية و ان كان لها بحسب الظاهر سند معتبر لمنافاتها للقرآن الكريم و كل ما ينافي القرآن الكريم فانه ساقط عن الحجية و لا إعتبار به .

و من وجوه منافاتها للقرآن انّ الله تعالى قال عن المشركين :{ حتى اذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلَي أعمل صالحاً فيما تركت كلا انها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ الى يوم يبعثون } ، و هذه الآية الكريمة تدلل بوضوح على أن المشرك بموته اذ ينتقل الى البرزخ فانه يبقى في البرزخ الى حين البعث و هذا ينافي دعوى رجعته للحياة الدنيا لان لازم رجعته انّ مكوثه في البرزخ ليس مكوثاً مستمراً الى يوم البعث و انما تتخلله العودة الى الحياة الدنيا قبل البعث . اذن مضمون الرواية ينافي هذه الآية . و كذلك ينافي قوله تعالى عن المتقين :{ لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الأولى } وَ من محض الإيمان هو من جملة المتقين و على رأسهم و الآية بهذا المضمون آبية عن التقييد ، فالرواية في مضمونها تتنافى مع مضمون هذه الآية فالرواية في مضمونها تنافي هاتين الآيتين ، مضافاً الى أنها بما تتضمنه من قضية الرجعة مغايرة للثقافة القرآنية التي لا وجود فيها لقضية الرجعة بالمعنى الذي تطرحه روايات الرجعة ، فإن المستفاد من مجموع الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الموت و ما بعده أن الخط العام للبشرية هو انها تنتقل بالموت الى عالم ما بعده و تسلك مراحله نحو الآخرة دون عودة للدنيا .

{ قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم الى يوم القيامة لا ريب فيه و لكن أكثر الناس لا يعلمون } الجاثية 26 .

{ كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتاً فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون } البقرة 28 .

{ و هو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ان الانسان لكفور } الحج 66 .

{ كل نفس ذائقة الموت و انما توفون أجوركم يوم القيامة } آل عمران 185 .

{ الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى الى أجل مسمى } الزمر 42.

{ ثم أماته فأقبره ثم اذا شاء أنشره } عبس .

{ و جائت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد و نفخ في الصور ذلك يوم الوعيد } ق .

{ أفما نحن بميتين الا موتتنا الاولى و ما نحن بمعذبين ان هذا لهو الفوز العظيم . لمثل هذا فليعمل العاملون } الصافات 58-60 .

{ انك ميت و انهم ميتون ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } .

فالمتحصل أن القول بالرجعة بالمعنى الذي تطرحه روايات الرجعة بعيد كل البعد عن الثقافة القرآنية . ولو كانت الرجعة ثابتة لذكر القرآن ذلك ببيان لا لبس فيه خاصة فيما يتصل بالوعد و الوعيد و إقتصاص المظلومين من الظالمين و إنتقام المؤمنين من الكافرين و لكان لذلك أثر في تحقيق أهداف الرجعة مع أنه ليس في القرآن الكريم شيء واضح في ذلك . و قد إستدل القائلون بالرجعة ببعض الآيات التي لا دلالة لها على ذلك أصلاً و تفصيل الكلام عن ذلك موكول الى محل آخر إن شاء الله تعالى و منه نستمد السداد و به الإعتصام)) .

من خلال هذا الفهم النقدي للروايات ، وفهمه المدرك للايات القرآنية ، ينفي سماحته الرجعة اصلا.

الا ان سماحة السيد فضل الله رحمه الله ، يأخذ بالرأي القائل ، بأنها تعني رجعة الحق ودولته وحكم العدل .

فعندما يسأل عن الرجعة ، يقول:

(( هي ثابتة إجمالاً، ولكن لم يثبت كونها رجعة أشخاص، والمحتمل أنّها رجعة الحقّ ودولته وحكم العدل، من خلال ظهور الإمام الحجّة(عج)، وملء الأرض قسطاً وعدلاً)).

وما زال السيد رحمه الله في اجابته تلك يمسك العصى من الوسط .

***

4 - عالم الذر:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)

(لأعراف:172)

 

يقسم العلماء العوالم التي يمر فيها الانسان الى ستة ، كما يقول الشاهرودي في كتابه (الإنسان في مراحله الست ) ، وهي : ((عالم الذر ، عالم الأصلاب ، عالم الرحم ، عالم الدنيا ، عالم البرزخ ، المعاد))‍ . (34)               

وقد اختلف علماء الشيعة في عالم الذر شأنهم دائما في الكثير من المسائل والقضايا التي تصبح عند البعض عقائدا لا يمكن الخروج عنها والا اصبح منبوذا من المذهب على اقل تقدير او كافرا .

واختلفوا كذلك بصحة الروايات التي تتحدث عن ذلك ، واختلفوا في ان الميثاق الذي اخذه الله من ذرية ادم ، هل كان عن النبي (ص) والائمة في امامتهم، ام كان عن ربوبية الله ، قبل الخلق ام بعده؟

((والتأمل فيما يرومه المثبتون بإثباتهم ويدفعه المنكرون بإنكارهم ، يوجب توجيه البحث إلى جهة أخرى غير ما تشاجر فيه الفريقان بإثباتهم ونفيهم . فالذي فهمه المثبتون من الرواية ثم حملوه على الآية وانتهضوا لإثباته محصله : أن الله سبحانه بعد ما خلق آدم إنسانا تاما سويا أخرج نطفه التي تكونت في صلبه ثم صارت هي بعينها أولاده الصلبيين إلى الخارج من صلبه ، ثم أخرج من هذه النطف نطفها التي ستتكون أولادا له صلبيين ففصل بين أجزائها والأجزاء الأصلية التي اشتقت منها ، ثم من أجزاء هذه النطف أجزاء أخرى هي نطفها ثم من أجزاء الأجزاء أجزاءها ، ولم يزل حتى أتى آخر جزء مشتق من الأجزاء المتعاقبة في التجزي (...) هذا ما يفهمه القوم من الخبر والآية ويرومون إثباته ، وهو مما تدفعه الضرورة وينفيه القرآن والحديث بلا ريب)).(35)

(( بقي الكلام فيما ذكره النافون أن الآية تشير إلى ما عليه حال الإنسان في هذه الحياة الدنيا ، وهو أن الله سبحانه أخرج كلا من آحاد الإنسان من الأصلاب والأرحام إلى مرحلة الانفصال والتفرق ، وركب فيهم ما يعرفون به ربوبيته واحتياجهم إليه ، كأنه قال لهم إذا وجه وجوههم نحو أنفسهم المستغرقة في الحاجة : ألست بربكم ، وكأنهم لما سمعوا هذا الخطاب من لسان الحال قالوا : بلى أنت ربنا شهدنا بذلك ، وإنما فعل الله ذلك لتتم عليهم حجته بالمعرفة وتنقطع حجتهم عليه بعدم المعرفة ، وهذا ميثاق مأخوذ منهم طول الدنيا جار ما جرى الدهر والإنسان يجري معه)) . (36)

((اما صاحب الميزان ( رحمه الله ) فقد جعل الأقوال في عالم الذر ثلاثة : الأول : نفي وجود عالم الذر ، والقول بأن ما ورد في الآية من إشهاد الناس وإقرارهم بالربوبية ، إنما هو تعبير مجازي عن تكوينهم الذي يهديهم إلى ربهم تعالى . وهو قول عدد من المتأثرين بالفلسفة اليونانية من القدماء ، وبالثقافة الغربية من المتأخرين . الثاني : أن عالم الذر بمعنى أن الله تعالى استخرج نطف أبناء آدم ( عليه السلام ) من ظهره ، ثم من ظهور أبنائه إلى آخر أب ، ثم كونهم بشكل معين وأشهدهم فأقروا ، ثم أعادهم إلى حالتهم الأولى في ظهر آدم ( عليه السلام ) . وقد ذهب إليه بعض المفسرين من السنة والشيعة . الثالث : أن عالم الذر هو عالم الملكوت والخزائن ، وهو الوجه الذي اختاره صاحب الميزان ( رحمه الله ) وأطال في الكلام حوله واختصر في الاستدلال عليه)) . (37)

وذكر بعض علماء الشيعة ان الميثاق هو اشهاد ذرية ادم على ولاية الائمة ، واوردوا روايات واحاديث كثيرة منها :

(( عن عباد عن عمرو ، عن أبي حمزة قال : سمعت علي بن الحسين ( عليه السلام ) يقول : إن الله خلق محمدا وعليا وأحد عشر من ولده من نور عظمته ، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق ، يسبحون الله ويقدسونه ، وهم الأئمة من ولد رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، (...) - الحسين ( عن محمد ) بن عبد الله ، بن محمد بن سنان ، عن المفضل ، عن جابر بن يزيد قال : قال لي أبو جعفر ( عليه السلام ) : يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمدا ( صلى الله عليه وآله ) وعترته الهداة المهتدين ، فكانوا أشباح نور بين يدي الله ، قلت : وما الأشباح ؟ قال : ظل النور ، أبدان نورانية بلا أرواح ، وكان مؤيدا بروح واحدة وهي روح القدس ، فبه كان يعبد الله وعترته ، ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء ، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ، ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون . (...) حدثنا إبراهيم بن هارون الهاشمي قال : حدثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج قال : حدثنا عيسى بن مهران قال : حدثنا منذر الشراك قال : حدثنا إسماعيل بن علية قال : أخبرني أسلم بن ميسرة العجلي ، عن أنس بن مالك ، عن معاذ بن جبل : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الله عز وجل خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام . قلت فأين كنتم يا رسول الله ؟ قال : قدام العرش نسبح الله تعالى ونحمده ونقدسه ونمجده . قلت : على أي مثال ؟ قال : أشباح نور ، حتى إذا أراد الله عز وجل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور ، ثم قذفنا في صلب آدم ، ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ، ولا يصيبنا نجس الشرك  ولا سفاح الكفر ، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون ، فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين فجعل نصفه في عبد الله ونصفه في أبي طالب ، ثم أخرج النصف الذي لي إلى آمنة والنصف إلى فاطمة بنت أسد فأخرجتني آمنة وأخرجت فاطمة عليا ، ثم أعاد عز وجل العمود إلي فخرجت مني فاطمة ، ثم أعاد عز وجل العمود إلى علي فخرج منه الحسن والحسين - يعني من النصفين جميعا - فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن ، وما كان من نوري صار في ولد الحسين ، فهو ينتقل في الأئمة من ولده إلى يوم القيامة .(...) دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) وهو يقرأ هذه الآية : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم . ثم التفت إلي فقال : يا صفوان إن الله تعالى ألهم آدم ( عليه السلام ) أن يرمي بطرفه نحو العرش ، فإذا هو بخمسة أشباح من نور يسبحون الله ويقدسونه ، فقال آدم : يا رب من هؤلاء ؟ قال : يا آدم صفوتي من خلقي ، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ، خلقت الجنة لهم ولمن والاهم ، والنار لمن عاداهم . لو أن عبدا من عبادي أتى بذنوب كالجبال الرواسي ثم توسل إلي بحق هؤلاء لعفوت له . فلما أن وقع آدم في الخطيئة قال : يا رب بحق هؤلاء الأشباح اغفر لي ، فأوحى الله عز وجل إليه : إنك توسلت إلي بصفوتي وقد عفوت لك . قال آدم : يا رب بالمغفرة التي غفرت إلا أخبرتني من هم ؟ فأوحى الله إليه : يا آدم هؤلاء خمسة من ولدك ، لعظيم حقهم عندي اشتققت لهم خمسة أسماء من أسمائي ، فأنا المحمود وهذا محمد ، وأنا الأعلى وهذا علي ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة ، وأنا المحسن وهذا الحسن ، وأنا الإحسان وهذا الحسين )). (38) ، وغيرها من الروايات.

هذا ملخص لمعنى عالم الذر ، وما اختلف فيه العلماء ، وماهية العهد الذي اخذه الله سبحانه منهم. 

***

يجيب سماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد عن سؤال حول الاحاديث التي تذكر ان الميثاق اخذ من الشيعة فقط بالولاية ، فيجيب قائلا:

(( هذا الحديث و ان كان له بحسب الظاهر سند معتبرلوثاقة كل رجال سنده ، الاّ أن اللازم ان يضرب به عرض الجدار فهو زخرف باطل و لا يمكن أن يقبله عقل سليم و لا يأخذ به الا أبله أو مجنون ذلك أن متنه مليء بالخلل من جهات كثيرة منها :-

أولاً :- إن نظرية أخذ الميثاق من الذر نظرية غير صحيحة و تبطلها دلائل عقلية كثيرة و لا دلالة للآية الكريمة اليها و لا يصح تفسيرها على أساسها . و عليه اذا سقطت فكرة أخذ الميثاق من الذر سقط الحديث من أساسه .

ثانياً :- لو فرض صحة نظرية أخذ الميثاق من الذر فاننا اذا رجعنا الى الآية الكريمة لوجدنا أن مساقها مختلف تماماً عن مساق المتن المذكور في الرواية ، قال تعالى ( و اذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا انما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)  . فمساق الآية الكريمة واضح في أن الهدف من أخذ الميثاق هو إقامة الحجة و سد باب التنصل و الإعتذار عن الإلتزام بالعقيدة الحقة بمبررات معينة ، بينما الرواية تتحدث عن أن الميثاق بالولاية انما أخذ من الشيعة ، مع انه لو أريد الانسجام مع مساق الآية الكريمة لكان اللازم أن يؤخذ الميثاق من غيرهم لسد باب التنصل و الإعتذار عن التمسك بالولاية. و من الناحية المنهجية تبقى علامة إستفهام كبيرة ترتسم امام هذه الرواية فلماذا يأخذ الله تعالى الميثاق على الربوبية من جميع البشر بينما يأخذ الميثاق بالولاية من الشيعة فقط ؟ ان هذا الاستفهام يبقى شاهداً على الخلل في مضمون الرواية .

ثالثاً :- انّ الرواية تتحدث عن أن الميثاق أخذ على الذر للأقرار لله تعالى بالربوبية و لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة ، مع أن الآية الكريمة لا تتحدث الا عن أخذ الميثاق بالربوبية ، وهذا هو المعقول و أما الميثاق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبلحاظ أنّ أصل الميثاق قد أخذ من الذر جميعاً أي من البشرية كلها منذ آدم عليه السلام و بلحاظ أنّ البشرية الى زمان بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن مكلفة أصلاً بالإقرار بنبوته و لا بمعرفته فما الوجه في أخذ الميثاق منهم بذلك ؟

رابعاً :- تقول الرواية أنّ الله تعالى خلق أرواح الشيعة قبل أبدانهم بألفي عام و عرضها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . و هذا كلام باطل بأي وجه صوّر فان كان النظر فيه الى عالم الذر فمن الواضح أن عالم الذر كان قبل الفي عام من خلق أبدان الشيعة ، و إن كان النظر الى غير عالم الذر فبما أن أبدان الشيعة لم تخلق دفعة واحدة و انما خلق الأبدان تدريجي بتدرج الأزمنة و الأعصار فلا يلتئم ذلك مع تحديد الألفي عام كوقت لخلق الأرواح قبل الأبدان .

و الحقيقة ان هذه االرواية من مصاديق قاعدة الروايات التي تكذب متونها أسانيدها .

انّ هذه الرواية و أمثالها من تفاهات الغلاة و محاولاتهم في نسج العقائد الباطلة حول الإمامة و ان أهل البيت عليهم السلام براء من مثل هذه التفاهات و التخرصات و من اللازم تطهير الثقافة الشيعية منها .)).

لم اجد ردا موضوعيا تحليليا كهذا الرد الذي فند من خلاله متن الرواية تفنيدا علميا من خلال السياق ،ومن خلال سؤال مفاده:ايهما الاحق بأعطاء الميثاق بالولاية الشيعة ام الناس كافة  ؟

لهذا افتى سماحته : بأن هذه الرواية يجب ان يضرب بها عرض الحائط.

اما سماحة السيد فضل الله رحمه الله ، فأجاب سائله عن مدى ثبوث عالم الذر، فقال :

((لم يثبت عندنا ذلك، وقد تحدثنا عن ذلك في تفسيرنا من وحي القرآن. أما الآية التي استدل بها عليه فلا دلالة لها على ذلك)).

وفي اجابة اخرى عن سؤال مفاده : ((أودّ الاستفسار عن الأئمة عليهم السلام، هل لهم حقيقة أخرى غير إنسانية مثل النورانية، أرجو التوضيح؟ - ألا يعتبر ذلك امتيازاً لهم؟ فصبح لا أفضلية لهم؟ - وما هي حقيقة العصمة؟ وهل هناك جانب في الخلق يمتازون فيه عن بقية البشر؟ - وان كان كذلك فبم يفضلون عن بقية البشر؟ وما حقيقة خلقهم قبل آدم من نور؟ أوليس ذلك خيالاً؟  )).

اجاب رحمه الله :

((النبي (ص) والأئمة (ع) بشر كسائر البشر، ولا يختلفون في شيء من ذلك عن سائر الناس أبداً، إلا أنهم حجج الله على عباده اختارهم واصطفاهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا يعني أنه لا بد لهؤلاء أن يكونوا بالنحو الذي يؤهلهم للقيام بهذا الدور، وهو يتطلب الرعاية الخاصة والمباشرة من الله التي لا تجعلهم بشراً عاديين وإن كانوا بشراً حقيقة وفعلاً، ولكنهم يمتازون عنهم من جهة كونهم لا يفعلون إلا ما يرضي الله، وهذا ما نعبر عنه بالعصمة، لأن العصمة إنما هي من خلال الألطاف الزائدة والمستمرة، لأن طبيعة المهمة تتطلب ذلك، حيث قد أنيط إليهم أمر هداية الناس، فكيف يتم ذلك إذا لم يكونوا على قدر يؤهلهم لذلك وبالنحو الذي يجعل من الآخرين متأسين بهم وسائرين على خطاهم، فطبيعة الدور الذي أوكله الله إليهم يقتضي أن يكون لله سبحانه وتعالى بهم عناية خاصة تؤهلهم لذلك. وأما التعبير عن خلقهم أنواراً قبل آدم (ع)، فهو باعتبار ما سيكونون عليه في المستقبل، فهم أنوار يهتدي بها الناس في الظلمات، وليس المقصود من الخلق هنا الخلق بالمعنى المتعارف، ليكون للنبي والأئمة خلقين، بل هو خلق واحد كسائر الناس)).

اذن ، اختلف علماء الشيعة في هذه المسألة ، فمنهم من قال بأخذ الميثاق من ذرية أدم بالعبودية لله سبحانه فقط .

ومنهم من قال ، انه سبحانه اخذ الميثاق بإمامة الائمة.

ومنهم الذين رفضوا نظرية أخذ الميثاق من الذر وعدها نظرية غير صحيحة ، كسماحة العلامة الشيخ المؤيد، انسجاما مع القرآن الكريم ، وكذلك سماحة المرحوم السيد فضل الله.

***

الهوامش:

1- القاموس الفقهي - الدكتور سعدي أبو حبيب - ص 256.

2 – المصطلحات - إعداد مركز المعجم الفقهي - ص 1802.

3 - معجم ألفاظ الفقه الجعفري - الدكتور أحمد فتح الله - ص 295.

4 – من اطرف ما سمعت على المنبر الحسيني في احدى الفضائيات ، ان الخطيب – وبلهجته المعهودة – قال : ان المؤمن يخاطب ربه قائلا : يا رب انك منذ فترة تسكن في قلبي ولم تدفع الايجار ، فإما ان تخلي قلبي او ان تدفع الايجار ، الا انه لم يدفع ، فتبحث عمن يؤثر عليه ليدفع الايجار وتذهب الى الامام علي وتخبره بذلك ، فيذهب الامام علي ويكلم الرب ، فيدفع الرب الايجار.

فأي سفاهة في القول مثل هذه السفاهة ، واي تشبيه هذا التشبيه ، واي مثلا يضرب مثل هذا المثل ، انه ينبع من فكر مريض.

وهذا هو معنى قول السيد جعفر مرتضى  في كتابه :خلفيات كتاب مأساة الزهراء (ع) - ج 2 - ص 199 - 208

(( إن الإنسان المذنب ، قد لا يجد في نفسه الأهلية أو الشجاعة لمخاطبة ذلك الذي أحسن إليه ، وأجرم هو في حقه ، أو هكذا ينبغي أن يكون شعوره في مواقع كهذه ، فيوسط له من يحل مشكلته معه ، ممن لا يرد هذا المحسن طلبهم ولا يخيب مسألتهم )).

5- انكرت المعتزلة الشفاعة ، لتأكيد العدل الالهي.

6 - رأيي في الاحاديث النبوية : انها ما زالت غير موثقة وغير متفق عليها بين المذاهب الاسلامية ، وسبق ان قلت هذا الرأي في اكثر من دراسة ، لهذا اعتبر كل حديث موضوع ما لم يثبت العكس.

7 - استفتاءات - السيد السيستاني - ص 242 .

8 - موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) - الشيخ هادي النجفي - ج 4 - – ط الأولى  1423 – 2002 م - دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - ص 299 – وما بعدها .

9 - المصدر السابق.

10 - ثلاث رسائل ، العوائد والفوائد - السيد مصطفى الخميني - ص 37.

11 - (الشفاعة حقيقة إسلامية - مركز الرسالة ) سأعتمد هذا المصدر كونه يناقش الشفاعة من وجهة نظرالمذهب الشيعي المتداول في مصادره المعتمدة ، ونقارنه بمفهوم الشفاعة من وجهة نظر شيعية اخرى ، هي وجهة نظر الامام المؤيد في اجابته للسائل عن الشفاعة. وسأذكر الصفحة فقط من المصدر اعلاه عند الاخذ منه، ما لم اذكر غير ذلك.

12 - لا ننكر ان هناك رجال دين شيعة من المراجع او الذين اقل منهم درجة حوزوية ، لهم مشاريعهم الاصلاحية داخل هذا المذهب.

13 – يقصد سماحة المرحوم السيد محمد حسين فضل الله.

14 – كما في اعلاه.

15 -كصاحبنا الذي اجر قلبه الى الله ، فلم يدفع الله سبحانه له الاجرة.

16 - بهذه البساطة يبرهن على عقيدة من خلال المساواة بين الله جل شأنه وبين عباده وما يشعرون به من انفعالات نفسية كالغضب مثلا .

17 - اذا كانت آية القرب لا تعتبر دليلا على خصوصية الله بالدعاء ، فهل النقل غير الموثوق لبعض البشر او ما يسمى بروايات او احاديث الائمة هو الدليل ؟

18 - قيل انه الامام الشافعي، وهو صاحب القول المشهور: كل يرد عليه سوى صاحب هذا القبر.

19 - الولاية التكوينية ، الحق الطبيعي للمعصوم (ص) - الشيخ جلال الصغير - ص 95 – 96).

- ولو راجعنا كتاب (عقائد الامامية) للشيخ محمد رضا المظفر ، الفقيه الاصلاحي لحوزة النجف في النصف الاول للقرن الماضي ، نجده لم يذكر الولاية التكوينية ، لا بالاسم ولا بالمفهوم.

وكذلك كتاب : (البيان في عقائد اهل الايمان ) للشيخ الشريعتي الاصفهاني، وكتاب الكافي، على سبيل المثال لا الحصر.

20 – المصدر السابق – ص97 .

- ونسي الشيخ وهو في دفاعة المستميت عن امر غير معقول، إذ ان الانسان لا دخل له بكل هذه التفاعلات الكيمياوية ، او ما عبر عنه بالعلة والمعلول ، ان الانسان هو الة مساعدة من الخارج ، ويمكن لاي شخص مهما كان عقله ناضجا او غير ناضح ، وحتى بعض الحيوانات عندما تدرب جيدا يمكنها ان تفعل ما يمكن فعله من تجارب جاء بها الشيخ على انها اختراق لمبدأ العلية . ان التفاعل بين الصوديوم والكلور او أي مادتين او اكثر لم يكن بوضع المادتين احدهما قرب الاخرى لينتج الناتج الذي نريده دون ان نحفزهما على التفاعل بشء اخر ليست للانسان به اية علاقة، كالحرارة او التبريد او الضغط او التيار الكهربائي، وبهذا لا يكون الانسان هو الذي اخترق نظام العلية، وانما الذي اخترق ذاك النظام هو ذرات المادتين المتفاعلتين بمساعدة خارجية ، وفي الكثير من التفاعلات الكيمياوية تبقى المادة المساعدة محافظة على تكوينها الذري ،كما دخلت في التفاعل تخرج منه سالمة .

اذن لا يوجد اختراق لمبدأ العلية فيما مثل له الشيخ من تفاعلات كيمياوية.

اما اذا اقتربنا من الحياة الاجتماعية ، وفحصنا هذا المبدأ في التخلق البشري – وكذلك الحيواني والنباتي – لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يوجد بشر من عدم ، لان ايجاده او خلقه معناه اختراق لذلك المبدأ، ان كل جنين يتخلق من ثلاثة اشياء ، البويضة ، والحيوانات المنوية ، ومن ثم الروح،وعندما حدثت ولادات بغير هذا الترتيب ، كانت ولادات اخترق فيها نظام العلية من وضع هذا النظام نفسه، الله سبحانه، كخلق ادم ، وخلق عيسى ، وحتى قول عيسى بأنه يخلق طيرا ، فهو لم يخترق مبدأ العلية ، وانما خلق الطير من الطين وانتظر اذن الله (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ) (آل عمران:49)

فلولا اذن الله لما نفعه اكبر جهاز ضغط للنفخ، ولظل الطين طينا،وان كل الامثلة التي اوردها الشيخ ، كالتغلب على علل الصعود الى الفضاء ، هي امثلة ليست دليلا له بل عليه ، لان الصعود الى الفضاء جاء بمساعدة خارجية ولم يكن للانسان دور سوى المساعدة في ايجاد الوسيلة ، والوسيلة تلك هي التي ساعدت على كسر علة الجاذبية الارضية دون ان تغير فيها شيئا، وهذا ما جاءت به الاية القرانية( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ) [ الرحمن / 33 ] .

21 - الولاية التكوينية ، الحق الطبيعي للمعصوم (ص) - الشيخ جلال الصغير - ص 237.

- اقول : كنت ابحث عن جواب لهذا السؤال ، الا ان الشيخ غرب وشرق مع الانبياء وصبرهم ، ولم يجب على السؤال سوى ما ذكره بانهم يريدون الضر ويصبرون عليه حماية للعقيدة.

أي جواب هذا الذي توصل اليه الشيخ " وفسر الماء بعد الجهد بالماء"؟ يجيب بجواب لا معقول عن سؤال بني على اكتاف امر غير معقول.

22 – له بحث مطبوع بعنوان ( نظرة اسلامية حول الولاية التكوينية – دار الملاك – ب.ت).

حيث يعتبر الولاية التكوينية ضد التوحيد ، ومخالفة لما جاء في القرآن.

23 - الرجعة في أحاديث الفريقين - الشيخ نجم الدين الطبسي - ص 3 - 4 .

24 - العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت (ع) - الشيخ جعفر السبحاني - ص 291 .

25 - الرجعة في أحاديث الفريقين - الشيخ نجم الدين الطبسي - ص 8.

26 - عقائد الإمامية - الشيخ محمد رضا المظفر - ص 80.

27 – المصدر السابق - ص 80 – 87.

28 - الشيعة في الميزان - محمد جواد مغنية - ص 54.

29 - أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني - ص 460 – 461.

30 - الرجعة أو العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت - مركز الرسالة - ص 54 .

31- المصدر السابق - ص 56 .

32 - العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت (ع) - الشيخ جعفر السبحاني - ص 294 .

33 - والمنابر الفضائية تصرخ جهارا نهارا بهذا المعنى وازيد.

34 - مجلة تراثنا - مؤسسة آل البيت - ج 16 - ص 233

25 - العقائد الإسلامية - مركز المصطفى (ص) - ج 1 - ص 48 –50 .

36– المصدر السابق - ج 1 - ص 52 .

37 - المصدر السابق - ج 1 - ص 63 .

38 - المصدر السابق - ج 1 - ص 64 وما بعدها.

 

 

 

الفصل الثالث

ممارسات شيعية

* الشهادة الثالثة .

* الشعائر الحسينية.

* السجود على التربة الحسينية.

1 - الشهادة الثالثة (1)

* (( وأما ما روي في شواذ الأخبار من قول : " أشهد أن عليا ولي الله وآل محمد خير البرية " فمما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة . فمن عمل بها كان مخطئا )).( 2)                     

* (( وليس من الاذان قول اشهد ان عليا ولي الله أو ان محمدا واله خير البرية وان عليا أمير المؤمنين حقا مرتين مرتين لأنه من وضع المفوضة لعنهم الله على ما قاله الصدوق ولما في النهاية ان ما روى أن منه ان عليا ولي الله وأن محمدا واله خير البشر أو البرية من شواذ الاخبار لا يعمل عليه وما في المبسوط من أن قول اشهد ان عليا أمير المؤمنين عليه السلام وال محمد خير البرية من الشاذ لا يعول عليه وما في المنتهى ما روى من أن قول ان عليا ولي الله وال محمد خير البرية من الاذان من الشاذ لا يعول عليه ثم إن خروجه من الاذان من المقطوع به لاجماع الامامية من غير نكير حتى لم يذكره ذاكر بكتاب ولا فاه به أحد من قدماء الأصحاب ولأنه وضع لشعائر الاسلام دون الايمان و لذا ترك فيه ذكر باقي الأئمة عليهما السلام ولان أمير المؤمنين عليه السلام حين نزوله كان رعية للنبي صلى الله عليه وآله فلا يذكر على المنابر ولان ثبوت الوجوب للصلاة المأمور بها موقوف على التوحيد والنبوة فقط على أنه لو كان ظاهرا في مبدء الاسلام لكان في مبدء النبوة من الفترة ما كان في الختام ومن حاول جعله من شعائر الايمان فالزم به لذلك يلزمه ذكر الأئمة عليهم السلام وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله مكررا من الله في نصبه للخلافة والنبي صلى الله عليه وآله يستعفى حذرا من المنافقين حتى جاءه التشديد من رب العالمين ولأنه لو كان من فصول الاذان لنقل بالتواتر في هذا الزمان ولم يخف على أحد من آحاد )).(3)        

* (( وأما الشهادة لعلي ( عليه السلام ) بالولاية وإمرة المؤمنين فليست جزءا منها )) .(4)      

* (( وصورة الأذان والإقامة محددة شرعا ضمن ما ذكرناه فلا يجوز ان يؤتى بشئ آخر من الكلام فيها على أساس انه جزء منها واما التكلم بكلام أو جملة بدون ان يقصد المؤذن أو المقيم جعله جزءا من اذانه وإقامته فهو جائز ومن ذلك قوله بعد الشهادة الثانية لمحمد برسالة ( اشهد ان عليا ولي الله ) فان ذلك جائزا إذا لم يقصد به كونه جزءا من الأذان والإقامة وانما أراد به الاعلان عن حقيقة من حقائق الاسلام وهي ولاية علي عليه الصلاة والسلام . شروط الأذان والإقامة)).(5 )      

* (( مسألة 934 : أشهد أن عليا ولي الله ، ليست جزء من الأذان والإقامة ، ولكن يحسن الإتيان بها بعد أشهد أن محمدا رسول الله ، بقصد القربة المطلقة . أحكام الأذان والإقامة)). (6)    

* (( وأقول : لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للاذان ، لشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الاخبار بها ،قال الشيخ في المبسوط فأما قول : " أشهد أن عليا أمير المؤمنين ، وآل محمد خير البرية " على ما ورد في شواذ الاخبار * فليس بمعمول عليه في الاذان ، ولو فعله الانسان لم يأثم به ، غير أنه ليس من فضيلة الاذان ولا كمال فصوله)) .( 7)       

* (( س- أنتم تقولون في الأذان ( أشهد أن عليا ولي الله ) ، أعطونا رواية صحيحة من كتبكم على هذه الشهادة الثالثة التي تقولونها .

الجواب نعتقد بأن الحد الأدنى الواجب لتحقق الإسلام هو شهادة : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) فمن اعتقد بهاتين الشهادتين فهو مسلم شرعا ، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، ما عدا الغلاة والنواصب . لكن لا يكمل إسلام المسلم ولا تبرأ ذمته ، حتى يشهد بولاية أمير المؤمنين وبقية العترة النبوية الطاهرة عليهم السلام ويبرأ من أعدائهم . والاعتقاد بهذه الشهادة الثالثة من أصول الدين عندنا ، فنحن بعد الشهادة للنبي صلى الله عليه وآله بالنبوة والرسالة ، نشهد لعلي والأئمة المعصومين من ولده عليهم السلام بالإمامة والولاية . هذا عن الإعتقاد بها ، أما قولها وإعلانها ، فهو واجب في بعض الحالات ، ومستحب في بعضها . ومع أن ولاية أهل البيت عليهم السلام من أصول الدين ، فنحن نحكم بإسلام من يتشهد بالشهادتين ولم يعتقد بها )). (8)   

* (( فيقول في أذانه وإقامته بعد الشهادة الثالثة ، الشهادة الرابعة لا بقصد الجزئية ، فنقول فيها ما نقول في الشهادة الثالثة ، ولا أظن أن يخالفني في ذلك واحد من الفقهاء والعلماء إلا من يجهل المباني الفقهية ، وما جاء وراء الفقه من المعاني الدقيقة . فيجوز أن يقول المؤذن والمقيم بعد الشهادة الثالثة : ( أشهد أن فاطمة الزهراء عصمة الله ) مرتان أو مرة واحدة أو يلحق ذلك بالشهادة الثالثة بعد قوله : ( أشهد أن عليا ولي الله وأن فاطمة الزهراء عصمة الله ) ، فتدبر)) .

وفي هامش ص 13 قال: (( لقد سبقني في هذا المعنى والفتوى شيخنا الأستاذ آية الله الشيخ حسن زاده الآملي دام ظله في ( حكمة عصمتية في كلمة فاطمية : 14 ) قائلا : كانت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات عصمة بلا دغدغة ووسوسة ، وقد نص كبار العلماء كالمفيد والمرتضى وغيرهما بعصمتها ( عليها السلام ) بالآيات والروايات ، والحق معهم ، والمكابر محجوج ومفلوج ، وكانت ( عليها السلام ) جوهرة قدسية في تعين إنسي ، فهي إنسية حوراء ، وعصمة الله الكبرى ، وحقيقة العصمة ، إنها قوة نورية ملكوتية تعصم صاحبها عن كل ما يشينه من رجس الذنوب والأدناس والسهو والنسيان ونحوها من الرذائل النفسانية . . . وإذا دريت أن بقية النبوة وعقيلة الرسالة ووديعة المصطفى وزوجة ولي الله وكلمة الله التامة فاطمة ( عليها السلام ) ذات عصمة ، فلا بأس بأن تشهد في فصول الأذان والإقامة بعصمتها وتقول مثلا : ( أشهد أن فاطمة بنت رسول الله عصمة الله الكبرى ) ، ونحوها)) .(9)    

اعلاه جملة من المصادر القديمة والحديثة وما ورد فيها من روايات حول الشهادة الثالثة في الاذان، اوردتها ليكون القاريء على بينة تامة من امره.

في المصادر القديمة ، تسلسل القول كما يلي :

- من عمل بها كان مخطئا.(10)

- الاتيان بها من المستحبات .(11)

- لو فعله الانسان لم يأثم به ، غير أنه ليس من فضيلة الاذان ولا كمال فصوله.(12)    

-  وأما الشهادة لعلي ( عليه السلام ) بالولاية وإمرة المؤمنين فليست جزءا منها .(13)

- انها من وضع المفوضة لعنهم الله على ما قاله الصدوق.(14)

- إن خروجه من الاذان من المقطوع به لاجماع الامامية من غير نكير حتى لم يذكره ذاكر بكتاب ولا فاه به أحد من قدماء الأصحاب. (15)  

- ان ذلك جائز إذا لم يقصد به كونه جزءا من الأذان والإقامة .( 16)  

- يحسن الإتيان بها بعد أشهد أن محمدا رسول الله ، بقصد القربة المطلقة . (17)     

من اعلاه تتبين الامور التالية:

1 – ان هذه الشهادة ليست جزء من الاذان.

2 – الاتيان بها من باب القربة، وليس جزء من الاذان حسب اجماع الامامية من غير نكير.

3 – ليس من فضيلة الاذان ولا كمال فصوله.

4 - من الأجزاء المستحبة للاذان.

5 - من شواذ الاخبار لا يعمل عليه ، و من الشاذ لا يعول عليه.

6 -  من عمل بها كان مخطئا .

8 - لو كان من فصول الاذان لنقل بالتواتر في هذا الزمان ولم يخف على أحد من آحاد .

اذن، نتوصل من الاقوال اعلاه الى نتيجة مفادها : ان الشهادة الثالثة هي مضافة .

السؤال : من اضافها ؟

الجواب : من وضع المفوضة (18) لعنهم الله كما يقول كاشف الغطاء.(19)      

اما قول الكوراني : (( لا يكمل إسلام المسلم ولا تبرأ ذمته ، حتى يشهد بولاية أمير المؤمنين وبقية العترة النبوية الطاهرة عليهم السلام ويبرأ من أعدائهم . والاعتقاد بهذه الشهادة الثالثة من أصول الدين عندنا ، فنحن بعد الشهادة للنبي صلى الله عليه وآله بالنبوة والرسالة ، نشهد لعلي والأئمة المعصومين من ولده عليهم السلام بالإمامة والولاية . هذا عن الإعتقاد بها ، أما قولها وإعلانها ، فهو واجب في بعض الحالات ، ومستحب في بعضها .)).(20)     

ففيه امور، منها:

1 – انه فرق بين المسلم والمؤمن ، المسلم من قال بالشهادتين ، والمؤمن من قال بالثلاثة.

2 - والاعتقاد بهذه الشهادة الثالثة من أصول الدين.

3 - أما قولها وإعلانها ، فهو واجب في بعض الحالات ، ومستحب في بعضها.

اتسائل: كيف ومتى يكون الاتيان بها واجبا ، ومرة من المستحبات؟

وكيف يفرق العامي من الشيعة بين الواجب والمستحب؟

وكيف يقول الشيخ الطوسي انها من شواذ الأخبار وهي مما لا يعمل عليه في الأذان والإقامة و من عمل بها كان مخطئا؟

والادهى من ذلك غلوا ما يقوله المسعودي ، وما يضيفه للاذان ، يقول: (( فيقول في أذانه وإقامته بعد الشهادة الثالثة ، الشهادة الرابعة لا بقصد الجزئية ، فنقول فيها ما نقول في الشهادة الثالثة ، ولا أظن أن يخالفني في ذلك واحد من الفقهاء والعلماء إلا من يجهل المباني الفقهية ، وما جاء وراء الفقه من المعاني الدقيقة . فيجوز أن يقول المؤذن والمقيم بعد الشهادة الثالثة : ( أشهد أن فاطمة الزهراء عصمة الله ) مرتان أو مرة واحدة أو يلحق ذلك بالشهادة الثالثة بعد قوله : ( أشهد أن عليا ولي الله وأن فاطمة الزهراء عصمة الله ) ، فتدبر)) .

ويضيف في  هامش ص 13 : (( لقد سبقني في هذا المعنى والفتوى شيخنا الأستاذ آية الله الشيخ حسن زاده الآملي دام ظله في ( حكمة عصمتية في كلمة فاطمية : 14 ) قائلا : كانت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات عصمة بلا دغدغة ووسوسة ، وقد نص كبار العلماء كالمفيد والمرتضى وغيرهما بعصمتها ( عليها السلام ) بالآيات والروايات ، والحق معهم ، والمكابر محجوج ومفلوج ، وكانت ( عليها السلام ) جوهرة قدسية في تعين إنسي ، فهي إنسية حوراء ، وعصمة الله الكبرى ، وحقيقة العصمة ، إنها قوة نورية ملكوتية تعصم صاحبها عن كل ما يشينه من رجس الذنوب والأدناس والسهو والنسيان ونحوها من الرذائل النفسانية . . . وإذا دريت أن بقية النبوة وعقيلة الرسالة ووديعة المصطفى وزوجة ولي الله وكلمة الله التامة فاطمة ( عليها السلام ) ذات عصمة ، فلا بأس بأن تشهد في فصول الأذان والإقامة بعصمتها وتقول مثلا : ( أشهد أن فاطمة بنت رسول الله عصمة الله الكبرى ) ، ونحوها)) . (21)     

يقول سبحانه:(لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً) (مريم:89)

والمحصلة التي نخرج بها هي : ان الذي يأتي بها ملعون، حسب قول الصدوق وكاشف الغطاء، وهذا يعني ان اللعنة ستطال مؤذني الشيعة كافة في عصرنا والعصور التي سبقتنا ، و التي ستأتي بعد عصرنا.

وقد افتى سماحة الامامك الشيخ المؤيد بما يلي:

 (( نعم ، نحن نفتي بعدم مشروعية الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة ، فإن الأذان والإقامة عبادتان توقيفيتان شأنهما شأن العبادات التوقيفية التي تؤخذ كيفيتها المحددة والمعينة من الشارع الأقدس.

وقد وردت الروايات البيانية المعتبرة في تحديد فصول الأذان والإقامة وليس في أي من هذه الروايات عن أهل البيت عليهم السلام تصريح أو تلميح إلى الشهادة الثالثة لا كفصل من فصول الأذان والإقامة ولا كزيادة خارجة عن كونها جزء منهما لكنها تلحق بالشهادتين إستحبابا أو جوازا .

وبناءً على ذلك وبحكم عدم الدليل على الجزئية أو الإلحاق لا كجزء لا يكون الإتيان بالشهادة الثالثة مشروعا لا على نحو الإستحباب لعدم الدليل ، ولا على نحو الجواز ، لأن المعتبر في فصول الأذان والإقامة هو الترتيب والموالاة في السياق ، ومن دون دليل على الجواز يكون الإتيان بالشهادة الثالثة مخلا بذلك فلا يجوز . ولذا لا يجوز الفصل بين أي من فصول الأذان أو فصول الإقامة من غير دليل لأنه إخلال بنظام الأذان والإقامة وهو مناف للإرتكاز المتشرعي القطعي القائم على أن للأذان والإقامة نظما ووحدة في السياق من حيث الترتيب والموالاة بين الفصول . إلا أن جملة من فقهاء الإمامية مع تسليمهم بعدم كون الشهادة الثالثة جزءً من فصول الأذان والإقامة وعدم جواز الإتيان بها على نحو الجزئية أفتوا بمشروعية الإتيان بها إستحبابا أو برجاء المطلوبية أو جوازا . ومستندهم في ذلك إما روايات واردة في مورد الأذان والإقامة أو روايات تحث على إتباع القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله بالقول ( علي أمير المؤمنين ) فاستدل بها بدعوى إطلاقها الشامل للأذان والإقامة .

لكن هذه الفتوى ليست صحيحة لأن الروايات الواردة في مورد الأذان والإقامة الذاكرة للشهادة الثالثة أو ما شاكلها ضعيفة سندا بل رماها أكابر أساطين الطائفة كالصدوق والطوسي بالشذوذ والوضع وهما أقرب عصرا إلى هذه الروايات وأكثر إطلاعا على مآخذها ، وقد جزما بأن هذه الروايات من وضع الغلاة والمفوضة وشهدا بأنها موضوعة وشاذة ، وهذه الشهادة منهما إن لم تكن حسية فهي قريبة من الحس ، ولا يوجد ما يضعف هذه الشهادة بل يوجد ما يؤكدها ، وبالتالي فهذه الروايات من المقطوع به أو المطمأن به على أقل التقادير أنها موضوعة فلا يعتنى بإحتمال صدورها عن الأئمة عليهم السلام ، وعليه فهي لا تصلح مستندا لا للإستحباب ولا للإتيان برجاء المطلوبية . وأما الروايات التي أُدعي أنها مطلقة إطلاقا شاملا للأذان والإقامة فهي مضافا إلى ضعف سندها لا إطلاق لها فإطلاقها منصرف عن مثل الأذان والإقامة كعبادة توقيفية لها نظامها وسياقها المحدد . وإلا لو صح التمسك بالإطلاقات في مثل الأذان والإقامة للزم من ذلك إمكان إضافة كثير من العبارات إلى الأذان والإقامة تمسكا بإطلاقات وردت في أدلة معتبرة ، فإن الحث على الصلاة مستحب بلا شك فهل يمكن إضافة فصل للأذان أو الإقامة ولو لم يكن بعنوان الجزئية بأن يقول المؤذن أو المقيم حي على عمود الدين ، كما إن التذكير بالموت والآخرة مستحب بلا شك لكن هل معنى ذلك أن يسمح للمؤذن أو المقيم بالتلفظ بكلمات ضمن أذانه أو إقامته تذكر بالموت والآخرة بدعوى إطلاق ما دل على إستحباب التذكير بالموت والآخرة ؟

فالحقيقة إن الإرتكاز القائم على أن للأذان والإقامة نظما خاصا وسياقا معينا يمنع من شمول الإطلاقات لمثل الأذان والإقامة.

وهكذا يتضح أن الإتيان بالشهادة الثالثة في الأذان والإقامة غير مشروع ويعد بدعة يجب التحرز منها . ويتحمل العلماء مسؤولية كبيرة في بيان الأحكام الصحيحة وتنقية الأفكار وعليهم الاضطلاع بذلك بشجاعة وعدم الإكتراث بضجيج الجهلة والمغرضين ، وعلى عموم المؤمنين وعلى المثقفين والمتنورين أن لا يسمحوا بمثل هذا الضجيج الذي يعتبر مجرد بيان الرأي والفكر حسب القناعة العلمية جريمة تواجه بالطعن والضجيج والتهويل بدلا من الحوار الموضوعي والنقد العلمي . إن هناك من يريد أن يتعامل مع قضية الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة وكأنها عنصر من جوهر التشيع مع أنها قضية ليس لها أساس في فقه أهل البيت عليهم السلام ولا في ممارساتهم وحتى القائلون بمشروعيتها لا يرونها سوى أمر مستحب والمستحب يجوز تركه من غير إثم ، فلماذا كل هذا التضخيم والتهويل والتشنيع على جهود المصلحين الهادفين إلى تنقية التراث وإصلاح الأفكار والسلوك . ولعل كثيرين يتذكرون الضجة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها على مصلحين أجلاء لمجرد بيانهم لرأي أدى إليه إجتهادهم وتفكيرهم العلمي كتلك الهجمة التي واجهها الشيخ محمد الخالصي رحمه الله لمجرد أنه أفتى بعدم مشروعية الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة . والهجمة الشرسة التي واجهها الإمام السيد محسن الأمين رحمه الله لمجرد أنه أفتى بلزوم تنزيه الشعائر الحسينية من الممارسات الدخيلة . لكن الإصلاح يشق طريقه مهما كانت المصاعب جمة ولا سيما في عصرنا عصر العلم والثقافة والرشد)).

ويفتي سماحة الامام السيد محمد حسين فضل الله بما يلي :

(( وعن اختلاف السنة والشيعة في صيغة الأذان، يقول سماحته :"نحن لا نعتبر أن جملة «أشهد أن عليا ولي الله» هي جزء من الأذان، وقد كتبنا ذلك في كتاب الفتاوى، وقلنا إننا لا نوافق على أن يزاد في الأذان أي شيء، هناك خلاف آخر في الأذان في جملة «حي على خير العمل»، فهناك روايات لدى المسلمين الشيعة تفيد بأنها جزء من الأذان، ولكن المسلمين السنة لا يرون ذلك، كما أن السنة يزيدون في أذان الصبح «الصلاة خير من النوم»، والشيعة لا يرون ذلك، أما جملة «أشهد أن عليا ولي الله» فليست جزءًا من الأذان، ولا يجوز اعتقاد كونها جزءًا من الأذان، وإنما يأتي بها الشيعة للتبرك)).

وقال في الاستفتاءات ايضا:

((الشهادة الثالثة ليست بدعة في ذاتها ، ولكنها ليست من الفصول الواجبة لا في الأذان ولا في الإقامة ، نعم هي من حقائق الإيمان عندنا، ولم ينقل لنا في الأخبار أن النبي (ص) أو أحدا من الأئمة (ع) كانوا يدخلونها في الأذان أو الإقامة ، ولذا فنحن جرياً على ذلك قلنا إنه لا يجوز إعتبارها جزءاً منهما لأنها ليست كذلك ، ولعل الذين أدخلوها هم بعض الغلاة من الشيعة كما يقول الشيخ الصدوق )رحمه الله) باعتبار أنه يستحب الشهادة لعلي بالولاية كلما ذكرت الشهادة للنبي (ص(بالرسالة ، ولكن هذا لا يوجب أن يكون الأمر كذلك فيما هو من الأمور التوفيقية كالأذان والإقامة ، وخاصة بالنسبة للإقامة لاحتمال أن تكون بمثابة الجزء من الصلاة لأنه يكره كراهة شديدة الإتيان بما ينافي الصلاة بعد الإقامة.)).

ان سماحة الشيخ المؤيد قد افتى :

1 - بعدم مشروعية الشهادة ، لا استحبابا (22) ولا من الجواز لانعدام الدليل .

2 – اما الروايات والاحاديث التي تؤكد على الإستحباب و الإتيان برجاء المطلوبية هي:(( ضعيفة سندا بل رماها أكابر أساطين الطائفة كالصدوق والطوسي بالشذوذ والوضع وهما أقرب عصرا إلى هذه الروايات وأكثر إطلاعا على مآخذها ، وقد جزما بأن هذه الروايات من وضع الغلاة والمفوضة وشهدا بأنها موضوعة وشاذة )).

 3 - وهي بدعة يجب التحرز منها .

بعد ذلك يحمل سماحته العلماء : (( مسؤولية كبيرة في بيان الأحكام الصحيحة وتنقية الأفكار وعليهم الاضطلاع بذلك بشجاعة وعدم الإكتراث بضجيج الجهلة والمغرضين ، وعلى عموم المؤمنين وعلى المثقفين والمتنورين أن لا يسمحوا بمثل هذا الضجيج الذي يعتبر مجرد بيان الرأي والفكر حسب القناعة العلمية جريمة تواجه بالطعن والضجيج والتهويل بدلا من الحوار الموضوعي والنقد العلمي)) .

4 – ويتساءل بإندهاش ونحن معه : (( لماذا كل هذا التضخيم والتهويل والتشنيع على جهود المصلحين الهادفين إلى تنقية التراث وإصلاح الأفكار والسلوك . ولعل كثيرين يتذكرون الضجة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها على مصلحين أجلاء لمجرد بيانهم لرأي أدى إليه إجتهادهم وتفكيرهم العلمي كتلك الهجمة التي واجهها الشيخ محمد الخالصي رحمه الله لمجرد أنه أفتى بعدم مشروعية الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة . والهجمة الشرسة التي واجهها الإمام السيد محسن الأمين رحمه الله لمجرد أنه أفتى بلزوم تنزيه الشعائر الحسينية من الممارسات الدخيلة)) .

5 – يؤكد سماحته بشجاعة العالم الواثق من نفسه ومن مبانيه الفقهية: ((الإصلاح يشق طريقه مهما كانت المصاعب جمة ولا سيما في عصرنا عصر العلم والثقافة والرشد)).

***

2- الشعائر الحسينية:

يحتفل الشيعة الامامية في كل بقاع العالم – اينما وجدوا – بأيام عاشوراء ، احتفالات تكللها مظاهر الحزن بمناسبة واقعة الطف ، واستشهاد الحسين وصحبه فيها وما جرى من سبي لال البيت بعد ذلك ، وهذا حق طبيعي لهم .

ان احتفالات يوم عاشوراء متنوعة:

منها ما يسمى بالمجالس الحسينية ، او مجالس العزاء ، ودور رجل الدين المختص بها يدعى قاريء التعازي ، او خادم الحسين ، او الملة ، او خادم منبرالحسين، اوالخطيب (قلة هم الذين تنطبق عليهم هذه تسمية الخطيب)، اذ يأتي هذا الرجل بقصة مقتل الحسين موزعا اياها على ايام عاشوراء.

ومن ممارسات جسدية مستوردة من الغير، كاللطم ، وضرب الرؤوس بالقامات ، وضرب الظهور بالزناجير، فضلا على السير على الاقدام او الزحف وقطع المسافات الطوال لزيارة مرقد الامام الحسين.

وفي الاونة الاخيرة لم يكتف الشيعة بهذه المناسبة الحزينة ، بل تعدوها الى مناسبات وفاة الائمة اجمعهم والسيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب .

والادهى من ذلك ان تلك الممارسات الحزينة قد طغت في كثير من الاحيان على مناسبات الاحتفالات بمواليد الائمة.

وتسمى تلك المظاهر بـ:

* شعائر الله، إذ يردد القائمون عليها، او الداعون لها آية قرآنية لتأكيد ذلك: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)

* او: الشعائر الحسينية.

وقد افتى الكثير من رجال الدين من العقلاء والذين يزنون الاشياء بميزان العقل ، و المنفتحين على عصرهم ، والمدركين جيدا لخطر القيام بهذه المظاهر ، والداعين الى الوحدة الاسلامية، كالإمام السيد محسن الأمين رحمه الله (23) بحرمتها ،وقد ناقشنا ذلك في الكتاب الاول من هذه الدراسة . (24)

ولم يفت أي فقيه او مرجع بحلية اللطم وضرب الرؤوس والظهر، الا انهم لا ينهون العامة من ذلك بفتوى تحرم مثل هذه الممارسات .

وان اغلب وكلاء المراجع هم من المشجعين لها ، ليس من خلال الفعل ، وانما من خلال السكوت عن ممارستها، وعندما تسأل الفقهاء والمراجع رجال الدين عن النهي يدعي ان العامة لا تمنتنع.

ومن هنا يمكن ان نعود الى قول المرحوم السيد فضل الله ، ان اغلب من يقوم بهذه الممارسات هم من السكيرين .

إذ مثل هؤلاء لا تفيد معهم فتوى او نصيحة ، فلماذا قامت قيامة البعض على السيد فضل عندما اتهم الممارسين بالسكر؟

ان السكوت على الشيء في العرف الاجتماعي هو قبول به.

***

يقول سماحة العلامة الشيخ المؤيد ردا على سؤال حول مجالس العزاء :

(( - لا يعتبر من الشعائر الحسينية و إن كان فيه ثواب جزيل و خدمة إنسانية ، و هو ممارسة صحيحة بدلاً عن التطبير الذي هو ممارسة خاطئة و فعل محرم.

 -لا يجوز التطبير و ضرب الزناجيل . و في ذلك إشكال شرعي ، فإن التطبير و ضرب الزناجيل عمل محرم ، و ليس ذلك من الشعائر الحسينية ، و اذا أتى الشخص به على أنه من الشعائر يكون مبتدعاً و يأثم إثمين إثماً لحرمة العمل نفسه ، وإثماً للابتداع .

- لا يعتبر من الشعائر الحسينية ، و طول الممارسة لا يجعلها شعيرة ، و إنما هي عادة خاطئة و عمل محرم . .(( (25)

ويقول ايضا:

(( لاشك في ان نهضة الامام الحسين عليه السلام لم تكن حدثا تاريخيا عابرا أو واقعة مأساوية كسائر الوقائع العادية التي تحفل بها الازمنة، وانما كانت واقعة من اهم الوقائع الكبرى التي يهتز لها الوجدان الانساني وتطبع بصماتها على الناس . وقلما يظفر المتأمل في سجل التاريخ بحادثة كحادثة كربلاء ، وقضية كقضية أبي الاحرار الامام الحسين عليه السلام في اثارتها للوجدان الجماهيري وتحريكها للعاطفة الانسانية بصورة مستمرة وبالزخم نفسه الذي زلزلت به ساحة الاحداث في المقطع الذي وقعت فيه تلك الملحمة الخالدة التي ترائت للناس اسطورة في ماعرضته من مشاهد وسطرته من معاني وخلفته من آثار . وقد خلقت هذه الحادثة قاعدة جماهيرية متصلة تبنتها وتعهدت بالنضال في سبيلها هدفا وفكرا ومنهجا ورصيدا وعملا ، وكان لهذا الامر دوره في ادامة هذه القضية وترسيخها في الالباب والقلوب ، انها ظاهرة تناغم أخاذ بين هذه القضية التي توقد بحرارتها النفوس فتطفق تعبر عما يجول فيها من رؤى ومشاعر وبين هذه النفوس التي جندت لأداء وظيفتها ازاء هذه القضية كالزيت يحترق بالنار فيمونها لتبقى شعلتها ملتهبة وملهبة مادام له وجود . وقد تعرٌضت هذه القضية لافراط وتفريط ، أما التفريط فهو المحاولات غير المبررة لجعلها من الحوادث التأريخية العادية أو شبه العادية واعطائها طابعا محدودا وتسطيحها ، فضلا عن محاولات انسائها واقتلاعها من سجل الذكريات ، بل منع البعض من اظهار الحزن والبكاء وانشاد المراثي مدخلا لها في الجانب الشخصي للقضية وكانها من قبيل التفجع على موت انسان مع انها ليست كذلك جزما ،فان الحزن والبكاء والرثاء لاجل المظلومية امر تنزع اليه النفس الانسانية حسب فطرة الله التي فطر الناس عليها فكيف يحول الشارع بحكم بين النفس وما فطرت عليه وهذا غير التفجع لحادثة الموت نفسها حيث ان الموت هو قدر الله الماضي على جميع خلقه . وهذا يعبر عن جانب التفريط في القضية وهو امر لايتقبله منطق التاثير التاريخي . واما جانب الافراط فهو الذي يتعامل مع هذه القضية من خلال تضخيم بعض تفاصيلها استنادا الى روايات ضعيفة أو التركيز على جانب الماساة والمغالاة في تحريك العاطفة الانسانية ليتحول التعاطي معها الى حالة الانفعال العاطفي واهمال المحتوى العظيم والثر الذي يتصل بفلسفة هذه النهضة ودراسة ابعادها المتنوعة واستخلاص العبر والدروس منها واستنطاقها لتبقى الحادثة الملهمة على الدوام . وقد يصل هذا التركيز العاطفي الى درجة التعبير عن العاطفة وابراز التـفاعل مع المأساة بألوان واشكال من الممارسات التي تعطي صورة مشوهة عن الطريقة المعقولة في احياء الذكرى فتوجد انعكاسا سلبيا على الذكرى نفسها،بل يتسرب من خلالها الوهن الى القاعدة الفكرية التي تنطلق منها . ولذا فاننا نرى أن هذه الممارسات غير صحيحة وليست فيها مصلحة ويجب تنزيه الشـعائر الحسينية منها والعمل على احياء الذكرى بالطرق الصحيحة التي تـتـنــاسب وعظمتها وما تستحقه من فاعلية وبقاء ولا نعني بذلك اغفال الجانب العاطفي والمأساوي في القضية لكن يتم ابراز عنصر المأساة وما فيه من تحريك للوجدان وما يتمخض عنه من تعبير تتوهج من خلاله العاطفة الانسانية بالاداء الصحيح الذي يتماشى والطبع العقلائي بما يحفظ للفكرة هيبتها وللحادثة عمق تأثيرها الايجابي وبالله التوفيق )).

وقال العلامة الشيخ المؤيد اجابة عن سؤال حول حليتها او عدمها:  ((  لا يعد التطبير في حد نفسه شعيرة دينية ، لأن الشعيرة الدينية هي ما جعله الله تعالى من معالم دينه وعلائمه ، وليس التطبير كذلك ، فإنه لم يجعل شرعا من معالم الدين وعلائمه ، وإنما هو من مخترعات الناس وما تواضع عليه البعض لإظهار التفجع على الإمام الحسين عليه السلام ، مع أنه ليس من المصاديق المشروعة ولا الراجحة للتفجع ، ذلك أن مورد النصوص الواردة في هذا الباب هو عناوين خاصة معينة كالحزن والبكاء والتعزية والرثاء وهي عناوين لا تنطبق على مثل التطبير ولا تتسع له ، ولو فرض وجود إطلاق في هذه النصوص أو غيرها فإنه لا يشمل مثل التطبير وضرب السلاسل وما جرى مجراهما ، لانصراف الإطلاقات عنهما عرفا لعدم كونهما من المصاديق المنظورة في العرف العام والمتعارفة عقلائيا في هذا المجال ، مضافا إلى بعدها عن مذاق الشارع حسب المرتكزات المتشرعية ،الأمر الذي يوجب إنصراف الأذهان العرفية عنها في زمان صدور النصوص .

ثم إن هذه المصاديق والأساليب لا تنسجم مع مقاصد الشريعة ومذاق الشارع وما يستفاد من مجموع خطاباته في باب حفظ النفس والبدن وصيانتهما عن الأذى  والضرر وحرص الشارع على سلامتهما مما يمكن أن يستنبط منه مبغوضية هذه الأفعال عند الشارع المقدس خاصة مع عدم كونها من المصاديق اللازمة والمطلوبة . هذا إن لم يستفد من بعض الأدلة وبشكل مباشر حرمة مثل هذه الأفعال. أضف إلى ذلك إن هذه الأفعال تسيء إلى صورة الدين والمذهب وتشوه المضمون الحقيقي لإحياء قضية الإمام الحسين عليه السلام ، ولا شك في ذلك لا سيما في زماننا هذا ولو في الجملة فتكون محرمة بالعنوان الثانوي . وهكذا يتضح أن التطبير وما جرى مجراه لا يندرج في شعائر الدين ولا في العناوين الجائزة أو الراجحة .)).

وفي اجابة اخرى حرم  العلامة الشيخ مثل هذه الافعال : ((نعم حيث أن التطبير حرام شرعا فإن الذي أقدم على تطبير غيره يلحقه الإثم لأنه إرتكب من الناحية التكليفية فعلا محرما وإن لم يترتب عليه شيء من الناحية الوضعية حسب ما ذكرناه.)).

و قال ايضا: (( وقد تعرٌضت هذه القضية لإفراط وتفريط ، أما التفريط فهو المحاولات غير المبررة لجعلها من الحوادث التاريخية العادية أو شبه العادية وإعطائها طابعا محدودا وتسطيحها ، فضلا عن محاولات أنسائها واقتلاعها من سجل الذكريات ، بل منع البعض من إظهار الحزن والبكاء وإنشاد المراثي مدخلا لها في الجانب الشخصي للقضية وكأنها من قبيل التفجع على موت إنسان مع انها ليست كذلك جزما ،فان الحزن والبكاء والرثاء لأجل المظلومية أمر تنزع إليه النفس الإنسانية حسب فطرة الله التي فطر الناس عليها فكيف يحول الشارع بحكم بين النفس وما فطرت عليه وهذا غير التفجع لحادثة الموت نفسها حيث ان الموت هو قدر الله الماضي على جميع خلقه . وهذا يعبر عن جانب التفريط في القضية وهو أمر لا يتقبله منطق التأثير التاريخي . وأما جانب الإفراط فهو الذي يتعامل مع هذه القضية من خلال تضخيم بعض تفاصيلها استنادا إلى روايات ضعيفة أو التركيز على جانب المأساة والمغالاة في تحريك العاطفة الإنسانية ليتحول التعاطي معها إلى حالة الانفعال العاطفي وإهمال المحتوى العظيم والثر الذي يتصل بفلسفة هذه النهضة ودراسة أبعادها المتنوعة واستخلاص العبر والدروس منها واستنطاقها لتبقى الحادثة الملهمة على الدوام . وقد يصل هذا التركيز العاطفي إلى درجة التعبير عن العاطفة وإبراز التـفاعل مع المأساة بألوان وأشكال من الممارسات التي تعطي صورة مشوهة عن الطريقة المعقولة في إحياء الذكرى فتوجد انعكاسا سلبيا على الذكرى نفسها،بل يتسرب من خلالها الوهن إلى القاعدة الفكرية التي تنطلق منها . ولذا فإننا نرى أن هذه الممارسات غير صحيحة وليست فيها مصلحة ويجب تنزيه الشـعائر الحسينية منها والعمل على إحياء الذكرى بالطرق الصحيحة التي تـتـنــاسب وعظمتها وما تستحقه من فاعلية وبقاء ولا نعني بذلك إغفال الجانب العاطفي والمأساوي في القضية لكن يتم إبراز عنصر المأساة وما فيه من تحريك للوجدان وما يتمخض عنه من تعبير تتوهج من خلاله العاطفة الإنسانية بالأداء الصحيح الذي يتماشى والطبع العقلائي بما يحفظ للفكرة هيبتها وللحادثة عمق تأثيرها الايجابي وبالله التوفيق .)).

وقال اخيرا عن هذه المسألة : (( إن المعارضة للتطبير وما يجري مجراه ليست معارضة للشعائر الحسينية ومن الخطأ الفاحش أن ينظر إليها على أنها معارضة للشعائر الحسينية بل هي دعوة إصلاحية لتنزيه الشعائر الحسينية وإبرازها بالصورة الصحيحة والناصعة . ولماذا يتم إختزال إحياء قضية كبرى بمستوى قضية الإمام الحسين عليه السلام بمجموعة من الأساليب التي لم يرد بها نص شرعي ولا يقبلها العرف العقلائي العام وإنما جرت عليها العادة في فترة متأخرة من الزمن)).

اما سماحة الامام السيد فضل الله – رحمه الله - فقد رفض الممارسات التي يقوم بها الشيعة يوم عاشوراء مثل إدماء الرأس والظهر، واعتبره "يمثل خطيئة ومعصية.(26)

يقول رحمه الله:

(( علينا أن نعمل لتكون عاشوراء إسلامية ويكون الهدف منها هو تعريف الناس بالإسلام لأن الغالب في طريقة إثارة الذكرى هو استنـزاف الدمعة وترديد المأساة مما يفرض على بعض القراء أو الخطباء الإتيان بالأحاديث الموضوعة المثيرة، وقد أصبح من المعروف أن القارئ الناجح هو الذي يستنـزف الدمعة لا الذي يفتح العقل، فينبغي حتى تبقى عاشوراء مدرسة إسلامية- لأن الناس تجتمع في عاشوراء أكثر من غيرها من المناسبات وتستمع للخطيب أكثر من غيره - ينبغي أن نمزج الفكرة بالعاطفة فالعاطفة ضرورية في تخليد عاشوراء ولكن علينا أن نعرف كيف نعقلن العاطفة حتى نعطي الناس معنى ثورة الإمام الحسين(ع). كما علينا أن نبتعد عن العادات المحرمة المتخلفة والتي تسيء إلى عاشوراء ومذهب أهل البيت(ع) مما يشوّه صورة ذلك أمام العالم. إن عاشوراء انطلقت من خلال الموقع الإسلامي في إصلاح الأمة وتصحيح الانحراف وتأكيد الانفتاح على مواجهة التحديات الاستكبارية ضد الإسلام والمسلمين بالوقوف مع حركة الوحدة الإسلامية من أجل أن يكون الإسلام في حاضرنا ومستقبلنا الرسالة العالمية كما أرادها الله للإنسان كله)).

من رأيي الامامين اعلاه ، يمكن استنتاج الاتي:

1 – ان تلك المظاهر والممارسات لا تعتبر من الشعائر الحسينية ، لان طول الممارسة لا يجعلها شعيرة ، و إنما هي عادة خاطئة و عمل محرم .

2 - عدم جواز التطبير و ضرب الزناجيل، لانها اعمال محرمة.

3 – ان واقعة الطف قد تعرٌضت لافراط وتفريط.

4 – اكد الامامان على الجانب العاطفي والمأساوي في القضية لكن يتم ابراز عنصر المأساة وما فيه من تحريك للوجدان وما يتمخض عنه من تعبير تتوهج من خلاله العاطفة الانسانية بالاداء الصحيح.

5 – ان تلك الممارسات هي من العادات المحرمة المتخلفة والتي تسيء إلى عاشوراء ومذهب أهل البيت. (27)

***

3 - السجود على التربة الحسينية:

التربة لغة :

(( بمعنى مطلق التراب ، فالترب والتربة ، والتراب ، لها معنى واحد معروف . لكنها صارت حقيقة عرفية في بعض أقسام التراب وهو ( التربة الحسينية ) ، وهو التراب المأخوذ من القبر ، أو الموضوع على الصندوق ، أو الموضوع في الحائر ، وهو ما يصح إطلاق العرف على الطين المأخوذ من القبر لو وجد )). (28)   

ويقول علماء الشيعة أن السجود هو على التربة الحسينية ، وليس للتربة ذاتها ، فهو ليست شركا، لانها غير مسجود لها ، وانما مسجود عليها ، وفرق بين الاثنين.

يقول السبحاني:(( وأما السر في التزام الشيعة استحبابا بالسجود على التربة الحسينية ، فإن من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها ، أن يتذكر المصلي حين يضع جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد)) . (29)       

واذا كان السبحاني وغيره من علماء الشيعة يرون ان السجود على التربة هو من باب الاستحباب، وهو ليس من الفرض المحتم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا مما ألزمه المذهب ، كم يقول الشيخ الاميني ، الا ان انشغال المصلي بشيء اخر هو خروج من الصلاة ، وابتعاد عن الله .

ويقول السبحاني : ((ولعل هذا هو المقصود من أن السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر ، فيكون حينئذ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى رب الأرباب))(30)

ورويت روايات كثيرة عن فضل السجود على التربة ، اغلبها غير موثوق ، منها الرواية التي يكون في طريق اسنادها محمد بن سنان غير الموثوق عند اصحاب الرجال الشيعة ، تقول الرواية :

((  عن محمد بن جعفر القرشي الرزاز ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن سنان ، عن أبي سعيد القماط ، عن عمر بن يزيد بياع السابري ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( إن أرض الكعبة قالت : من مثلي وقد بنى الله بيته على ظهري ويأتيني الناس من كل فج عميق ، وجعلت حرم الله وأمنه ؟ ! فأوحى الله إليها أن كفي وقري ، فوعزتي وجلالي ما فضل ما فضلت به فيما أعطيت به أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر ، ولولا تربة كربلاء ما فضلتك ، ولولا ما تضمنته أرض كربلاء لما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به ، فقري واستقري وكوني دنيا متواضعة ذليلا مهينا غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم)). (31 )

وسردوا القصص الخرافية التي ارادوا من خلالها بيان فضلها.

(( ... الحسن بن يوسف بن المطهر العلامة في ( منتهى المطلب ) رفعه قال : إن امرأة كانت تزني وتوضع أولادها وتحرقهم بالنار خوفا من أهلها ، ولم يعلم به غير أمها ، فلما ماتت دفنت فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الأرض ، فنقلت من ذلك المكان إلى غيره ، فجرى لها ذلك ، فجاء أهلها إلى الصادق  ( عليه السلام ) وحكوا له القصة ، فقال لأمها : ما كانت تصنع هذه في حياتها من المعاصي ؟ فأخبرته بباطن أمرها ، فقال الصادق ( عليه السلام ) : إن الأرض لا تقبل هذه ، لأنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله ، اجعلوا في قبرها شيئا من تربة الحسين ( عليه السلام ) ، ففعل ذلك بها فسترها الله تعالى)) .(32)     

اتساءل: كم من زانية مدفونة منذ دفن تلك المرأة الى يومنا هذا رفضتها ارض القبر؟

الجواب : ولا واحدة.

ربما يبرروا ذلك بقولهم انما انكشف التراب عن تلك الزانية في ذلك الوقت للعظة ، وكأن الشيعة زمن حضور الامام المعصوم بحاجة الى العظة اكثر من الشيعة بغياب الامام.

ارى ان تلك الروايات وضعت للعظة فقط ، ولا دخل لحضور الامام ، سوى للتأكيد.

ان خلاصة رأي علماء الشيعة بالسجود على التربة هو :

- ان التربة هي من تراب الارض.

- ان السجود عليها، وليس السجود لها.

- ان السجود عليها يـأتي استحبابا.

واذا كانت النقطة الاولى من البديهيات ، الا ان النقطتين الاولى والثانية فيهما اشكال.

فكم من خطباء المنابر الحسينية قد ثقف عامة الشيعة على ذلك ؟

لا احد سوى المرحوم الشيخ الوائلي كما اطلعت وسمعت ، اما قول المراجع في ردودهم على الاستفتاءات او من خلال رسائلهم العملية بذلك، فلا طائل منه طالما لا يصل العامة.

***

من فتاوى علماء الإمامية حول موضع السجود :

(( لقد وردت المضامين الحديثية المتقدمة في فتاوى فقهاء الامامية منذ القدم وإلى اليوم ، وقد اخترنا أربعة نصوص للدلالة على أن الأصل في السجود هو أن يكون على الأرض .

 1 - قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه القمي ( الصدوق الأول ت 329 ه‍ ) في وصيته إلى ولده أبي جعفر الصدوق الثاني كما نقلها عنه بقوله : ( قال أبي رحمة الله عليه في رسالته إلي : اسجد على الأرض أو على ما أنبتت الأرض ولا تسجد على الحصر المدنية ، لان سيورها من جلد ، ولا تسجد على شعر ولا صوف ولا جلد ولا إبريسم ولا زجاج ولا حديد ولا صفر ولا شبه ولا رصاص ولا نحاس ولا ريش ولا رماد . وإن كانت الأرض حارة تخاف على جبهتك الاحتراق أو كانت ليلة مظلمة خفت عقربا أو شوكة تؤذيك فلا بأس أن تسجد على كمك إذا كان من قطن أو كتان ).

 2 - أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الدين عبد الله الحلبي ( ت 447 ه‍ ) : قال : ( لا يجوز السجود بشئ من الأعضاء السبع إلا على محل طاهر ، ويختص صحة السجود بالجبهة على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل ولا يلبس ، فإن سجد ببعض الأعضاء على محل نجس وبالجبهة على ما ذكرناه كالصوف والشعر والحنطة والثمار لم تجزه الصلاة ) .

 3 - الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه‍ ) قال : ( لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس ويحتاج أن يجمع شرطين : أن يكون ملكا أو ما في حكم الملك ، ويكون خاليا من نجاسة ، فأما الوقوف على ما فيه نجاسة يابسة لا تتعدى إليه فلا بأس به ، والتنزه عنه أفضل ) .

 4 - السيد كاظم اليزدي قدس سره في العروة الوثقى قال : ( يشترط مضافا إلى طهارته - مسجد الجبهة من مكان المصلي - أن يكون من الأرض أو ما أنبتته غير المأكول والملبوس ، نعم يجوز على القرطاس أيضا ، فلا يصح على ما خرج عن اسم الأرض كالمعادن مثل الذهب والفضة والعقيق والفيروزج والقير والزفت ونحوهما ، وكذا ما خرج عن اسم النبات كالرماد والفحم ونحوهما ، ولا على المأكول والملبوس كالخبز والقطن والكتان ونحوهما ، ويجوز السجود على جميع الأحجار إذا لم تكن من المعادن )). (33)                

من اعلاه، نجد الاختلاف بينا وواضحا بين فقهاء الشيعة الامامية في مكان السجود، فمنهم من وسع دائرة المسموح السجود عليه (كالسيد اليزدي)، ومنهم من ضيقها ، (كالشيخ الطوسي).

***

اما سماحة العلامة الشيخ المؤيد فقد افتى قائلا:

(( الذي أذهب إليه وأفتي به هو أن الأصل في السجود أن يكون على الأرض وما أنبتت من غير المأكول والملبوس وهو المصداق الأفضل وإن كان السجود على غير الأرض كالسجاد والبسط وما شاكل جائزا وصحيحا وهو رخصة، وأما حديث ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) فهو لا يدل على عدم صحة السجود على غير الأرض

أولا : لأن الحديث يمكن أن يكون ناظرا إلى جهة الإيجاب لا إلى جهة السلب بمعنى أنه ناظر إلى أن الأرض كلها بترابها وأحجارها وصخورها ورملها مسجد وليس ناظرا إلى عدم جواز السجود على غيرها رخصة .

ثانيا : إن من الواضح أن كون الأرض طهورا ليس قضية مطلقة وإنما هو في حالة التيمم عند فقد الماء أو العذر في استعماله فهي طهور كبدل عن الماء فهذا بنفسه يخدش في استفادة انحصار السجود بالأرض دون غيرها حيث لا تستفاد القضية المطلقة فالأرض مسجد لكن ليس على نحو الانحصار بحيث لا يصح السجود على غير الأرض كما أن الأرض طهور لكن ليس مطلقا وإنما عند تحقق أسباب التيمم . فإذن هذا الحديث لا يدل على عدم صحة السجود على غير الأرض)) .

 ومن الامور المهمة في هذه الفتوى انها تنظر بعين الاعتبار للواقع المتحول بين زمن واخر ومكان واخر،واذا كان النبي (ص ) كما تؤكد بعض الروايات،انه ادى فريضة الصلاة وهو راكب على مطيته للحالة التي كان عليها وللاسباب التي ذكرتها المصادر ، فإن الواقع بتقادم الزمن يفرض امورا كثيرة من اهمها ما يقدمه التطور العلمي في وسائل النقل ، وفي البناء ، وفي صناعة الانسجة (المصنوعة من النفط على سبيل المثال )المستخدمة كمفروشات وغير ذلك ، وكلها – لو اخذنا المعنى المباشرللاية تلك – تتناقض ومعنى الارض الطبيعية المتعارف عليها.

 اذ ان ارضية الطائرة والسيارة والقطار ، وكذلك انواع المواد التي تصنع منها المفروشات ، كلها لا ينطبق عليه المعنى الحرفي للارض تلك .

وقد اختلف علماء الدين من المذاهب كافة في الصلاة التي تؤدى على غير الارض بالمفهوم الذي فهم منه بقرينة الطهور بأنها الارض الطبيعية ، وليست الارض المستقر لكل شيء.

فالطهور هنا ليس المراد به الاستقرار، وانما ما يهدف اليه وهو التيمم .

اذن ، فالله سبحانه جعل الارض لعباده مستقرا وطهورا.

ومن معنى المستقر جاء الخلاف بين العلماء ، فمنهم من قال بالارض الترابية ، ومنهم من قال بالارض بكافة انواعها ، كالصخرية ، والرملية ، ومنهم من قال بما خلق على الارض (المزروعات مثلا) ومنهم من يرى غير ذلك ،وتعددت المعاني واختلفت الاراء والفتاوي ليس بين المذاهب الاسلامية وانما بين علماء المذهب الواحد.

الا ان الفهم الصحيح للاية اولا، وللواقع – في كل الازمنة والاماكن - الذي يفرض نفسه على المصلين  ، هو الذي يؤخذ به.

وقد خلت فتوى سماحته من ذكر التربة الحسينية ، وهذا معناه – كما ترى الدراسة – انها تدخل من ضمن الارض ، ولكن بدون افضلية ، او قداسة.

***

اما سماحة السيد فضل الله رحمه الله ، فقد رفض ان تكون التربة الحسينية (تمثل قداسة ما) ، ولكنها جزء من الارض الطينية  .

قال رحمه الله : (( التّربة التي نسجد عليها هي أحد الأمور الّتي يصحّ السّجود عليها، ولا خصوصيّة لها، فإنّه يمكن السّجود على الأرض وما أنبتت مما لا يؤكل ولا يلبس وعلى القرطاس. وقد ورد عن النبيّ(ص): "جُعِلت لي الأرض مسجداً وترابها طهورًا")).

***

 

الهوامش:

1 - يقول علي الميلاني في كتابه (الشهادة بالولاية في الأذان- ص 7 - 11) :  (( تارة نبحث عن هذه المسألة فيما بيننا نحن الشيعة الإمامية الإثنى عشرية ، وتارة نجيب عن سؤال يردنا من غيرنا وعن خارج الطائفة ، ويكون طرف البحث من غير أصحابنا . فمنهج البحث حينئذ يختلف . أما في أصحابنا ، فلم أجد أحدا ، لا من السابقين ولا من اللاحقين ، من كبار فقهائنا ومراجع التقليد ، لم أجد أحدا يفتي بعدم جواز الشهادة بولاية أمير المؤمنين في الأذان ، ومن يتتبع ويستقصي أقوال العلماء منذ أكثر من ألف سنة وإلى يومنا هذا ، ويراجع كتبهم ورسائلهم العملية ، لا يجد فتوى بعدم جواز هذه الشهادة . فلو ادعى أحد أنه من علماء هذه الطائفة ، وتجرأ على الفتوى بالحرمة ، أو التزم بترك الشهادة هذه ، فعليه إقامة الدليل العلمي القطعي الذي يتمكن أن يستند إليه في فتواه أمام هذا القول ، أي القول بالجواز ، الذي نتمكن من دعوى الإجماع عليه بين أصحابنا . وكلامنا مع من هو لائق للإفتاء ، وله الحق في التصدي لهذا المنصب ، أي منصب المرجعية في الطائفة ، وأما لو لم يكن أهلا لذلك ، فلا كلام لنا معه أبدا . أما أصحابنا بعد الاتفاق على الجواز : منهم من يقول باستحباب هذه الشهادة في الأذان ، ويجعل هذه الشهادة جزءا مستحبا مندوبا من أجزاء الأذان ، كما هو الحال في القنوت بالنسبة إلى الصلاة ، وهؤلاء هم الأكثر الأغلب من أصحابنا . وهناك عدة من فقهائنا يقولون بالجزئية الواجبة ، بحيث لو تركت هذه الشهادة في الأذان عمدا ، لم يثب هذا المؤذن على أذانه أصلا ولم يطع الأمر بالأذان . ومن الفقهاء من يقول بأن الشهادة الثالثة أصبحت منذ عهد بعيد من شعائر هذا المذهب ، ومن هذا الحيث يجب إتيانها في الأذان)) .

- وقد كذب الميلاني في هذه القول، اللهم الا اذا كان من المفوضة ، والمفوضة ملعونون من قبل علماء الشيعة ككاشف الغطاء مثلا.

– قال الشيخ الطوسي: فمن عمل بها كان مخطئا.( النهاية - الشيخ الطوسي - ص 69)

– ان خبر مشروعيتها من الاحاد ، وكذلك فهو – الخبر - من الشواذ كما قال كاشف الغطاء في:( كشف الغطاء (ط.ق) - الشيخ جعفر كاشف الغطاء - ج 1 - ص 227.).

اذن، ثبت كذب الميلاني بأقوال هؤلاء العلماء الكبار .

وفي خاتمة بحثه وتحت عنوان فائدة صغيرة ،يقول : (( جاء في السيرة الحلبية ما نصه : وعن أبي يوسف [ أبو يوسف هذا تلميذ أبي حنيفة إمام الحنفية ] : لا أرى بأسا أن يقول المؤذن في أذانه : السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته ، يقصد خليفة الوقت أيا كان ذلك الخليفة . لاحظوا بقية النص : لا أرى بأسا أن يقول المؤذن السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، الصلاة يرحمك الله . ولذا كان مؤذن عمر بن عبد العزيز يفعله ويخاطب عمر بن عبد العزيز في الأذان الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، السلام عليكم يا أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، لا أرى بأسا في هذا)) .( الشهادة بالولاية في الأذان - السيد علي الميلاني - ص 41)

اقول:

كان على الميلاني ان يفرق بين لفظى (يرفع) و (يقول) ، فالمصطلح الشرعي عن المناداة للصلاة هو رفع الاذان، وهذ الرفع يكون بالصوت الجهوري (على أي مقام نغمي) لا بالقول العادي ، ففرق كبير في ان اقول اشهد ان لا اله الا الله بالصوت الجهوري لكي يسمعه الناس كافة عند دعوتهم للصلاة وبلحن واحد مع مفردات الاذان ، وبين ان اقول قولا عاديا بلفظ اخر ، وبنبرة صوت اخرى .

ان السامع لاذان الشيعة هو قول الشهادة الثالثة بالصوت الجهوري نفسه من حيث تنغيمه او جهوريته، وهذا يعني ان الاتيان بالشهادة هي جزء لا يتجزء من الاذان.

هناك عبارات يضيفها المؤذن من عندياته ، كأن يطلب المغفرة والرحمة من الله ، او ان يقول : اللهم امتنا على ولاية امير المؤمنين ، او ان يقول : اللهم عجل فرجه، وما شاكل من العبارات ، فإن المؤذن يقولها بصوت وتنغيم يختلفان عن صوت وتنغيم الاذان الشرعي ، وهذا ما يقال عنه القول ، وليس رفع الاذان.

ويقول ايضا : (( الشهادة بالولاية شعار المذهب : بعد أن أثبتنا الجزئية الاستحبابية للشهادة الثالثة في الأذان ، فلا يقولن أحد أن هذه الشهادة في الأذان إذا كانت مستحبة ، والمستحب يترك ، ولا مانع من ترك المستحب ، فحينئذ نترك هذا الشئ . هذا التوهم في غير محله . لأن هذا الأمر والعمل الاستحبابي ، أصبح شعارا للشيعة ، ومن هنا أفتى بعض كبار فقهائنا كالسيد الحكيم رحمة الله عليه في كتاب المستمسك بوجوب الشهادة الثالثة في الأذان ، بلحاظ أنه شعار للمذهب ، وتركه يضر بالمذهب ، وهذا واضح ، لأن كل شئ أصبح شعارا للمذهب فلا بد وأن يحافظ عليه ، لأن المحافظة عليه محافظة على المذهب ، وكل شئ أصبح شعارا لهذا المذهب فقد حاربه المخالفون لهذا المذهب بالقول والفعل)) .( الشهادة بالولاية في الأذان - السيد علي الميلاني - ص 43 - 44)

اقول : لماذا يا ميلاني تعد ترك المستحب وهما ، مع وجود الارجحية بين الفعل وعدمه في المستحب، وانه قد ثبت من قول العلماء ان من عمل بالشهادة الثالثة  كان عمله خطأ كما قال الشيخ الطوسي ، وان ما جاء من اخبار دالة على الاتيان بها هي اخبار احاد ومن الشواذ كما في قول الشيخ كاشف الغطاء.

أما تركها يعد وهما لانها اصبحت شعارا للشيعة ، فلا اظن ان الاذان يتحمل الشعارات، لانه وضع اساسا للمناداة للصلاة.

2 - النهاية - الشيخ الطوسي - ص 69.

3 - كشف الغطاء (ط.ق) - الشيخ جعفر كاشف الغطاء - ج 1 - ص 227.

4 - مستمسك العروة - السيد محسن الحكيم - ج 5 - ص 544 .

5 - الفتاوى الواضحة - للسيد محمد باقر الصدر - ص 284.

6 - الأحكام الشرعية - الشيخ المنتظري - ص 167 .

7 - بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 81 - ص 111.

8 - أجوبة مسائل جيش الصحابة - الشيخ علي الكوراني العاملي - ص 54 – 55.

9 - الأسرار الفاطمية - الشيخ محمد فاضل المسعودي - ص 13 – 14.

10 - النهاية - ص 69.

11 - بحار الأنوار - ج 81 - ص 111.

12 – المصدر السابق - ج 81 - ص 111.

13 - مستمسك العروة - ج 5 - ص 544.

14 - كشف الغطاء - ج 1 - ص 227.

15 - المصدر السابق - ج 1 - ص 227.

16 - الفتاوى الواضحة - ص 284.

17 - الأحكام الشرعية - ص 167.

18 - المفوضة: (( قوم قالوا إن الله خلق محمدا وفوض إليه خلق الدنيا فهو الخلاق لما فيها ، وقيل فوض ذلك إلى علي عليه السلام)) .( مجمع البحرين - الشيخ الطريحي - ج 3 - ص 438)

(( الا ان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب يؤكد في خطبته القاصعة على ان الله سبحانه لم يفوض احد بدلا عنه : " أن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض واحد ، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين " .

(...) وبهذا توصلنا إلى إبطال قول المفوضة الذين قالوا : إن الله تعالى فوض إلى محمد وعلي عليهما السلام الخلق والرزق وغير ذلك)) . (رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 4 - ص 21).

19 - كشف الغطاء - ج 1 - ص 227.

20 - أجوبة مسائل جيش الصحابة العاملي - ص 54 – 55.

21 - الأسرار الفاطمية - الشيخ محمد فاضل المسعودي - ص 13 – 14.

22 - معنى الاستحباب : ميل النفس إلى الشيء .

اصطلاحا : حكم شرعي دون الالزام ، أي أن الشارع يرخص في مخالفته ، كاستحباب صلاة الليل . (المصطلحات - إعداد مركز المعجم الفقهي - ص 221).

23 - (( مجتهد مجدد ، ومصلح كبير ، ومؤلف مكثر ، من حسنات الدهر ونوادر العصر ، ومن العلماء الذين لا يجود بهم الزمن إلا في فترات ، ومن القلائل الذين تناهبت أعمالهم الخالدة أوقاتهم ، ولم يعرفوا معنى الراحة والدعة ، بل كانت راحته وسعادته في العمل المثمر والجهد النافع والأثر الخالد . هبط دمشق بعد عودته من النجف فوجد الأمية تضرب أطنابها ، فبني المدارس لتربية النشئ وتوسع في الإشادة والتوجيه ، حتى صار لمؤسساته ومشاريعه شأن كبير في رفع المستوى وتفوق الطلاب . قام بحركة إصلاحية واسعة ، فمنع رجال المنبر والخطابة الذين يسردون الأخبار الكاذبة والروايات الباطلة ، واستنكر البدع والضلالات التي تقام في بعض البلدان الإسلامية بمناسبة ذكرى استشهاد الحسين ( عليه السلام ) من ضرب الرؤوس بالسيوف والظهور بالسلاسل ودق الطبول ونفخ الأبواق ، وألف رسالة سماها " التنزيه لأعمال الشبيه " فقوبل بهجمة شرسة واحتجاجات صارخة ، وانقسم الناس في النجف وغيرها بما فيهم زعماء الدين إلى فريقين أطلق عليهما اسم " الأموي " وهو الذي يشايع الأمين ، و " العلوي " وهو الذي يحمل لواء المعارضة ، وكثرت الاعتداءات على الأشخاص ، واستغلها المغرضون للإطاحة بخصومهم كما هو المألوف في مثل تلك الحال ، وصدرت في الرد عليه عدة كتب وهجي بقصائد أذكر أن مطلع إحداها :

يا راكبا أما مررت بجلق * فابصق بوجه " أمينها " المتزندق

وقد اشتهر بيتان آخران لم يسم قائلهما ، وكان المشهور أنهما قيلا في الأمين أيضا ، وإن قال فريق بأنهما قيلا في السيد محسن أبي طبيخ ، وهما :

 ذرية " الزهراء " إن عددت * يوما ليطري الناس فيها الثنا

 فلا تعدو " محسنا " منهم * لأنها قد أسقطت " محسنا "

توفي عام 1371 ه‍ = 1952 م )). (القاديانية - سليمان الظاهر العاملي - ص 65 – 67)

وكما نقموا على هذا المصلح الديني ، نقموا على غيره ، ومنهم المرحوم السيد فضل الله ، اذ نقموا عليه في اراء فقهية قالها تصحيحا للمذهب ، وتنقية للممارسات التي تصاحب ذكرى استشهاد الامام الحسين.

ومن تلك الاراء الفقهية التي ذكرها الشيخ الصغير في (لهذا كانت المواجهة ) :

(( - إن الاستغراق في المأساة بالطريقة البكائية يملأ النفس بالكثير من الدخان العاطفي الذي يمنع وضوح الرؤية في النظر إلى العناصر الحقيقية المتمثلة بطبيعتها العامة حتى إن الارتباط بالشخصيات القيادية الإسلامية يتحول إلى ارتباط شخصي متصل بالجوانب الذاتية في صفاتها الخاصة ومستغرق بالتقليد الجامد الذي قد يبدو فيه البكاء وأمثاله من الأساليب العاطفية شيئا يتكلفه الإنسان ليكون نوعا من أنواع التباكي الذي قد يلتقي بالصورة في معنى الحزن أكثر مما يرتبط بالمضمون . ( من وحي عاشوراء : 20 ) .

 - إن الثورة الحسينية قد تحولت بفعل التأكيد على الجانب العاطفي إلى ثورة على الذات بتعذيبها بالصراخ ولطم الصدور وضرب الظهور وجرح الرؤوس . . ( من وحي عاشوراء : 21 ) .

 - أنا وقفت منذ سنين ضد هذه المظاهر في عاشوراء ضد الضرب بالسيف والسلاسل وضد اللطم الاستعراضي . ( حديث عاشوراء : 134 ) .

 - إن ضرب الرأس بالسيف تخلف وإن ضرب الظهور بالسلاسل تخلف ، وإن اللطم إذا لم يكن هادئا عاقلا حزينا هو نوع من أنواع التخلف . ( حديث عاشوراء : 106 ) .

 - ضرب الرؤوس أصبح مظهر تخلف ويشوه صورة الشيعة في العالم . ( حديث عاشوراء : 134 و 245 ، وجريدة السفير 27 / 5 / 1996 ) .

- الزمن الحاضر يرفض ضرب الرؤوس بالسيوف والظهور بالسلاسل ، وهي ليست أسلوبا من أساليب التعبير عن الحزن والمأساة ، وهي وجه من وجوه التخلف . ( حديث عاشوراء : 263 ) .

- هذه العادات ( التطبير وضرب السلاسل ) لم تنطلق من اجتهاد فقهي شارك في إنتاجها وتحويلها إلى عادة شعبية لدى الناس . ( السفير 27 / 5 / 1996 ، حديث عاشوراء : 247 ) .

- لا يمكن القول بأن الشعائر الحسينية من شعائر الله لأن شعائر الله توقيفية ، لم تصدر من الشارع . ( حديث عاشوراء : 220 ) .

 ضرب السلاسل محرم . ( حديث عاشوراء : 220 - 221 ) .

- إنني أجد أن هذه العادات لا بد من إزالتها من ناحية شرعية لأنها محرمة بالعنوان الأولي بناء على رأينا ومحرمة بالعنوان الثانوي أيضا . . ولذلك قلنا نحن هي نوع من أنواع التخلف ( حديث عاشوراء : 248 ) .

 - من المؤسف أن هناك فريقا من الناس يصر على هذه الوسائل والأساليب ( الشعائر ) تحت عناوين تعظيم الشعائر وتعميق الولاء بالرغم من وضوح السلبيات الشرعية والاجتماعية التي تدخلها في دائرة المحرمات الأمر الذي يحتاج إلى صدمة جديدة تقضي على كل هذا الواقع . ( مجلة المعارج العدد 28 - 31 ص 399 - 400 ) .

- نحن ننطلق من أننا نريد تصفية هذه المحافل من كل ما علق بها من مظاهر التخلف . ( حديث عاشوراء : 136 ) .

- لا يجوز التبرع بالأموال للهيئات والمواكب الحسينية التي تصرف جزء من تلك الأموال على شؤون التطبير وضرب السلاسل . ( المسائل الفقهية 1 : 145 ) ...)). (لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير - ص 94 وما بعدها).

- يذكر صاحب ( نظرات إلى المرجعية - العاملي - ص 54):

(( ... بدءا بالامام الخميني ( رض ) الذي ندد ( بالجهلة والأغبياء والمتخلفين والمتحجرين والأفاعي ) على حد تعبيره ، مرورا بسماحة السيد الخامنئ حفظه الله حول تنقية الشعائر الحسينية من البدع والخرافات كما قال ، وتكريس فعالية مدرسة الوعي مقابل مدرسة التسطيح ، ودعوته الحوزة بأن تنحى منحى التخصص)) .

ولا اعرف مصداق هذا القول ، لانه ما زال شيعة ايران يمارسون مثل تلك البدع والخرافات ، اللهم الا اذا كانت تلك الممارسات الجسدية ليست من البدع والخرافات.

وايضا كيف بدولة يحكمها نظام ولاية الفقيه، ولا يمتثل شعبها الى اوامر الولي الفقيه؟ وهذا ينسحب على اغلبية شيعة لبنان.

و لماذا لم ينبري الصغير والهاشمي وجعفر مرتضى وغيرهم للرد على اراء الخميني والخامنئي؟ اللهم الا ان يكون ادعاء العاملي كذبا ، ام في الامر غير ذلك.

24 - ربما يفهم البعض من قولي هذا ان تلك الممارسات جاءت لتضرب الوحدة الاسلامية ، انما اعني ما يتردد في تلك الممارسات من هتافات – اهازيج وردات واشعار- تهدف الى ضرب الوحدة الاسلامية ، من خلال رفع شعارات المطالبة بالثأر من قتلة الحسين واحفادهم، خاصة شعار : يا لثارات الحسين .

25 – جاء في (الحق المبين في معرفة المعصومين (ع) :  

(( ونقول ذلك لكي تعرفوا واجبكم في إقامة عزاء الحسين عليه السلام وتعظيم مقامه ، فكل ما نقوم به من ذلك ليس إلا يسيرا ، فالواجب الشرعي أن تحفظ الشعائر الحسينية بكل قوة وحسم ، وأن تكون في كل سنة أفضل من التي قبلها ! نعم ، المسألة بهذا المستوى . . لماذا ؟ لأن أساس عاشوراء إذا صار واهنا توجه الخطر إلى الدين كله ، فإن بقاء الدين بعاشوراء ، وبقاء توحيد الله تعالى مرتبط بيوم عاشوراء ! إقرؤوا هذا التعبير وافهموا معنى : وبذل فيك مهجته ! فقد بذل عليه السلام روحه من أجل بقاء توحيد الله تعالى ، فإحياء ذكراه وتعظيمها ، تعظيم للتوحيد)) . (الحق المبين في معرفة المعصومين (ع) - الشيخ علي الكوراني العاملي - ص 324 وما بعدها)

تعليق:

آ – يعد الكوراني الشعائر هذه واجبا شرعيا، كالصلاة مثلا!!!

ب – يقول : ان اساس عاشوراء إذا صار واهنا توجه الخطر إلى الدين كله!!!

اتساءل : هل دين الله او كما سماه هو (دين كل الأنبياء) متوقفا على هذه الشعائر!!؟ واي دين خرافي اسطوري طوطمي هذا الدين ؟ وكيف يكون بخطر اذا وهنت هذه الشعائر؟

واين نضع قول الله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ؟ هل كان الله سبحانه فعال لما يقول ويريد ؟( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (هود:107) ، ام ان ما قاله الكوراني وغيره من المفوضة والغلاة الجدد هو الصحيح؟

 ويقول :(( ولا يصح للمخالف الإشكال علينا كيف يقبض الله تعالى روح الحسين عليه السلام وأصحابه بيده بدون توسيط عزرائيل ، لأن شبيه هذا التكريم ورد عندهم لمن يقرأ سورة يس . . ففي كنز العمال : 1 / 569 ، عن أبي أمامة : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان الرب الذي يتولى قبض روحه بيده ، وكان بمنزله من قاتل عن أنبياء الله ورسله حتى يستشهد)) .

اتساءل : ايهما نصدق القرآن الكريم عندما يقول : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة:11) ام قول صاحب كنز العمال ؟ واين الاستثناء في الاية الكريمة؟

26 - سأناقش فقرتين وردتا في ردود بعض رجال الدين الشيعة المتحاملين على السيد فضل الله رحمه الله، الاولى عما ورد في كتاب(خلفيات كتاب مأساة الزهراء (ع) - السيد جعفر مرتضى - ج 2 ).

اذ يقول السيد جعفر مرتضى وهو يرد على المرحوم فضل الله: ((إن هذا البعض يرى أن اللطم إذا لم يكن هادئا تخلف ، وأن ضرب الظهر بالسلاسل والرأس بالسيف تخلف . ويحرم ذلك كله باعتباره إضرارا بالنفس . ولكنه هنا يجيز الإضراب عن الطعام في مواجهة الظلم ، من أجل المصلحة الإسلامية العليا ، حيث يمكن أن يحقق ذلك مشروعا عاما يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم . . بل هو يجيز الإضراب عن الطعام إضرابا انتحاريا يؤدي إلى التهلكة - إذا كان ذلك يحفظ الواقع كله من السقوط ، ويعتبره نوعا من الجهاد ، رغم أنه لا توجد معركة عسكرية - ، لأن الجهاد قد يجعلك تضحي بنفسك في ساحة المعركة السياسية .

فهل لا يرى هذا البعض : أن مراسم كربلاء ، وعاشوراء الإمام الحسين ، واللطم ، بل والتطبير في هذه المناسبة ، يمكن أن يمنح الناس الكثير من النتائج الإيجابية في حياتهم ؟ ! و أليس في ذلك مصلحة تغلب مفسدة الإضرار بالنفس ؟ ! بل هو يرى - فقط - فيه الناحية السلبية ، من حيث إنه يضر بجسد الفرد ، ويلحق به بعض الأذى بحسب زعمه . . ‹ صفحة 187 › جوز الانتحار أو الإضراب عن الطعام فقط في ساحة المعركة السياسية لحفظ الواقع السياسي ، ويا ليته قد جوز اللطم العنيف وأخرجه عن دائرة التخلف في ساحة الدعوة إلى الله ، وإقامة الشعائر لحفظ الواقع الإيماني والديني للناس ؟ ! 849 - التشنيع على اللطم في عزاء الحسين ( ع ) ويقول البعض : " هل نفكر أيها الأحبة كيف نضرب رقاب العدو ، وكيف نضرب رؤوس الأعداء بالمقدار الذي نفكر فيه كيف نضرب رؤوسنا وبأيدينا ؟ أي هم هو الهم الكبير عندنا ؟ " " القوم يتسلحون ، وأمريكا تعطيهم أقوى السلاح ليضربوننا ويقتلوننا ( كذا ) ونحن نتناقش : كيف لنا أن نضرب رؤوسنا ، ونجلد ظهورنا ، ونظل نلعن بعضنا بعضا ؟ والعدو يصب علينا كل لعنات التاريخ . . من كان صغيرا بهذا الحجم ، فليس من شأنه أن يتحدث عن الكبار . .)). (خلفيات كتاب مأساة الزهراء (ع) - السيد جعفر مرتضى - ج 2 - ص 185 وما بعدها ) .

والملاحظة التي اسجلها على هذه الوقفة ، هو هذه المقارنة غير السليمة وغير الصحيحة وغير العلمية ، بين ممارسة اللطم حزنا على الحسين ، وبين اضراب السجناء السياسيين عن الطعام والذي يصل حد الموت.

ان فعل السجناء السياسيين مشابه لفعل الامام الحسين عند خروجه على يزيد ، وهو يعرف انه سيموت ، والسجناء السياسين عندما خرجوا عن قوانين الحكومة المسيطرة على السجن يعرفون انهم سيموتون اما من الجوع او قتلا، اما اللطامة فهم ، يندبون الحسين حزنا – او يفعلون ذلك كرد فعل على عدم نصرة اجدادهم للحسين وقتذاك – بعد اكثر من الف واربعمائة سنة بإفعال لايجيزها الله ولا نبيه ولا العقل ولا المنطق السويين .

والثانية وردت في كتاب : (لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير) ، يقول الصغير:ان السيد فضل الله – لا يذكر اسمه – قال :

(( ثمة أناس في العراق يشربون الخمر حزنا على الحسين في يوم العاشر وبعضهم يشرب من أجل الإحماء)) . ومصدره:( جريدة منبر السبت العدد الأول الصفحة الرابعة ) .

وكان تعليق الصغير على هذا القول هو : ((  التعليق : الكلام عن هذه القضية وما فيها من زيف لا يخفى على أحد . . وإن كان الصحيح أن العديد من شاربي الخمر وأهل الفسوق ما إن يأتي عاشوراء حتى يتركوا الخمر وغيره من ألوان الفسوق ، والكثير من هؤلاء ترك المحرمات نهائيا نتيجة لذلك ، وهو ما تؤيده شواهد لا تعد ولا تحصى فلم لا تذكر مثل هذه الأمثلة ويتشبث هؤلاء بأمثلة لو صحت - وهي غير صحيحة بالمرة - لطالت حالات شاذة لا يمكن أن تعمم على لفظة بعضهم التي تؤكد أن الحالة مشاعة في المجتمع الحسيني)) .( لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير - ص 98 وما بعدها)

اقول واشهد الله على قولي: ان ذلك يحدث ، ليس لواحد او اثنين فقط ، بل للعشرات ،واذكر انه في الستينات من القرن الماضي ان احد ابناء مدينتي من شاربي الخمر كان يمارس التطبير ، وكان صهري (زوج شقيقتي) رحمه الله يرافق الموكب الذي هو فيه الى منطقة معلومة ، لانه يعرف ان ذلك الشخص سيقع ارضا في تلك المنطقة فيقوم صهري بحمله الى سيارة الاسعاف التي ترافقهم.

عندما اذكر هذه الحكايات التي اعرفها ، ويعرف غيري المئات منها ، فأنا على ثقة تامة ان العامة لا يعرفون بحرمة الاتيان بها ، الا انني اسأل : ما هو المطلوب؟

ان كل مرجع ديني ، له طلاب ووكلاء ، وطلابه ووكلائه رهن اشارته، ولو كان هذا المرجع اراد ان يفتي بحرمة اية ممارسة الحرمة الحقيقية ، فما على طلابه والمتخرجين من حوزته ووكلائه الا ان يثقفوا العامة بذلك ،بل ويمعونهم ، اذ انهم منتشرون على امتداد المدن الشيعية وهم من قراء المنابر الحسينية ، اما ان تبقى فتاوي من يريد ان يفتي بالحرمة في الكتب فقط ، فهذا مثله مثل كاتم العلم المذموم في القرآن الكريم .

وايضا ان سكوت المرجع الديني عما يصدر عن طلابه ووكلائه من مسائل وامور ما انزل الله بها من سلطان ، قد جعل من بعضهم ممن ينطبق عليهم صفة الغلاة والمفوضة الملعونين.

27 - من المضحك المبكي ، ما قرأته في فتوى السيد الخامنئي:

((س 380 : إذا كان الضرب بالقامة في مآتم الأئمة ( عليهم السلام ) موجبا لموت الضارب ، فهل يعد هذا العمل انتحارا ؟

ج : إذا أقدم على ذلك مع خوف الخطر على النفس منذ البداية وأدى إلى موته فهو في حكم الانتحار)) .( أجوبة الاستفتاءات - السيد علي الخامنئي - ج 2 - ص 128)

أي لا تفيد شفاعة الحسين ، كما يحلوا للبعض ان يدعي الشفاعة.

اقول: واشهد الله على قولي ، انه قبل سنوات مات خال زوجة ابني اثناء هذه الممارسة، وهذا يعني انه مات منتحرا بحكم الشرع ، ولا تفيد تخريجات السيد الخامنئي عن الخوف منذ البداية.

ويقول السيد السيستاني:

 (( السؤال : المعروف عن الشيعة الإمامية أن عقائدهم وأصول مذهبهم ثابتة وقوية وذلك لقوة الدليل والبرهان ( عقلي ، منطقي ، ونصي ) وقوة مصدرية الأدلة من الكتاب والسنة وهذا ما يؤكد صحة وسلامة طريقهم في اتباعهم لأهل البيت - عليهم السلام - . وحيث أن لكل مسألة من مسائل الاعتقاد دليلها العقلي أو التاريخي ( النص أو سلوك الأئمة - عليهم السلام - ) المقنع والواضح فقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن مراسم إحياء مناسبة ذكرى الطف الأليمة من حيث ما هو الصحيح وما هو المحرم وما هو الواجب وغيره . لذلك عندي سؤالين عن مراسيم إحياء ذكرى الحسين الشهيد - عليه السلام - ، كما أرجوا أن تتكرموا بإضافة المزيد حول إحياء المراسم خصوصا إذا كانت مدعمة بالدليل ، حيث إنا لا نريد أن نتهم بالبدع والضلال والتخلف :

 1 - بالنسبة للطم على الصدور والرؤوس هل هناك أي شواهد تاريخية في حياة المعصومين - عليهم السلام - تؤيد جوازه . أي هل هناك حدث أن أحد المحبين أو الموالين لأهل البيت - عليهم السلام - مارس هذا العمل ، أيده الأئمة من السجاد عليه السلام إلى الحجة أرواحنا لمقدمه الفداء ؟

 2 - التطبير متى بدأ في تاريخ الشيعة وهل صحيح أنه إبتدأ من حركة التوابين أم لا ؟ وهل هناك أي شواهد تاريخية في حياة الشيعة تؤيده ؟

 الجواب :

 1 - الظاهر من عادة العرب اللطم في المصائب المتعارفة فكيف بفاجعة الطف والمهم أنه لا حاجة في الجواز إلى دليل لا في هذا الأمر ولا في غيره فكل ما لم يحرمه الله تعالى فهو جائز ولا دليل على الحرمة .

 2 - لا نعلم مبدأه تاريخا ولا يهمنا ذلك في حكمه )). (استفتاءات - السيد السيستاني - ص 555 – 556)

ان السيد السيستاني يقول : ((فكل ما لم يحرمه الله تعالى فهو جائز ولا دليل على الحرمة)) فأين قول النبي (ص) – وقوله وحي - وحديثة المشهور : (( ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعى بدعوى الجاهلية )).

 او قوله (ص) عند وفاة ابنه إبراهيم : (( تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب )).

فاللطم حسب حديث النبي (ص ) ممن يسخط الرب ولم يستثن (ص) احدا.

كذلك، ما شأن عادات عرب الجاهلية باللطم؟ وهل العرب فقط من المسلمين هم الذين يمارسون اللطم؟ ام ان تلك الممارسات جاءت من الهند ، كما يقول رجل الدين الشيعي السعودي حسن الصفار؟

28- مرقد الإمام الحسين (ع) - السيد تحسين آل شبيب - ص 83 .

29 - أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني - ص 511 .

30- المصدر السابق.

31 - حوار مع فضل الله حول الزهراء (س) - السيد هاشم الهاشمي - ص 86 وما بعدها.

32 - نماذج من كرامات الأئمة ومعجزاتهم عليهم السلام  - مركز المصطفى (ص) .

33 - السجود مفهومه وآدابه والتربة الحسينية - مركز الرسالة - ص 85 وما بعدها

 

الفصل الرابع

حوادث تاريخية

حادثة الهجوم على بيت الزهراء:

من حوادث التاريخ غير الواقعية والمليء بها حد الاشباع تكرارا واضافة، هو ما سمي بحادثة: (الهجوم على بيت الزهراء) او حادثة (كسر ضلع الزهراء) او حادثة (حرق بيت الزهراء)، تعددت الاسماء والحادثة واحدة.

والحادثة كما مروية في المصادرالتاريخية يمكن ان نستشف منها الامور التالية ، بعد تفكيكها الى موتيفات حسب منهج بروب المورفولوجي:

1 – الاستهلال: وهو مبايعة الخليفة الراشد الاول.

2 - هناك فريقان ، احدهما فريق الخلافة والاخر فريق الهاشميين.

3 – قام فريق الخلافة بالهجوم على دار الفريق الثاني لاجباره على البيعة للخليفة.

4 – الفريق الثاني – خاصة الامام علي بن ابي طالب ، لانه المطلوب الاول من الفريق الاول – لم يخرج الى من ناداه ، وتذكر مصادر الحادثة انه لم يخرج لهم لانه رفض البيعة.

5 – الذي خرج هو السيدة فاطمة الزهراء ، هي وليس غيرها ، المرأة ذات الخدر ، والمفجوعة بموت والدها رسول الله (ص)، ولم تخرج خادمتها مثلا .

6 – يتحاور الفريق الاول مع السيدة فاطمة ، فيضطر (عمر بن الخطاب خاصة) بدفع الباب التي تقف خلفه السيدة فاطمة ، فيحدث الاتي:

آ/ كسر ضلع من ضلوع السيدة فاطمة ، وقيل ان مسمارا من مسامير الباب دخل صدرها .

ب/ سقطت على الارض ، فسقط جنينها المحسن، او ادى سقوطها الى اسقاط جنينها بعد فترة.

7 -  يجرون الامام علي كما تجر البهائم – حاشاه - ، بوضع حبل في عنقه، وجره منه؟؟؟؟

8 -  تخرج السيدة فاطمة الزهراء خلف موكب الجر، علما ان المسمار قد كسر ضلعها ، وانها سقطت على الارض فسقط جنينها في الان نفسه او بعد فترة.

 الا انه من المعلوم – وكلنا يعرف بحكم ان بعضنا من المتزوجين قد اجهضت زوجته لسبب او اخر – ان هناك دماء تنزف ، والام في الظهروالبطن، فضلا على الام الضلع المكسور ، او دخول المسمار .

– اتساءل: اين شجاعة الامام علي واحتراما لمقام النبي(ص) يرى بنت رسول الله (ص) دون ان ينتفض بوجه من فعلوا ذلك؟

واين شجاعته واحتراما للعصبية العائلية او القبلية ، و لميثاق الرباط الزوجي والحياة الزوجية ، وهو يراها تضرب، ويكسر ضلعها، وتجهض؟

اين اصبحت شجاعته ورجولته وشهامته المعهودات ؟ اليس في ذلك خنوع وجبن، وحاشا علي الذي دحى باب خيبر وجندل الابطال من كل هذه الافتراءات.

– واتساءل ، ويحق لي التساؤل:

آ/ لماذا لم يخرج الامام علي او بعض بني هاشم تلبية للنداء ؟

ارى ان الجواب، اما لانه لم يسمع ، وهذا غير صحيح ، لانه بحكم الولاية التكوينية – كما يعتقد بعض علماء الشيعة - يجب ان يسمع.

او انه لم يرد الخروج ، لانه كان غاضبا على من سلبوه حق الهي (نص الولاية) .

وهذا ايضا غير صحيح ، لان الولاية التكوينية تجعله – حتما – من الغالبين.

اما تخريج علماء الشيعة لسكوته ، فقد كان : لانه لم يرد شق الوحدة الاسلامية تنفيذا لوصية النبي (ص) له بذلك.

وهذا قول مردود جملة وتفصيلا، لان عدم مبايعته او امتثاله للواقع المفروض عليه – حسب وصية النبي (ص) – هو شق للوحدة الاسلامية ،ولو بايع لكفى الله المؤمنين شر القتال، ولحافظ على الوحدة الاسلامية.

– وأتساءل ايضا:

آ/ من اين يأخذ المذهب الشيعي عقيدته؟

الجواب - بالتأكيد - من القرآن والسنة النبوية الصحيحة.(1)

الا ان السيد هاشم الهاشمي في كتابه ( حوار مع فضل الله حول الزهراء"س") ، يرى ان من ينكر هذه الحادثة يعتبر منحرفا من المذهب ، لانه يرى في ذلك عقيدة ومن ضرورات المذهب.

فأي مذهب تبنى ضرورات عقيدته (اصولا وفروع) على حوادث تجري بين البشر؟ واذا كان هذا صحيحا ، فهل بنى الله سبحانه دينه الاسلامي على كسر رباعية النبي (ص) في موقعة احد؟

اليست مثل هذه العقيدة تجعل من الشيعي محبا للخنوع والجبن لاجل المحافظة عليها ، بالضد من الامام علي ، والامام الحسين وقيامه للدفاع عن الاسلام وعقيدته ، وكذلك الامام زيد ، ويحيى.

اليست هذه العقيدة هي التي ستعلمنا – اسوة بالامام علي في هذه الحادثة– عدم الدفاع عن الزوجة؟

فأي عقيدة هذه التي يريدوننا ان ندافع عنها ، ونحن نتعلم منها عدم الدفاع.

***

 اما رد الهاشمي لما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي : ( فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة عليها السلام ، وأنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت ، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار ، فصاحت : يا أبتاه يا رسول الله ! وألقت جنينا ميتا ، وجعل في عنق علي عليه السلام حبل يقاد به وهو يعتل ، وفاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور ، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان ، وأن عليا لما احضر سألوه البيعة فامتنع ، فتهدد بالقتل ، فقال : إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ! فقالوا : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسول الله فلا ، وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق ، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها ، وبأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة العقبة ، فكله لا أصل له عند أصحابنا ، ولا يثبته أحد منهم ، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه ، وإنما هو شئ تنفرد الشيعة بنقله ) بإنه  ( جاء بقرني حمار ) ورده على  ابن حجر العسقلاني وهو ينقل عمن ادعى أنهم من أئمة أهل البيت النبوي : ( ألا ترى إلى قولهم - أي الروافض - إن عمر قاد عليا بحمائل سيفه وحصر فاطمة فهابت فأسقطت ولدا اسمه المحسن . . . ) ، بـ :(  وعلامات الكذب بادية على كلامه بوضوح حيث جعل الاسقاط متسببا عن الرعب لا الحصر ، مع أنه لم يفصح عن اسم من زعم أنهم من أئمة أهل البيت النبوي ، ورغم إنه نقل في لسان الميزان عن الحافظ محمد بن أحمد الكوفي إن رجلا كان يقرأ على أحمد بن السري بن أبي دارم إن ( عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن ) ...)). (2)         

فالردان غير علميين .

جاء الرد الاول بصيغة الاستهزاء، وفي الردود العلمية يجب ان تكون التجربة او الدليل هما الحاكمان.

والرد الثاني ، هو تساؤل عن اسم الائمة الزاعمون لوقوع الحادثة ، مع العلم ان الحادثة انتشرت في الكتب ردا او قبولا، عندها لا يستقيم سؤال من قال ، وانما الذي يستقيم والحادثة هو هل حدثت ام لا ، وكذلك عن قوله (فهابت) ولم يقل انحصرت، أي مناقشة وتثبيت حق هذا؟

***

اما سماحة العلامة الشيخ المؤيد ، فقد بحث في الحادثة في مضانها التاريخية وهو يقف في منطقة الحياد ، حياد العالم الموضوعي الذي يدور مع الدليل انى دار ،و لا تأخذه في الله لومة لائم ، ومجردا من العاطفة العمياء، فخرج بنتيجة مفادها:

 (( لم يثبت ذلك عندي  ... وقد ذكرنا أن حادثة كسر ضلع الزهراء عليها السلام غير ثابتة، بل القرائن المنطقية تدلل على أنها غير صحيحة ولم تكن هذه الحادثة سببا لوفاتها عليها السلام . وإنما المستفاد من النقول التاريخية أنها مرضت ووافاها الأجل سلام الله عليها . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبرها بأنها أول أهل بيته لحوقا به.)).

وقال كذلك : ((  إثبات وقوع هذه الحادثة هو الذي يحتاج إلى دليل والأدلة التي ذكرت لإثبات هذه القضية إما ضعيفة سندا أو متضاربة ومتعارضة أو مخالفة لمنطق طبيعة الأشياء وللقرائن التي لا بد من تحكيمها عند تقييم مضامين الأخبار والنقول وتفصيل ذلك موكول إلى مجاله التخصصي الأوسع وفقنا الله وإياكم لمراضيه)).

 فيما انكر سماحة السيد فضل الله وقوع الحادثة كذلك ، عندها قامت دنيا بعض علماء الشيعة الاعاجم عليه ولم تقعد، حتى عدوه خارجا عن المذهب.(3)

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

1 – الشيعة يعتمدون الاحاديث النبوية المنقولة عن الائمة ، ابناء الحسين خاصة ، ان كانت تروى بإسناد الى النبي (ص) ، وهي قليلة جدا، او تروى بلا اسناد اليه (ص) ، وهي قول المعصوم ايضا، أي الامام .

2 - حوار مع فضل الله حول الزهراء (س) - السيد هاشم الهاشمي - ص 275.

3 -  راجع المصادر : الهجوم على بيت فاطمة – عبد الزهرة. وكتاب : حوار مع فضل الله للهاشمي، وكتاب : خلفيات كتاب ماساة الزهراء – جعفر مرتضى. وكتاب مأساة الزهراء للمؤلف نفسه، وكتاب مظلومية الزهراء للميلاني. وكتاب: لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير. 

- ربما يتهمني البعض بأنني قومي شيفوني ،لانني قلت ان الذين اتهموا السيد فضل الله بالضلالة، والفساد ، والكفر، واخرجوه من المذهب .

جاء في  كتاب (( لهذا كانت المواجهة - الشيخ جلال الصغير  ص 13 )) عن المرجع الديني اللبناني محمد حسين فضل الله:

    (( ...بحيث جعلت أكثر من ( 21 ) مرجعا دينيا يتخذون مواقف الرفض بصورة أو أخرى ، فضلا عن مئات المجتهدين والعلماء ، وفيما صرح أغلبهم بضلاله وإضلاله ، تراوحت مواقف بعضهم بين التحفظ في تثبيت الموقف على الورق رغم وضوح موقفه العملي ، وبين من بلغ به درجة الفساد والإفساد وأدخله في دائرة الكفر ، ولعلنا في حالة كهذه لم نحصل على إجماع كهذا بين كل هذا العدد من المراجع والآيات العظام رغم اختلاف بعضهم المعروف في بعض التوجهات الاجتماعية والفقهية والأماكن ، ونذكر من بين أسمائهم الشريفة ما يلي :

 1 - السيد علي السيستاني . 2 - المرحوم السيد محمد الروحاني ( أستاذ فضل الله ) . 3 - السيد محمد سعيد الحكيم . 4 - الشيخ الوحيد الخراساني . 5 - الشيخ جواد التبريزي . 6 - السيد تقي القمي . 7 - الشيخ محمد تقي البهجة . 8 - السيد محمد الحسيني الشاهرودي . 9 - السيد مهدي الحسيني المرعشي . 10 - السيد محمد الحسيني الوحيدي التبريزي . 11 - الشيخ بشير النجفي . 12 - الشيخ نوري الهمداني . 13 - الشيخ إسحاق فياض . 14 - الشيخ الفاضل اللنكراني . 15 - الشهيد الشيخ علي الغروي . 16 - الشهيد الشيخ مرتضى البروجردي )).

     ويؤكد هذا الكاتب قائلا:  (( ولهذا اتهموا المرجعية في النجف وقم بالتمييز العنصري بدعوى أنهم من الفرس وهو من العرب ، ومن ثم ليعزفوا على أوتار النغمة العنصرية الممجوجة)) .     

     وكأنه يقول هذا هو الواقع، وهذه هي الحقيقة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

التقارب السني الشيعي

* سب الصحابة وزوجات النبي (ص).

* فضيلة الصحبة.

* زواج السني بالشيعية وبالعكس.

ابتلي الاسلام – كما ابتليت الديانات الاخرى - بالنزاعات الطائفية لاسباب سياسية وايديولوجية ، نشأت بعد انتقال النبي (ص) الى الرفيق الاعلى ، ومؤتمر السقيفة لاختيار خليفة له .(1)

وبمرور الزمن وقعت الامة الاسلامية تحت تأثيرات كثيرة ، على المستوى العقائدي والقومي ،زادت من حدة تلك الصراعات حتى اذا وصلنا الى عصرنا هذا – بعد ان نسي او تنوسي الكثير منها – عادت مرة اخرى وبصورة حادة جدا.

ومن بين الامور التي أفرزتها تلك الصراعات ذات الطابع الايديولوجي والسياسي قضية احقية – بالنص - او افضلية الامام علي بن ابي طالب بخلافة الرسول بعد وفاته(ص) والتي انتجت امورا عدة – تحت تأثيرات كثيرة من خارج الامتين العربية والاسلامية - اثرت سلبا على وحدة الامة الاسلامية ، فانشقت الى قسمين رئيسيين احدهما سمي بأبناء العامة ، وهم المخالفون للعقيدة الشيعة الاثني عشرية (الامامية)، والاخر بالخاصة (الشيعة الاثني عشرية ،الامامية).

ومن بين الامورالتي شقت وحدة المسلمبن، ليس في العراق فحسب، وانما على امتداد تواجدهم على المعمورة، هي التناحر والتباغض بين السنة والشيعة لسبب وقع قبل الف واربعمائة عام ، ولا مسؤولية – في عصرنا الحالي على اقل تقدير-لابناء جيلنا فيه ، الا ان بعض الجهات – شخص او مجموعة- وتحت ذرائع ودوافع شتى ، يريد ان يبقي على تلك الصراعات وهي متأججة دائما لغرض في نفسه المريضة .

رجال كثر ومن كافة المسؤليات حاولوا تضيق الشقة بين ابناء الامة الاسلامية ، الا ان اصحاب النفوس المريضة كانوا اكثر حولا وقوة ، ولم يفد معهم أي اجراء للم شمل الامة ، ومن تلك الاجراءات ما سمي بلجنة التقريب بين المذاهب ومؤتمراتها التي ما هي الا حبر مسال على ورق صقيل.

واذا كنا نحن ابناء النصف الثاني للقرن العشرين ، وابناء بداية القرن الواحد والعشرين ، قد ورثنا – عن الكتب الصفراء خاصة – مفردات ذلك الشقاق والانشاق بين ابناء الامة الاسلامية ، ولا ذنب لنا به ، فإننا والبعض من رجال ديننا الاسلامي والمراجع خاصة -على مستوى المذهب الشيعي الاثني عشري خاصة - قد اتخذوا على عاتقهم تفويت الفرصة امام اصحاب تلك النفوس المريضة ومن يقف ورائهم، من خلال تصديهم لما ينشرونه من غسيلهم الوسخ الذي يزيد الفرقة والشقة بين المسلمين.

اننا إذ نكتب هذه السطور لنا امل كبير في رد ما يقدمه اؤلئك المبغضون في كتبهم وفي فضائياتهم ، ليس فقط ممن يحسبون انفسهم من رجال الشيعة فقط ، بل حتى الذين يقفوا في الصف المقابل ، ممن يحسبون انفسهم من ابناء السنة ، وما زالوا ينبشون الميت – كما تقول الامثال الشعبية – من قبره .

ان ما قيل من قبل السنة، او ما قيل من قبل الشيعة قبل قرون غير مسؤولين عنه الان ، ولا يعنينا نحن ابناء هذا القرن ولا ابناء القرون القادمة ، وقد اصبح عالمنا اليوم قرية صغيرة يرى ويسمع القريب البعيد والبعيد القريب ، وتصل الاخبار الينا بلحظاتها الانية .

ان امورا ومواضيع من مثل : احقية او افضلية الامام علي بن ابي طالب بالخلافة قد مضى عليها الف واربعمائة عام  ، وقد عاش الامام علي بن ابي طالب في كنف الخلافة الراشدة، وبايعهم ، وتصاهر معهم ، وصار لهم وزيرا ، فما الذي يدعوني انا ابن زماني ان اطالب بأمر لم يطالب به صاحب الامر؟

وما شأن ابناء السنة في زماننا هذا في ذلك ؟

والامر الاخر ، هو : كيف يطلب منا من نصب نفسه خطيبا ان نسب شخصا تفصلني عنه الف واربعمائة عام بحساب الزمن ؟ لا لشيء الا لنرضي نفسه المريضة ، ولنساعده على امتلاء جيبه من المال السحت الذي يدفع له من من يريد ابقاء نار الفتنة متأججة دوما؟

كيف يريد منا البعض ممن وصفتهم ان نتطاول على امرأة تزوجها نبينا الكريم ، وادخلها بيته النبوي ، وصاحبها زوجة له لسنوات ، وبرأها الله سبحانه في كتابه الكريم .

 كيف يطلب منا اؤلئك ان ننبزها بكلمة سوء، لا لشيء الا لانها تقاتلت مع الامام علي بن ابي طالب ، وعندما انتهت الحرب اكرمها الامام نفسه؟

كيف يريد منا ان نفعل ما لم يفعله الامام نفسه ، وما لم يفعله النبي (ص) نفسه ، وما لم يفعله الله سبحانه ، وقد سماها اما لي في كتابه العزيز؟

ايريد منا مثل هؤلاء ان نعصي الله والنبي والامام ؟

وبالمقابل : كيف يريد منا البعض من رجال الدين (رجال المنابر الفضائية) وكذلك من ابناء السنة ، ان نصدق بأمور هي عند اغلب الشيعة غير صحيحة وغير موثوقة، وانما كتبت لاهداف كثيرة، وربما كان الهدف الاساس هو ضرب الاسلام ووحدته ونحن ابناء عامة الشيعة براء منها.

اعتقد الواحد او العشر من رجال الدين الشيعة بأن القران الكريم قد حرف ، واتهم ابناء الشيعة كلهم بذلك ، ولا اعرف ان كان من حق هؤلاء ان يعمم الخاص ؟ اللهم الا ان كان نبيا ؟

 كيف يتهم ابناء العامة من الشيعة  بأنهم يتعبدون الله بقرآن محرف منتظرين خروج القرآن الصحيح عند خروج المهدي ؟

ربما يقول البعض ان القول هذا جاء من باب التقية ، واشهد الله ان مسائلا من مثل التقية والبداءة والرجعة وغيرها لا يعرف بها الكثير من الشيعة العامة ،بل لا يصدقون بها ، وانما من يسمعها – حتى لو سمعها من على المنابر – يستهزؤن بها وبمن قالها.

وقالوا ان ابناء الشيعة ابناء زنا لانهم يعتقدون بالمتعة ، وفي ذلك اشكال وقعوا فيه.

نعم ان رجال الدين الشيعة والمذهب الشيعي يقولون بحلية هذا الزواج ، ولكن لنسأل انفسنا معا ، مَن مٍن الشيعة قد مارسه ؟

يقول الامام ابو عبد الله عن زواج المتعة : (ما تفعلها عندنا إلا الفواجر ). (بحار الانوار ج/100)

فضلا عن ذلك ، فإن الواقع المعاش يخبرنا انه لا تفعل المتعة الا الفواجر،واللاتي كن بنات ليل وامنعن عن فعل الرذيلة ، فإتجهن الى فعل ذلك.

ويشهد الله على ما اقول ان هناك نساء من كافة الديانات و الملل والنحل تفعل ذلك ، ليس عقيدة وانما تجارة مقننة مسموح بها.(2)

ان هناك منابر وفضائيات تلعب هذه اللعبة القذرة لشق وحدة الاسلام والمسلمين ، فمقابل سب الصحابة من قبل بعض المحسوبين على الشيعة ، يقوم بعض المحسوبين على ابناء السنة بإتهام الشيعة كلهم بقولهم بتحريف القرآن.

ومقابل قول الذي قاله من بعض المحسوبين على الشيعة عن السيدة عائشة ، يقابله قول من يحسب نفسه من ابناء السنة بأن الشيعة ابناء المتعة .

اما اكتشاف طبي يخدم الانسانية ، او بناء جزيرة جديدة في عرض البحر ، او عمارة عالية بطرق حديثة ، او اختراع الة او جهاز يخدم الانسانية في شأن من شؤون الحياة ، او تطوير وسائل نقل سريعة ومريحة لتتنقل بواسطتها البشرية ومنهم المسلمين ، كل ذلك وغيره ، غير معنيين به المسلمون ، وانما الذي يهمهم هو السب والشتم وكيل الاتهامات والافتراءات، في واحدة من افضل الاختراعات (اختراعات الكفرة) وهي الفضائيات.

ربما انسابت اصابعي مع فكري المهتاج لتلك الامور على  (الكي بورد)، فكتبت ما كتبت غير نادم عليه ، الا انني اقول ، ان سماحة الامام المؤيد قد نادى بالتقريب المذهبي ، ولم يقتصر سماحته على الكتابة النظرية فقط في ذلك ، إذ راح من خلال تصديه للمرجعية ينفذ ذلك الفقه ، بل يصحح فتاوي شيعية قديمة بنيت على احاديث وروابات غير صحيحة .

***

1 - سب الصحابة وزوجات النبي (ص)

استخدم الله سبحانه في كلامة الذي نزل وحيا على النبي (ص) اسلوب اللعن لبعض البشر، وهذا لايعني ان نتبع اسلوبه سبحانه ، فهو خاص به ولم يطالبنا سبحانه في اتباعه في ذلك ، والا فعلينا ان نتبع ايضا اسلوبه في القسم عندما اقسم: بالنجوم ، والضحى ، والليل اذا سجى ، وغيرذلك .

اما النبي (ص) فقد كانت اخلاقه عظيمة (وانك لعلى خلق عظيم) ولم يبعث ليسب ويلعن ، وانما بعث رحمة للعالمين.(3)

ولم يكن الامام علي بن ابي طالب او احد من الائمة سبابين لعانين فحاشين ، وهذه سيرهم متناثرة في المصادر ولم تذكر عنهم ذلك ، وعندما سب رجل من اصحاب علي رجال من اصحاب معاوية قال لهم : لا تسبوهم بل اوصفوا اعمالهم.

فثقافة السب واللعن ثقافة غير اسلامية حتى لو بدرت من بعض الصحابة لاسباب ذاتية ، فقد كان النبي (ص) ينهى عن ذلك ، والمصادر زاخرة بالروايات.

لماذا يسب كل من ابي بكر وعمر بن الخطاب؟

لا اريد ان ادخل في موضوعة عدالة او عدم عدالة باقي الصحابة ، والجدل الذي يدور حولها ،إذ انه امر فيه اكثر من وجهة نظر ، الا انني سأختار من بين الصحابة كل من الصحابي ابي بكر الصديق، والصحابي عمر بن الخطاب، لانهما الاكثر شتما وسبا من بعض متطرفي الشيعة ، واذكر فقط حاثتين ادتا الى هذا السب.

هناك حادثتان مهمتان وقعتا في تاريخ الاسلام ، جعلهما البعض سببا في كيل السب والشتم ، الاولى : بيعة السقيفة، والثانية : سقوط الامبراطورية الفارسية.

اما الاولى، فقد حدثت بعد انتقال النبي (ص) الى الرفيق الاعلى واوصلت ابا بكر الصديق الى سدة الخلافة.

والثانية حدثت في خلافة عمر بن الخطاب وبأمر منه، وهي معركة القادسية وفتح العراق واسقاط الامبراطورية الفارسية ، وتحقيق حلم سراقة بن مالك بن جشعم بلبسه اساور كسرى الذهبية والتقلد بسيفه ، بنبوءة من النبي (ص).

الحادثة الاولى شقت الصف المسلم الى شقين ، ليس في ذلك الوقت ، وانما بعد ان انتهت الخلافة الراشدة ووصول بني امية الى الحكم .

والثانية: فعلت الفعل نفسه حتى وصل الحال بتكريم قاتل عمر بن الخطاب (ابو لؤلؤة) ببناء ضريح له في ايران ، ولا اعرف هل ان  المتشددين من ابناء السنة سيفعلون الشيء ذاته ويبنون ضريحا لقاتل على، او لقاتل الحسين ؟

ارى ذلك من المستحيلات التي تضاف للغول والعنقاء والخل الوفي .

***

ورد السب والشتم في بعض كتب الشيعة ، وخاصة كتب الادعية ، واذ ان اغلبها كتب غير رصينة ، وكتب روايات تحتمل الصحة والخطأ ، والتي تسمى عند الكتاب بكشاكيل الكتاب، فإنني سوف لا اناقشها هنا ، او ارد عليها ، لانها بعيدة عن متناول العامة من الشيعة واكثر المتعلمين منهم .

الا ان مرجعا شيعيا عربي كبير ، هو سماحة العلامة الشيخ المؤيد افتى بإحترام الخلفاء الراشدين للاسباب التي بنى عليها فتواه، وهي سيرة الائمة ، و الهدف الاسمى للمسلمين وهو المحافظة على وحدتهم ، ولكونه مسلما ، ومرجعا عربيا في الافتاء ، وواحدا من دعاة الوحدة الاسلامية، قال سماحته:

(( نعم يجب احترام الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم ، و يمكن أن يستدل له بدليلين :-

 الأول :- سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام فانّ المتتبع لسيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام و الحسن و الحسين عليهما السلام يقف بوضوح على حقيقة أن أهل البيت في تعاملهم مع الخلفاء الراشدين في حال حياتهم و بعد مماتهم –أي الخلفاء الراشدين -التزموا باحترامهم و لم يصدر منهم ما ينافي الإحترام . و يعزز هذه السيرة كلمات أهل البيت في حق الخلفاء الراشدين الدالة على احترامهم حتى أن الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام ذكر انه لم يرَ في أهل البيت من يقول في أبي بكر و عمر الا خيرا . و مواقف أهل البيت مع الخلفاء الراشدين كلها تشير الى حفظ الإحترام ، و لهذا لم يستطع خصوم أهل البيت عليهم السلام الإمساك بقول أو فعل ينافي إحترام الخلفاء الراشدين لاستغلاله في التشهير ضدهم و الطعن فيهم و إضعافهم أمام المسلمين و إستغلال ذلك كورقة في كسب الصراع . و هذه السيرة تكشف عن التزام أهل البيت عليهم السلام بهذه القضية و مهما يكن تفسير ذلك فهذا الالتزام العملي واجب الاتباع على شيعتهم . فعليهم أن يلتزموا بما التزم به أئمتهم . و كل ما نقل من كلمات منسوبة الى أهل البيت على خلاف ذلك فهو غير صحيح اما لضعفه سنداً أو لمنافاته للسيرة القطعية المعلومة منهم عليهم السلام فيكون ساقطاً عن الإعتبار و عند التحقيق تجد أنه موضوع عليهم اما من الغلاة أو من يحاول توظيف ذلك لمصالحه أو من خصوم أهل البيت الذين يحاولون توظيف ذلك ضدهم .

 الدليل الثاني :- أن الثابت بالادلة الشرعية كتاباً و سنة وجوب الحفاظ على وحدة المسلمين و تجنب كل ما يؤدي الى الفرقة و التباغض و العداء و الشقاق بين المسلمين . و هذا الواجب من أهم الواجبات التي تتقدم على كثير من الأحكام . و بما أن المساس باحترام الخلفاء الراشدين يؤدي الى الفرقة و الشقاق والبغضاء و العداوة وَ يؤدي الى فتح ثغرة يستغلها أعداء الإسلام و المسلمين في ضرب بعضهم بالآخر و اضعافهم لذا يكون حفظ احترام الخلفاء الراشدين واجباً على الشيعي و ان قال بإمامة أهل البيت عليهم السلام . و لا مصلحة لمسلم في إثارة ما يؤدي الى الفرقة و التباغض بل في ذلك مفسدة كبيرة و أكيدة ((.

وقد اكدت اكثر من مرة فتواه في العلاقة بين ابناء الامة الاسلامية ، من سنة وشيعة ، واكد ايضا على ان الترضي على الصحابة واجبا شرعيا ، وقد سئل اكثر من مرة عن رأية الشرعي في ذلك ، وكانت اجاباته تهدف الى العودة بالمسلمين الى ايامهم الاولى ، ايام الصحبة والاخوة والمحبة في الله .

من آرائه الفقهية، اجابته عمن سأله قائلا: ((هل يجوز شرعا ان نقول عن الصحابه وآل البيت(السلام عليهم)او ان نقول(رضي الله عنهم)؟ )).

اجاب قائلا: ((وأما سؤالكم فيمكن بيان زبدة الجواب عليه بالنقاط التالية:-

أولا:- إن صيغة الترضي لما كانت عبارة عن الدعاء جاز استعمالها من حيث المبدأ في حق كل مسلم فضلا عن مثل آل البيت والصحابة ، فيجوز الدعاء لهم بالرضا من الله عز وجل. وكذلك السلام الذي يعني السلامة من العيب أو الآفة أو المنقصة سواء أريد بصيغته عند استعمالها التحية أو الدعاء ، فإنه يجوز استعمالها من حيث المبدأ في حق كل مسلم ، وبالتالي يجوز استعمالها عند ذكر آل البيت أو الصحابة حيث يقصد بها إما تحيتهم والتحية بالسلام يجوز استعمالها في الأحياء والأموات ، أو يقصد بها الدعاء لهم بالسلامة من العيوب والنقائص ويجوز هذا الدعاء في حق الأحياء والأموات ، وكذلك إذا أريد من قول عليه السلام ما يعني اسم السلام عليه كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى حيث أن السلام من أسماء الله الحسنى ، والبركة تعني زيادة الرفعة والشأن ويصح ذلك في الأحياء والأموات على السواء.

ثانيا:- إن الذي تعارف عليه السلف الصالح وأعلام الأمة هو التعبير بلفظ عليه السلام عند ذكر الأنبياء والترضي عند ذكر الصحابة والترحم عند ذكر غيرهم ، وذلك حسب تناسب المقامات والدرجات . وهذا أمر اصطلاحي لا علاقة له باستعمال هذه الألفاظ من حيث المبدأ ولا يرتبط بحكم شرعي خاص باستعمال هذه الألفاظ . لكن بعد استقرار الاصطلاح على ذلك لو أستعمل أحد هذه الألفاظ في غير ما أصطلح عليه بقصد غير مشروع فسيكون ذلك حراما ، كما لو عبر أحد عند ذكر نبي من الأنبياء بعبارة الترحم بنحو ينقص من مقام ذلك النبي عند ذلك يكون حراما ، وكذلك لو عبر أحد بلفظ عليه السلام عند ذكر غير الأنبياء بقصد مضاهاة مقامه بمقام الأنبياء كان ذلك حراما أيضا فلو عبر عن أحد من آل البيت أو الصحابة بلفظ عليه السلام بقصد مضاهاة مقامه بمقام النبوة حرم ذلك لجهتين : لجهة الإساءة لمقام النبوة وجهة الغلو في مقام غير النبي ، ومثله أيضا لو عبر بتعبير لا يناسب مقام أهل البيت أو الصحابة بنحو ينقص من مكانتهم فهذا حرام أيضا لحرمة الإساءة إليهم .

ثالثا:- إن أهل البيت عموما وألصقهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصوصا كعلي وفاطمة والحسن والحسين لهم مكانة مميزة في عموم المسلمين بحكم ما ورد فيهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وما دل على سامي مناقبهم وسامق فضائلهم وعالي درجاتهم ،ولا غرو فهم أشرف بيت على وجه الأرض نسبا وحسبا والدلائل على ذلك كثيرة جدا لا يسع المجال هنا لإحصائها ، لكن تكفي الإشارة إلى أن الله تعالى قد أختصهم بالصلاة عليهم مقرونة بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأختصهم بتحريم الصدقة عليهم وعلى ذراريهم حيث عدت الصدقة من أوساخ الناس، مضافا إلى الآيات والأحاديث الواردة في شأنهم ومكانتهم وقدرهم . ومن هنا وجدنا الصحابة الأبرار لاسيما كبارهم يتعاطون مع آل البيت بمكانة خاصة مميزة ، وقد ورد عن أبي بكر الصديق (رض) أنه قال " ارقبوا محمدا في أهل بيته " أي أحفظوه في أهل بيته ، وورد عن الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب (رض) قوله للحسين عليه السلام "إنما أنبت ما في رؤوسنا الله ثم أنتم " ثم إنه قد خصهم بأعلى درجات العطاء في تقسيمه للعطاء على المسلمين حسب درجاتهم في الإسلام .

ومن هنا استعمل أكابر علماء المسلمين من السنة لفظة " عليه السلام " عند ذكر أعلام أهل البيت وأئمتهم وكبارهم ، وأمثال ذلك كثيرة منها استعمال البخاري لهذا التعبير في صحيحه مرارا . وقد توهم من زعم إن هذا الاستعمال هو من النساخ فإنه ليس من النساخ وإنما من البخاري نفسه . وأما الشيعة فدأبوا على استعمال هذا التعبير أيضا عند ذكر أهل البيت لاسيما عند ذكر من يرون إمامته منهم كونه من أهل البيت وبحكم الإمامة عندهم .

وهكذا يتضح أن التعبير بـ" عليه السلام" عند ذكر شخصية من آل البيت هو تعبير يناسب مكانتهم المميزة وهو جائز شرعا ما لم يخرج مخرج الغلو)).

وسئل سماحته مرة عن الاية الكريمة : ((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)) ، هل تنطبق على آل البيت والصحابة لاسيما الخلفاء الراشدين الأربعة وكبارهم من البدريين، أم تخص آل البيت من أولاد الامام علي عليه السلام فقط؟.

افتى سماحته:

((هذه الاية الكريمة هي آخر آية في سورة الفتح المباركة, هذه السورة التي جائت آياتها في قضية الحديبية وما يتصل بها , وحكت الموقف المشرف الذي وقفه الصحابة الابرار والمؤمنين مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفيها مدح عظيم لهم ووعود الهية دنيوية وآخروية , كما تعرضت السورة الى موقف المنافقين والذين تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآاـه وسلم). وختمت السورة بهذه الآية الكريمة التي جاءت في سياق وبصدد المدح العظيم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصحابته الابرار المؤمنين الذين ذكرتهم آيات سورة الفتح واشادت بهم . ونحن نرى بحسب مانفهمه من الآية وجوّها وسياقها انها لاتختص بآل البيت عليهم السلام - عامتهم او خاصة اولاد الامام علي (عليه السلام)- وإنما هي تنطبق على آل البيت وجميع الصحابة الابرار من المهاجرين والانصار في زمان نزول الآية .

نعم هي لا تنطبق على المنافقين الذين قالت عنهم الآية الكريمة في سورة الفتح نفسها " ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا")).

وبعد احتلال العراق ، ودخول جماعات اسلامية مدفوعة من الخارج ، ومن مخابرات اجنبية ، والكثير من التكفيريين ، الى الساحة العراقية بحجة مقاتلة الشيطان الاكبر (امريكا) ، الا انها كانت تهدف الى شق وحدة المسلمين في العراق ، فراحت بعض الاصوات المحسوبة على الشيعة ، تقابل بالمثل اصوات تلك الجماعات المحسوبة على السنة ،  مطالبة بقتل ابناء السنة تحت شعار كبير وفضفاض الا وهو النواصب ، فجاء سؤال من صوت عراقي وطني يستفتي سماحة الشيخ في ذلك ، و هو :

((كيف تقرأون الاصوات الشيعية المحرضة على قتل المسلمين السنة وتدمير مساجدهم ولما لا نسمع اصوات تستنكر ذلك اهو تواطؤ ام تعمد باشعال الحرب المذهبية والسلام؟))

اجاب سماحته قائلا:

((إن الإسلام هو دين الوحدة وأمة الإسلام هي أمة التوحيد والوحدة وقد جاء الإسلام بكلمة التوحيد ووحدة الكلمة , وعلى المسلمين أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا فالفرقة حرام بنص الآية الكريمة " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " .إن مظلة الإسلام تجمع كل من شهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله (ص) ولا يجوز لمسلم أن يكفر مسلما يشهد الشهادتين . وان الأصوات المحرضة من أي طرف كانت ليست من الالتزام الديني في شيء والفتنة أشد من القتل . وطالما استنكرنا ذلك التحريض كما استنكره غيرنا أيضا ودعونا الى صوت الحكمة والعقل ورباط الإخوّة والمودة بين المسلمين جميعا . وان التعددية المذهبية يجب أن تكون عامل إثراء للفكر والمعرفة وليس عامل تفريق وأداة خصومة وتضارب . ويجب أن نفوت الفرصة على أعداء الإسلام والمسلمين الذين لا يفرقون في عدائهم بين سني وشيعي لأنهم يستهدفون الإسلام الذي ينتمي إليه السني والشيعي معا. وشكرا لك على حسّك الإسلامي وتوجهك الوحدوي وبارك الله تعالى فيك وأقر بك عيون المسلمين )).

***

وقد افتى بهذا مرجع عربي اخر هو المرحوم السيد محمد حسين فضل الله ، رافضا من مبدأ اسلامي سب الصحابة، فأفتى قائلا : ((  حرمة سب زوجات النبي والصحابة رضوان الله عليهم)).(4)

***

2- فضيلة الصحبة:

الكثير من كتب الشيعة الامامية – القديمة والحديثة – تذكر ان الذي رافق الرسول (ص) في هجرته ليس ابا بكر الصديق المتعارف عليه تاريخيا ، وانما شخص اخر يحمل الاسم ذاته .

و بعضها تذكر ان صحبة الغار لا تعد فضيلة لابي بكر.(5)

فإذا كانت صحبة الانسان للانسان فضيلة نعلم ابناءنا عليها منذ الصغر ، فكيف لا تكون كذلك مع النبي (ص) في وقت فقد فيه الاهل والاصحاب ،ورأسه (ص) كان مطلوبا من قبل قريش؟

ومن باب الوحدة الاسلامية ، ومن خلال مراجعته للتاريخ الاسلامي بموضوعية وحيادية ، قال سماحة العلامة الشيخ المؤيد :

 ((  في هذا الجواب مغالطة و قفز على الحقائق لا بد أن يترفع عنه أهل العلم و التحقيق ، فلا ينبغي التشكيك في أن صحبة ابي بكر الصّديق رضي الله عنه للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته مضافاً الى كونها شرفاً عظيماً فهي فضيلةٌ لا تنكر سواءً بلحاظ الآية الكريمة الواردة في ذلك ، أو بلحاظ القضية نفسها)).

اما المرحوم سماحة السيد محمد حسين فضل الله فقد افتى بصحة الصحبة ، الا انه لم يفت بكونها فضيلة تضاف لفضائل الصديق ، وليس في ذلك اشكال ، فقد وجدناه رحمه الله – بعد الحوادث التي مرت به في التسعينيات – قد مسك العصى من وسطها ، فإذا كانت بعض المصادر الشيعية تؤكد على ان ابا بكر الذي صاحب النبي (ص) في هجرته ، لم يكن هو الصديق ، بل هو شخص اخر ، وفي الوقت نفسه تنفي بعض المصادر التي تثبت انه هو المعني اية فضيلة له ، فقد قال رحمه الله بصدق الاولى ونفى الثانية لوسطيته.

وجه لسماحته رحمه الله السؤال الاتي : (( ظهر في الآونة الأخيرة من يقول بعدم وجود أبوكر مع الرسول(صلى الله عليه وآله) في الغار وأن الموجود ابن بكر أو ما شابه. من الذي كان مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الغار هل هو أبابكر أو غيره؟ وهل يعتبر دلك فضيلة لأبى بكر)).

فاجاب رحمه الله : ((  هو ابو بكر بحسب التاريخ المتسالم عليه وليس ذلك فضيلة بحد ذاته)).

***

3 - زواج السني بالشيعية وبالعكس:

ابتلي الاسلام والمذهب الشيعي خاصة ، برجال دين لا هم لهم الا زرع الفتنة الطائفية خاصة بما يتعلق الامر بالزواج من كلا المذهبين (السني والشيعي) .

قبل ايام سمعت في احدى الفضائيات رجل دين شيعي يأمر الشيعة الجالسين تحت منبره ان لا يزوجوا ابنتهم الشيعية الى من اسماه الناصبي ، لانه وكما قال هو : انها ولائية ، أي تعتقد بولاية الامام علي ، فيما النواصب لا يعتقدون ذلك .

ان مصطلح النواصب اطلق على فرقة اسلامية قبل مئات السنين ولم يوجد منهم الان احدا ، وهم الذين – كما تقول المصادر التاريخية – ينصبون العداء الى آل البيت ، وليس الذين يقدمون الخليفتي الراشدين على علي بن ابي طالب. (5)

اما الان ، وبعد الاحتلال الامريكي للعراق ، وتفاقم الفتنة بين السنة والشيعة ، للاسباب التي ذكرناها متفرقة في هذه الدراسة ، اصبح مصطلح النواصب يفهم منه (ابناء السنة كافة)، وابناء السنة في العراق خاصة بريؤون من هذه التسمية.

والعراق بتنوعه القبائلي العشائري ، جعل من القبيلة الواحدة والعشيرة الواحدة يتوزعون على مذهبين  ، قسم يتمذهب بالمذهب الشيعي ، والثاني يتمذهب بالمذهب السني ، وبين الاثنين زواج مشترك ، حتى نجد في العائلة الواحدة المذهبين سوية يتقاسمهما الاخوة او الاخوات (6)، والامثلة كثيرة، كعشائر العبيد ، والجنابات ، والجبور ،وبني تميم ، وعنزه ، وشمر ... وغيرها من العشائر العراقية.(7)

وعندما سأل سماحة الامام المؤيد عن رأيه بزواج الشيعية بالسنية ، اجاب قائلا:

((  يجوز للشيعية الزواج من السني , فالسني مسلم تجري عليه أحكام الاسلام ومنها جواز الزواج منه )).

اما عندما سأل المرحوم السيد فضل الله عن رأيه الفقهي بترتيب الصلاة المفروضة لاولاد الاب السني والام الشيعية ، افتى قائلا:

((الصلاة السابقة صحيحة ولكن في الصلوات القادمة يتخير لمصلي في الثالثة والرابعة بين التسبيحات الأربع وبين قراءة الفاتحة فقط ولكن إخفاتاً حتى البسملة.)).

هذا يعني ان لا حرمة بزواج الشيعية من رجل سني.

ان فتوى الامامين ، المؤيد وفضل الله ، لم تأت من اجل الوحدة الاسلامية والتقريب بين المذاهب فحسب ، وانما جاءت ، لان السني مسلم مؤمن بالشهادتين.

الهوامش:

1 – هذه الدراسة غير معنية بهذه المسألة ، ويكمن مراجعة مناقشتها في كتابي : اكبرالجرائم في التاريخ العربي والاسلامي – منشور على اكثر المواقع الالكترونية.

2 – من مشاهداتي في سوريا عام 2004 ، وكنت مع بعض الاصدقاء في الحضرة الزينبية ، شاهدنا من تبحث عن المتعة وهي من ديانة غير اسلامية ،وهي برفقة رجل يعتم بالعمامة البيضاء.

واخبرني احد ابنائي انه عند زيارته لمرقد الامام الكاظم هو وزوجته – قبل ايام - ، تقدم منهم رجل معمم وسألهم ان كانوا يريدون من يعقد لهم زواج المتعة فنهره ولدي، وكل هذا حدث بعد الاحتلال .

فضلا عن ذلك، اخبرني اكثر من صديق، ان الكثير من المومسات قد اصبحن من اصحاب العباءة المقلوبة.

3 - راجع كتابنا : القول الصريح – قراءة في احاديث السيدة عائشة- 2005 – منشور على اغلب المواقع الالكترونية.

- أخرج مسلم في صحيحه أحاديث متعددة عن رسول الله  "ص "أنه نهى عن أن يكون المسلم لعانا وفحاشا، ونهاهم حتى من لعن الدواب والحيوانات0

 وروى مسلم أيضا حديثا فيه ، قيل : يا رسول الله ادع على المشركين ، قال  "ص ": إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة 0

    وتؤكّد السيدة عائشة على مسألة اللعن، في الحديث 23620 فتقول: (( إنّ أمداد العرب كثروا على رسول الله  "ص " حتى غمّوه، وقام إليه المهاجرون والأنصار يفرجون دونه، حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه، فأسلم رداءه في أيديهم، ووثب على العتبة، فدخل وقال: اللهم العنهم! فقالت عائشة: يا رسول الله، هلك القوم! فقال: كلا والله يا بنت أبي بكر! لقد اشترطت على ربي - عز وجل - شرطاً لا خلف له، فقلت: إنما أنا بشر أضيق بما يضيق به البشر، فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة، فاجعلها له كفارة))0

وذكر مسلم الحديث  4705 عن عائشة قالت : دخل على رسول الله  "ص " رجلان فكلماه بشيء لا ادري ما هو فاغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من اصاب من الخير شيئا ما اصابه هذان، قال: وما ذاك؟ قالت قلت: لعنتهما وسببتهما، قال: او ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم انما انا بشر فأي المسلمين لعنته او سببته فاجعاه له زكاة واجرا0                          

    جاء في البخاري  الحديث 5565  ان السيدة عائشة قالت : أن يهودا أتوا النبي "ص" فقالوا : السام عليكم، فقالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله  "ص": مهلا يا عائشة ان الله يحب الرفق في الامر كله 0

   أخرج مسلم في صحيحه  2597 : حدثنا هارون بن سعيد الأيلي حدثنا بن وهب أخبرني سليمان وهو بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن حدثه عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله "ص " قال: ثم لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا0

   ويذكر كذلك الحديث  2599 : حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر قالا: حدثنا مروان- يعنيان الفزاري- عن يزيد- وهو بن كيسان- عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قيل ثم يا رسول الله ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعانا  وإنما بعثت رحمة0

    فيما يقول البخاري في الحديث   5682: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن سليمان سمعت أبا وائل سمعت مسروقا قال، قال: عبد الله بن عمرو ، وحدثنا قتيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن شقيق بن سلمة عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم مع معاوية إلى الكوفة فذكر رسول الله  "ص "  فقال: ثم لم يكن فاحشا ولا متفحشا وقال: قال رسول الله  "ص "  إن من أخيركم أحسنكم خلقا   0

     ويقول كذلك في الحديث  5684 : حدثنا أصبغ، قال: أخبرني بن وهب، أخبرنا أبو يحيى - هو فليح بن سليمان- عن هلال بن أسامة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ثم لم يكن النبي "ص " سبابا ولا فحاشا ولا لعانا  كان يقول لأحدنا ثم المعتبة ما له ترب جبينه0

 يذكر البخاري الحديث 6549 : قال النبي "ص " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر 0

وروي عن رسول الله   "ص " : لا يكون اللعانون شهداء لما عندهم من الأحنة والعداوة والجور ولا يكونون شفعاء لأن قلوبهم خالية من الرحمة 0

 و روي عن رسول الله   ص " أنه قال: لا يدخل الجنة والذي نفسي بيده أحدكم حتى يرحم العامة كما يرحم أحدكم خويصته 0

4 – هناك الكثير من الفقهاء والمراجع ورجال الدين الشيعة (كلهم عرب) افتوا بهذه الحرمة لاسبابهم الخاصة .

اما بين العامة فيشهد الله انني لم اسمع شيعيا يسب ويشتم أي مسلم طيلة فترة حياتي، الا انني اتذكر انه في احد الايام (في سبعينات القرن الماضي)وكنت اسكن انا وعائلتي لاسباب وظيفيه في احدى المحافظات الغربية ذات الكثافة السنية الكبيرة ، ان زوجتي ، مثلها مثل كل النساء الشيعيات ، غضبت من طفلنا الصغير فورد في كلامها سب لعمر (ورد اسم عمر فقط) ، وكانت تقف بالقرب منها جارتنا من ابناء السنة فسمعت السب وسكتت ، وبعد لحظات وصلت انا الى داري ، وكانت المرأتان واقفتان بالقرب من باب الدار ، وبعد السلام بادرتني جارتنا قائلة:ابو فلان لماذا زوجتك تسب عمر ؟

فأبتسمت  وقلت: وانا اسبه ايضا .

فإندهشت من قولي وقالت بلهجتها: لا...لا ...لا ، يا ابو فلان .

قلت لها ، وزوجتي تبتسم : ان زوجتي لا تسب عمر بن الخطاب وانما تسب عمر بن سعد قاتل الحسين.

قالت متسائلة: وهل هذا صحيح؟

قلت لها : يشهد الله ان ما اقوله صحيح ، الا ان العامة من الشيعة لا تفرق بين الاثنين لقلة ثقافتها التاريخية ، واذا سألت من يسب عمر ، لا يعرف ما يرد لانه تثقف في المجالس الحسينية على اسم قاتل الحسين.

- قرأت في كتاب الأسرار الفاطمية - الشيخ محمد فاضل المسعودي - ص 13 :

 (( ثم لا تجد معصوما تزوج بمعصومة إلا أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، ولولا علي لما كان لفاطمة كفو آدم ومن دونه ، فإن المعصومة لا يتزوجها إلا المعصوم ، فإن الرجال قوامون على النساء ، فلا يكون غير المعصوم قواما على المعصومة ، ومن خصائص أمير المؤمنين التي لا يشاركه فيها أحد حتى رسول الله محمد ( صلى الله عليه وآله ) هو زواجه من المعصومة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وهو الزواج المبارك في عالمي التكوين والتشريع ، وإنه من زواج النور من النور ، كما ورد في الأخبار ، فالمعصومة لا يتزوجها إلا المعصوم ( عليهما السلام )...)) .

اقول على افتراض هذه النظرية المعصومية في الزواج ، يفترض  في المقابل ان لا يتزوج معصوم الا معصومة حسب النظرية القرآنية التي تقول : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (النور:26) ، وبهذا تكون السيدة عائشة معصومة حسب النظرية المعصومية في الزواج.

الا ان الكاتب وجد نفسه يقع في تناقض عندما قال بتلك النظرية ،فقال بعدم  مشاركة النبي (ع) لعلي بهذه النظرية .

الا انه وقع ايضا في تناقض اخر مع القرآن عندما نفى النبي (ص) من المشاركة ، وقوله ان زواج علي من السيدة فاطمة قد تم في عالمي التكوين والتشريع ، نسي او تناسى ، ان زواج النبي (ص) من السيدة زينب قد تم بأمر الله سبحانه : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً). (الأحزاب:37)، فضلا عن ورود احاديث كثيرة عن زواج النبي (ص) بأزواجه جاءت وحيا.

وهكذا تتبين لنا ان هذه النظرية التي جاء بها الشيخ المسعودي فاشلة في التطبيق ، لانها تعارض القرآن الكريم ، وتنفي زواج النبي (ص) بوحي.

- وايضا ، والشيء بالشيءيذكر ، واستطرادا لما قلناه اعلاه ، ان الشيعة يعتقدون بعصمة الانبياء كافة ، كما جاء في كتاب عقائد الامامية للشيخ محمد رضا المظفر، وبما ان آدم نبي، وهو معصوم ،اذا، فهو كفو للسيدة فاطمة ، لا كما يقول الشيخ المسعودي ، (ولولا علي لما كان لفاطمة كفو آدم ومن دونه).

5 – عندما سئل سماحة العلامة الشيخ المؤيد عن معنى الناصبي التي جاء في احدى الروايات، قال :(( هذه الرواية راويها هو محمد بن علي بن عيسى وهو غير ثابت الوثاقة ، و مجرد تعبير النجاشي عنه بأنه كان وجهاً في قم لا يدل على الوثاقة . مضافاً الى ان ابن ادريس لم يذكر طريقه الى محمد بن علي بن عيسى فلا يمكن الحكم بتمامية سند الرواية .

    أضف الى ذلك أن تطبيق عنوان الناصب على الشخص لمجرد تقديمه لأبي بكر و عمر رضي الله عنهما و إعتقاده إمامتهما مناف لمفهوم الناصب لغةً و عرفاً ، كما انه لا يتمشى مع الواقع أصلاً ، كيف و قد قاتل مع الإمام علي عليه السلام في الحروب التي خاضها أيام خلافته جمع غفير ممن كانوا يقدمون أبا بكر و عمر و يعتقدون امامتهما فكيف يحكم بنصبهم و قد قاتلوا مع علي و تحت رايته و يعدّ المقتول منهم معه شهيداً بإجماع الإمامية .على أن تطبيق عنوان الناصب بهذا النحو ينافي ما هو المعلوم و المعروف من سيرة أهل البيت عليهم السلام ومسلكهم .

    فالحقيقة انّ هذه الرواية لا تتصف بالحجية و يجب الإعراض عنها ، وقد أعرض عنها الكثير من فقهاء الإمامية و محققيهم و أكثر من أخذ بها هم من الأخبارية الذين لا وزن لمنهجهم لدى العلماء المحققين)) .

6 -  راجع المصادر التالية على سبيل المثال لا الحصر :

- ابو بكر بن ابي قحافة – علي الخليلي – ب.ت.

- علي إمامنا وأبو بكر إمامكم - السيد محمد الرضي الرضوي - ص 38 وما بعدها.

- الاستغاثة - أبو القاسم الكوفي - ج 2 - ص 22 وما بعدها.

- نفحات الأزهار - السيد علي الميلاني - ج 13 - ص 177 وما بعدها.

7 – في ثمانينات القرن الماضي ، كنت اعمل في احدى نواحي محافظات الوسط الشرقي الشمالي، اخبرني زميلي عن عشيرة بني تميم الساكنة في المنطقة ، وان الطريق العام الذي بعرض ستة امتار- وقفنا عليه – يفصل بين الشيعة التميمية ، والسنة التميمية .

كذلك ما موجود في احدى محافظات الوسط الغربي من العراق ، ان نهر الفرات يقسم عشيرة الجبور الى قسمين ، القسم الغربي كلهم شيعة ، والقسم الشرقي كلهم سنة ، والتزاوج بينهما منشرا.

فضلا عن ، ان والدة زوجتي شيعية من اب كردي سني وام شيعية عربية من الجنوب ، اما احدى اخواتها ، فهي سنية، متزوجة من رجل سني من العاصمة.

***

الفصل السادس

الافكار الغالية

 ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ))

(النساء:171) 

(( ما جاءكم منا مما يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه ، فلا تجحدوه وردوه الينا . . . ))

الإمام الصادق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الغلو في اللغة :

((غلا الناس في الامر ، أي : جاوزوا حده ، كغلو اليهود في دينها)) . (1)

وقد رافق الغلو البشرية منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا ، ولم يبرأ أي دين او معتقد– سماوي او وضعي – او فكر انساني، منه ، وفي الاسلام رافق الغلو المسلمين واصبحت هناك فرقا غالية كثيرة ، ووضعت المصنفات فيها ، وحبرت الصفحات في الرد عليها او مناقشتها وغير ذلك.

اما في المذهب الشيعي الاثني عشري ، فقد وجد الغلو له مساحة واسعة في فكر هذا المذهب ، ان كان هذا الغلو في الاشخاص – وليس الائمة وحدهم – او في المعتقدات و الافكار.

وقد وردت احاديث غالية كثيرة ، منها ما رد وقتها ، ومنها ما ظل الى ايامنا هذه، او زيد عليها ، فأصبحت من ضروريات المذهب عند البعض .

وكل غلو هو مذموم ،وقد قام بعض رجال الدين - على مر العصور الاسلامية - في الرد على تلك الافكار الغالية، ومنهم سماحة العلامة الشيخ المؤيد من خلال تصديه للمرجعية ، ومن خلال مشروعه الاصلاحي بمحاربة الغلو في الفكر الاسلامي عامة، و في الفكر الشيعي الاثني عشري خاصة، و قد ناقشنا هذا الامر في الكتاب الاول من هذه الدراسة.

ومما يدهش القاريء ، ان علماء الشيعة يجمعون في تصانيفهم على ذم الغلو ويرمون صاحبه بالكفر، بل ان الكثير من رجال اسناد الاخبار والاحاديث عندهم غير موثوقين لانهم من الغلاة ، وفي الوقت نفسه يورد الكثير من رجال الدين الشيعة المئات من الروايات الغالية ، ويجدون لها مخرجا توحي بعقلانية ومصداقية زائفتين، الا انها تبقى روايات واخبار ما انزل الله بها من سلطان..

هذه بعض الامثلة على ذم الغلو عند علماء الشيعة:

عن كتاب اخبار الرضا يقول النوري : (( نعم فيها ما هو بزعم ابن الغضائري غلو ، كروايته عنهم : نحن جنب الله ، ونحن صفوة الله ، ونحن الذين بنا يفتح وبنا يختم ، إلى غير ذلك والكل تعظيم ، انتهى )). (2)  

وعن الغلو في الائمة ، يقول الشاهرودي : ((  كلام المجلسي في معنى الغلو والتفويض قال : إعلم أن الغلو في النبي والأئمة صلوات الله عليهم إنما يكون بالقول بألوهيتهم ، أو بكونهم شركاء الله تعالى في المعبودية ، أو في الخلق والرزق ، أو أن الله تعالى حل فيهم أو اتحد بهم ، أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي ، أو إلهام من الله تعالى ، أو بالقول في الأئمة أنهم كانوا أنبياء ، أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض ، أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي . والقول بكل منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين ، كما دلت عليه الأدلة العقلية والآيات والأخبار السالفة وغيرها ، وقد عرفت أن الأئمة ( عليهم السلام ) تبرؤوا منهم وحكموا بكفرهم وأمروا بقتلهم ، وإن قرع سمعك شئ من الأخبار الموهمة لشئ من ذلك فهي إما مأولة أو هي من مفتريات الغلاة . ولكن أفرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة ( عليهم السلام ) ، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم ، فقدحوا في كثير الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم : من الغلو نفي السهو عنهم ، أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلك ، مع أنه قد ورد في أخبار كثيرة " لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا " . وورد " أن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان " . وورد " لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله " ، وغير ذلك مما مر وسيأتي . فلا بد للمؤمن المتدين أن لا يبادر برد ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم إلا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة. الصادق ( عليه السلام ) : لعن الله الغلاة والمفوضة ، فإنهم صغروا عصيان الله وكفروا به وأشركوا وضلوا وأضلوا فرارا من إقامة الفرائض وأداء الحقوق)).(3)      

وعن كتاب الكافي للكليني ، يقول عبد الرسول الغفار :

 (( ومحصل هذا التناقض أن كتاب " الكافي " فيه من الأحاديث الكثيرة في شأن الأئمة عليهم السلام وعصمتهم وعلمهم ، ولما كانت تلك الأحاديث في ذلك الوقت عند بعض مشايخ الامامية تعد من الغلو ، فإن من يرويها كذلك يعد من الغلاة ، لذا امتنع النجاشي من الاخذ عن إسحاق بن الحسن لهذا الغرض)) . (4)     

وفي (نور الأفهام في علم الكلام) ، يكذب اللواساني الغلاة الذين وصفوا الائمة بصفات الهية :

((  ثم ليعلم أيضا أنهم على علو شأنهم ، ورفعة مقامهم ، وعظم قدرهم لدى خالقهم تعالى : لا شك في كونهم بشرا على سبيل غيرهم ، غير مستغنين عن لوازم البشرية ، وأنهم يصيبهم ما يصيب غيرهم من القتل والضرب والألم ، وسائر العوارض الموجبة للحزن والألم ، أو المقتضية للفرح والسرور ، كما لا شبهة في حدوثهم وإصابتهم الموت أيضا على ما نطق به الكتاب الكريم خطابا للنبي العظيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله تعالى : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ( كل نفس ذائقة ‹ شرح ص 166 › الموت ) ( كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ). ودعوى غير ذلك فيهم بأنهم لم يقتلوا ، أو لم يموتوا ، ولم يخرجوا من الدنيا ، كدعوى قدمهم ، واشتراكهم - والعياذ بالله - مع الخالق تعالى في الأزلية أو الأبدية غلو وضلال ، بل كفر وإلحاد ، فضلا عن دعوى خالقيتهم ، ويا ويل ! من زعم شيئا من ذلك فيهم ، ما أكفره ؟ يزعم أنهم « يخلقون الخلق » ويكونون الكائنات وهم حادثون مربوبون ؟ « و » أن « المعبود » القديم الأزلي الذي خلقهم يكون بمعزل عن الإيجاد بزعم ذلك الملحد ، ومعنى ذلك أن « عليه » تعالى « باب خلقه مسدود » قاتل الله الكفر والإلحاد والجهل والضلال . فهل يتفوه بمثل ذلك من كان له أدنى مساس بالعقل والدين ؟ وهل يعقل أن « يخلق الحادث » حادثا مثله ؟ « و » يكون « القديم » الفياض ذو الفضل الدائم المتواصل منقطعا فيضه الذي هو « من اقتضاء ذاته » المقدسة ، ومسببا عن نفسه العليا القديمة الأزلية لا عن فعله المنقطع أحيانا)) .(5)   

***

- تقديس الائمة ، ووضعهم موضع الانبياء او تطاولهم لمقام النبوة:

اما سماحة العلامة الشيخ حسبن المؤيد ، فقد انكر تقديس الائمة ، ووضعهم موضع الانبياء او تطاولهم لمقام النبوة.

قال سماحة الامام المؤيد :

(( ليس مقام أهل البيت عليهم السلام بأعلى من مقام الأنبياء ، فالنبوة درجة عظيمة تتقدم على سائر درجات الناس مهما كان نوع النبوة و مهما تفاضلت درجات الأنبياء فيما بينهم ، و مهما علت درجة من ليس بنبي . و ما نجده في التراث من غث دسته يد الغلاة أو غيرهم من المغرضين لا يعبر عن المفاهيم الصحيحة المتطابقة مع نصوص القرآن الكريم و روحه . إن من يتمعن في آيات الكتاب المبين ما يتصل منها بالرسالة و النبوة و مكانتهما يعرف ان النبوة هي الدرجة الأعلى التي يصل اليها بشر و ان روح القرآن الكريم ناطقة بذلك فضلاً عن مجموع نصوصه . و خذ مثلاً من ذلك قوله تعالى { يا موسى اني اصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي فخذ ما آتيك و كن من الشاكرين } فنلحظ في هذه الآية الكريمة ان علو درجة موسى على الناس جميعاً و فيهم من هو مثل الخضر انما هي لكونه مبعوثا من الله تعالى بالرسالة و نبياً يوحى اليه . ان كل رواية يستفاد منها أو يستشم أن درجة آل البيت عليهم السلام أعلى من درجة الأنبياء فهي مردودة و هي لا تتطابق مع الثقافة القرآنية و معطيات القرآن الكريم . و أما روايات خلق النبي صلى الله عليه و على آله و سلم و الأئمة عليهم السلام أنواراً قبل خلق آدم فهي ضعيفة اما على مستوى ضعف السند ، أو على مستوى تضارب متونها ، أو على مستوى تهافتها وَ تنافيها مع معطيات القرآن الكريم و ثقافته . ان نظرة فاحصة في آيات القرآن الكريم حول النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم و ما وصف به في القرآن و الآيات الواردة في بيان منزلته لا تجد فيها حتى ما يشير الى ما تذكره هذه الروايات . و انظر بربك لقوله تعالى في سورة الشورى { و كذلك أوحينا اليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الى صراط مستقيم } فهل يتناسب هذا المضمون مع مضمون روايات خلق الأرواح و منها روح النبي صلى الله عليه و آله و سلم و انها كانت تسبح الله تعالى و تقدسه ، و القرآن يقول { ما كنت تدري ما الكتاب و لا الايمان } ؟ فهل من المعقول و هل من المنطقي أن هذه الروح التي كانت قبل حلولها في الجسد تقدس الله تعالى فاذا بها حين حلت الجسد لم تكن تدري ما الإيمان ؟ ان المعيار في قبول الروايات هو عرضها على القرآن الكريم فإذا لم تتطابق مع نصوص القرآن و روحه و الثقافة القرآنية التي أراد الله تعالى للمسلمين أن يتربوا عليها فهذه الروايات مردودة و ليس لها اعتبار و من الله تعالى نستمد السداد و به الاعتصام)).

كذلك قوله:(( هذه الرواية و إن كان لها بحسب الظاهر سند معتبر و بمضمونها وردت روايات أخرى الاَّ أنه لا يسعنا الأخذ بمفادها ، و ذلك لما يلي :-

    انّ ظاهرها ينافي القرآن الكريم قال تعالى { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه و من خلفه رصداً } . و هذه الآية واضحة الدلالة في أن علم الغيب لا يطلع الله تعالى عليه الا من ارتضى من رسول . و معنى ذلك اختصاصه بالرسل فكيف ينتهي ما خص الله به الرسل الى غيرهم فهذا مناف للإنحصار بالرسل .

    ان لازم ما ورد في الرواية أن الأئمة أعلى رتبة من الرسل ، لان الثابت انه ليس كل الرسل يعلمون كل ما يعلمه الملائكة بينما على هذه الرواية فان الأئمة يعلمون ما تعلمه الملائكة فهم أعلى مرتبة من الرسل و أعلم منهم ،و هذا غلو واضح .

ان تعليم الله تعالى للملائكة لا يأتي إعتباطاً و انما لا بد أن يكون لحكمة و لا بد أن من العلوم التي يعلمها الملائكة ما يرتبط بما يحتاجون اليه حسب ما يكلفون به فما الداعي الى أن ينتقل هذا العلم الى غيرهم و هم غير مكلفين بما يكلف به الملائكة و هكذا الأمر بالنسبة للرسل فانه لا شك أن من العلوم التي يعلمونها ما يرتبط بطبيعة وضعهم كرسل ، فما الوجه في انتقال هذا العلم الى غيرهم ؟ و هذا يكشف أن في مضمون الرواية غلواً في الأئمة يرفعهم الى مصاف الرسل و الملائكة مهما علت درجاتهم .

انها معارضة بروايات تدل بوضوح على أنّ الأئمة لا يعلمون أشياءً تتعلق بالغيب مع الجزم بانها مما يعلمه قسم من الملائكة و هذا يعني انه ليس كل ما تعلمه الملائكة منته اليهم .

و هكذا نصل الى ضرورة الإعراض عن هذه الرواية و أمثالها لانها من روايات الغلو المرفوض  )).

و رفض سماحة الامام السيد فضل الله كل الأساطير التي تجعل من الأئمة أنصاف آلهة مقدسة، وانكر تقديس الأئمة، والقول بمعرفتهم بالغيب، ومطاولة مكانتهم لمقام النبوة.

ان القاري سيرى مدى تطابق فتوى سماحة العلامة الشيخ المؤيد ومجايله فضل الله – رحمه الله - مما اتينا على ذكره من روايات تنفي تلك القدسية عن الائمة ، الا اننا عندما ذكرنا هذا الموضوع في هذه الدراسة كان هدفنا ان نحصن عقول العامة مما يقال على المنابر الحسينية وفي الفضائيات الغالية والتي يحاضر فيها مجموعة من الغلاة والمفوضة الجدد ، دون ان يرفع صوت مسؤول شرعا يردعهم عن ذلك ، اللهم الا ما احتوته الكتب من مثل ما ذكرناه اعلاه وغيره ، وهي كتب بعيدة عن متناول العامة ، وكذلك ما قاله سماحة الامام المؤيد وغيره من رجال دين شيعة . (6) 

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

1 - كتاب العين - الخليل الفراهيدي - ج 4 - ص 446.

2 - خاتمة المستدرك - الميرزا النوري - ج 4 - ص 426.

3 - مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج 8 - ص 17 وما بعدها.

4 - الكليني والكافي - الشيخ عبد الرسول الغفار - ص 188 .

5 - نور الأفهام في علم الكلام - السيد حسن الحسيني اللواساني - ج 2 - شرح ص 165 وما بعدها. 

6 -  مراجعة الكتاب الاول من هذه الدراسة.

 

الفصل السابع

فتاوى تصحيحية

* حلية سماع الموسيقى وعزفها وصناعة وبيع الاتها.

* لعبة الشطرنج.

* المرأة والارث من الارض.

* طهارة اهل الكتاب.

من القضايا المهمة في التقليد ، هو ان المقلد- بكسر اللام – أي العامي من الشيعة ، يمكنه ان يقلد من يجد فيه شروط الفقيه المجتهد (1).

وقد اختلف الفقهاء من المراجع في مسألة المقلد (بفتح اللام) ، اختلافا كبيرا، بين الميت والحي ، والاعلم وغير الاعلم ، والمجتهد المطلق ، والمجتهد المتجزيء . وغير ذلك .(2) و لا نريد ان ندخل في هذا الفضاء الواسع ، الا اننا نقول ان الفقهاء من المجتهدين والمراجع قد اختلفوا كثيرا في فتواهم وفي ارائهم وفي نظرتهم الى التاريخ ، ووصل بهم الحد الى التكفير فيما بينهم ، واخراج البعض من الملة ، او المذهب لقول قاله يخالف قول الاولين .(3)

وإذا صدق ناقل حديث (إختلاف امتي رحمة) ، فهذا الاختلاف فيه رحمة لو بقي الاختلاف في حدوده ، اما اذا تجاوز احد طرفيه ونقله من حدوده الفقهية الاجتهادية ، الى حدود الفقه التعصبي الدوغماتي ، لانقلب الى نقمة . (4)

***

1 – القول بحلية سماع الموسيقى وعزفها وصناعة وبيع الاتها:

حرم الفقهاء والمراجع سماع الموسيقى مطلقا كالعلامة الحلي (ت: 726) في تذكرة الفقهاء/ج9/ص37 ،  والسيد السيستاني الذي جوز سماع بعض انواعها، فقال: ((وأما الموسيقى فما كان منها مناسبا لمجالس اللهو واللعب كما هو الحال فيما يعزف بآلات الطرب كالعود والطنبور والقانون والقيثارة ونحوها فهي محرمة كالغناء ، وأما غيرها كالموسيقى العسكرية والجنائزية فالأحوط الأولى الاجتناب عنها أيضا )).(5)     

ومن خلال مراجعتي لفتاوى الفقهاء والمراجع وجدتهم يجوزون السماع الى الموسيقى الحزينة، او بعض انواع الموسيقى غير الطربية (يفتي بعضهم بالاجتناب).

وقد افتى سماحة الامام المؤيد بـ :

 (( إن الرأي الفقهي الذي أذهب إليه هو أن الموسيقى ليست محرمة لذاتها وإنما تحرم إذا استخدمت استخداما محرما أو إذا اقترنت بفعل محرم أو إذا أدت إلى حرام ، وفي غير ذلك فإن الموسيقى حلال وإن أطربت .

    وعليه فإن العزف على آلة البيانو لا يكون محرما إلا في الحالات التي تحرم بها الموسيقى والتي أشرنا إليها . وأما بيع آلات الموسيقى وشراؤها فليس محرما في حد نفسه ، ومن تلك الآلات البيانو)).

وتطابقت فتوى السيد فضل الله رحمه الله مع فتوى سماحة الامام المؤيد :

)) س :أنا طالبة أنوي دراسة الفنون، وأنا مجبرة على دراسة فنّ الموسيقى مع بقيّة المواد المخصّصة للدّراسة، فما هو الحكم في هذه الحالة؟

اجاب رحمه الله:

ج: لا مانع من ذلك، فإنّه لا يحرم تعلّم الموسيقى، ولكنّ الحرام هو عزف الموسيقى التي تكون محرّمة، كالتي تكون مثيرةً للغرائز الجنسيّة، والتي عادةً ما تتناسب مع مجالس اللّهو والطّرب وأهل الفسوق((.

اذا كان العلامة الحلي وغيره قد افتى بحرمة سماع الموسيقى مطلقا،وغيره قد افتى بحرمة بعض انواعها (غير المثيرة للغرائز الجنسية)  ، فإن سماحته حلل سماعها (عدا المثيرة للغرائز الجنسية) ، اذا لم تكن مقترنة بفعل محرم و ادت اليه،والجديد في فتواه ، ومن خلال فهمه الواقعي للحياة المعاصرة، وحاجة النفس الانسانية الى ما يخرجها من ضغوط الحياة اليومية التي اخذت تزداد صعوبة، افتى سماحته بحلية التطريب .

وفتوى مثل هذه ، قد تساعد الكثير من المسلمين والمؤمنين منهم الى اراحة النفس بسماع الموسيقى ، والموسيقى الطربية خاصة، دون ان يجعلهم واقعين في المحرم، خاصة والمقولة الشهيرة تقول : ان الموسيقى غذاء الروح ، وارواحنا  بحاجة الى غذاء مثل هذا الغذاء المحلل.

***

2 - لعبة الشطرنج:

من المعروف ان القمار ومهما تعددت انواعه واختلفت الاته هو غير مقبول عرفا وقانونا ، ليس بسبب الخسارة المالية التي تقع على احد طرفي اللعبة فحسب ، بل للاثار النفسية السلبية التي تصيب الخاسر ، مما يضر بالنفس ، وهذا الضررسينتقل الى الجسد احيانا ، فيقع الضررين تحت طائلة من يرمي نفسه في التهلكة.

اما الاسلام، فإنه عندما حرم القمار بالصورة التي نعنيها ، فهو يريد المعاني ذاتها التي ذكرناها. (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195)

ولعبة الشطرنج من الالعاب التي تعتبر من الرياضات الفكرية ، وتهدف الى تنشيط و إنماء فضاءات الفكر، و في الوقت نفسه ، ممن يجوز ان تقع فيها المقامرة .

اختلف الفقهاء والمراجع في حلية وحرمة لعب الشطرنج ، فمن المعاصرين وهو يجيب سائله : (( قبل وفاة الإمام الراحل ( رض ) أصدر فتواه بتحليل أو جواز لعب الشطرنج ، فنرجو إيضاحا حول مسألة مهمة وهي أنكم تعتبرونها من الكبائر بينما الإمام ( رض ) جوزها ؟ )).

فيجيبه قائلا: ((لم يقل أحد بحلية لعب الشطرنج بقول مطلق ، وإنما الكلام فيما إذا لعب به لا مع المراهنة بل لترويح النفس مثلا ، والأقوى عندنا الحرمة مطلقا ولو من دون رهان)) .(6)                

اذن ، فالسيد الخوئي يقول بالحرمة المطلقة للعبة، دون ان يفرق بين لعبها بصيغة المقامرة ، وبين لعبها بصيغة الترويح عن النفس ، وتوسيع مدارك الفكر.

اما سماحة السيد فضل الله رحمه الله – فيقول عن اللعب بها بنية التسلية او لتنشيط الفكر (رياضة فكرية) ، قولين ،احدهما الحلية ، والاخر الاجتناب استحبابا.

الا انه في اجابات اخرى يفتي بالحلية دون ذكر الاجتناب الاستحبابي، او تركه.

))  س- هل لعبة الشطرنج حرام فيما لو استخدمت لا بغرض القمار ... وهنا حالتان ... أ - هل تعتبر حرام فيما لو أستخدمت بغرض اللهو و التسلية ؟ ب-هل تعتبر حرام فيما لو أستخدمت بغرض (التفكير أو الرياضة الفكرية ) دون اللهو أو التسلية؟

ج: ليست حراما في الحالتين وبالشرط المذكور آنفا)).

ولعب الورق من العاب القمار ، ولا فرق بينهما ان كان اللعب بنية القمار او كان اللعب بنية التسلية او كرياضة فكرية ، الا ان سماحة السيد – رحمه الله – يفتي بالحلية دون ذكر الاجتناب الاستحبابي.

(( س- لعب الورق بدون الرهان و لا القمار، بل للتسلية فقط ، هل هو حرام

ج -  هو حلال)).

ولا اعرف السبب وراء ذلك الاختلاف ، هل ان الفتوى الاولى (الحلية والاجتناب الاستحبابي) كان قد افتى به سماحة السيد في زمن ما ، وبعد ان وجد ان الحلية المطلقة هي القول الفصل ؟ ام لسبب اخر؟

ان فتاوي الحلية جاءت في عامي 2004 ، 2006 ، اما فتاوي الاجتناب الاستحبابي والترك ، فقد جاءت عام 2007 ، فهل هذا معناه ان سماحة الامام – رحمه الله – قد غير من فتواه تشديدا، لسبب رآها ؟

اما سماحة العلامة الشيخ المؤيد ، فيرى في لعبة الشطرنج الاتي:

((الذي نراه هو أن حرمة اللعب بالشطرنج فقهيا ليست حرمة ذاتية بمعنى أن اللعب بالشطرنج لا يحرم لذاته ومن حيث كونه لعبا بالشطرنج ، وإنما يحرم اللعب بالشطرنج على أحد أساسين:-

الأول:- أن يكون اللعب بالرهان فيدخل في حرمة الميسر.
الثاني:- إن اللعب بالشطرنج يدخل في اللهو المحرم فيحرم بحرمة اللهو .
ونقول :- أما الأساس الأول فهو صحيح ، فإن اللعب بالشطرنج إذا كان برهان فهو محرم لأنه من الميسر والقمار الذي لا شك في حرمته. وأما الأساس الثاني ففيه نظر حيث لا دليل على حرمة مطلق اللهو ، وإنما يحرم اللهو في حالات معينة لا تنطبق دائما على اللعب بالشطرنج ، كأن يشغل الإنسان عن امتثال أحكام الله عز وجل أو يؤدي به إلى الابتعاد عن الله تعالى ، أو يخل بالتزامه بالحقوق التي عليه إزاء نفسه أو الآخرين . وبناء على ذلك لا نرى حرمة اللعب بالشطرنج إذا لم يكن بالرهان ولم يشغل الإنسان عن امتثال أحكام الله عز وجل أو يؤدي به إلى الابتعاد نفسيا عن الله تعالى  أو يخل بالحقوق التي عليه إزاء نفسه أو الآخرين)).

لا توجد في فتوى سماحة العلامة الشيخ المؤيد حرمة مطلقة ، وانما حلية اللعب به مشروطة بما ذكرها.

وبالتأكيد، فإن هذه الحلية تنسحب على جميع الالعاب التي تؤدي الى التسلية والرياضة الفكرية ، او الى المقامرة ، لو لعبت بعيدا عن المقامرة، وبعيدا عما يؤدي الى حالة التنافس غير المشروع بين اللاعبين المؤدي الى الاضرار بروح الاخوة والصداقة.

***

3 - المرأة والارث من الارض:

اجمع كل فقهاء ومراجع الشيعة الامامية على ان المرأة الزوجة لا ترث من زوجها الارض ، والسبب كما يقول الشريف المرتضي : ((مما انفردت به الإمامية أن الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئا ، بل تعطى بقيمة حقها من البناء والآلات دون قيمة العراص ، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلق حق الزوجات ، والذي يقوى في نفسي إن هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الأكبر من الذكور بالمصحف والسيف ، وأن الرباع وإن لم يسلم في الزوجات فقيمتها محسوبة لها . ثم أحال بالبيان هنا على ما بينه هناك وقد تقدم ، ثم قال : ويمكن أن يكون الوجه في صد الزوجة عن الرباع أنها ربما تزوجت فأسكنت هذه الرباع من كان ينافس المتوفى أو يغيظه أو يحسده فينقل ذلك على أهله وعشيرته فعدل بها عن ذلك على أجمل الوجوه)). ( 7)         

ويقول المرتضى ايضا في رسائله:

((إن المرأة لا ترث من الرباع شيئا ، ولكن تعطى حقها بالقيمة من البناء والآلات . والذي أقوله في هذه المسألة ويقوى عندي أن المرأة لا تعطى من الرباع شيئا ، وإن أعطيت عوضا من قيمته من غيرها ، لأنها معرضة للأزواج ويسكن في رباع الميت من غيره من تسخط عشيرة زوجها ، فإذا أعطيت حقها من قيمة الرباع وصلت إلى الحق ، وزال ثقل اسكان الغرباء مساكن المتوفى . وجرى ذلك مجرى ما قلناه في تفضيل الولد الأكبر بالخاتم والسيف . وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قد جعل لها الربع من التركة ثم الثمن ، ولم يستثن شيئا ، فلا يجوز تخصيص ذلك إلا بدليل قاطع . والخبر المروي : بأنها لا تورث من الرباع  ..)).(8)

الا ان ما استوقفني في مختلف الشيعة هو قوله : ((عن أبان ، عن الفضل بن عبد الملك وابن أبي يعفور ، عن الصادق - عليه السلام - قال : سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئا أو يكون ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئا ؟ فقال : يرثها وترثه من كل شئ ترك وتركت . ثم قال - عقيب هذه الرواية - : قال مصنف هذا الكتاب : هذا إذا كان لها منه ولد ، أما إذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الأصول إلا قيمتها. وتصديق ذلك : ما رواه محمد بن أبي عمير ، عن ابن أذينة في النساء إذا كان لهن ولد أعطين من الرباع. والشيخ - رحمه الله - في الاستبصار لما أورد الأخبار الدالة على منع الزوجة من الإرث في رقبة الأرض أورد الحديث الذي رواه الفضل بن عبد الملك وابن أبي يعفور. ثم قال : أنه لا تنافي الأخبار الأولة من وجهين : أحدهما : أن نحمله على التقية ، لأن جميع من خالفنا يخالف في هذه المسألة ، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة ، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه)).(9)         

اما من المعاصرين ، كالسيد السيستاني فإنه لا يخرج عن فتوى الاولين ، يسأله سائل :   (( ورثنا بيتا من أبينا والآن نريد بيعه وقد توفي أحد الأخوة ولم يخلف سوى زوجته وقد تزوجت فكم تستحق من الإرث ؟ فيجيبه : لها ربع سهمه من الإرث وترث من البناء دون الأرض)) (10)                      

مناقشة الاقوال السابقة :

يستوقفنا فيما سبق من الاقوال عدة امور، منها:

1 – قول المرتضى: (مما انفردت به الإمامية أن الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئا) .

فعندما يورد العلامة الحلي في مختلف الشعة اجابة الامام الصادق لمن سأله السؤال ذاته : (يرثها وترثه من كل شئ ترك وتركت) فإنه يحمله على التقية ((لأن جميع من خالفنا يخالف في هذه المسألة ، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة ، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه)). ومثل هذا القول ناقشناه في المقدمة الرابعة:القواعد الاساسية لتحصيل الحكم الشرعي من كتابنا :وقفات مع الكليني في الكافي .

2 – ان سبب حرمان الزوجة من الارض او الرباع (وهي المنازل ودور الاقامة والسكن- كما يعرفها مركزالمعجم الفقهي في كتاب المصطلحات)هو : إذا تزوجت المرأة ( فأسكنت هذه الرباع من كان ينافس المتوفى أو يغيظه أو يحسده فينقل ذلك على أهله وعشيرته فعدل بها عن ذلك على أجمل الوجوه).

اتساءل: الا يحصل الامر نفسه لو حصلت الزوجة هذه من ارث زوجها المتوفي مالا يكفي لشراء الرباع نفسها من ورثته الاخرين وتزوجت . فهل البيع والشراء حرام ؟ الا يتساوى الارث بهذا الشراء؟

***

فتوى سماحة العلامة الشيخ المؤيد:

 ((المعروف بين فقهاء الإمامية أن الزوجة لا ترث من الأرض وسائر الأموال غير المنقولة لا عينا ولا قيمة . ولكننا نذهب إلى أنها ترث من الأرض وسائر الأموال غير المنقولة عينا، وأن حصتها في الإرث ثابتة في كل ما ترك زوجها من الأعيان والقيم دون تمييز سواء أكان لها منه ولد أم لم يكن لها منه ولد)).

مما ورد اعلاه ، يمكن استخلاص ما يلي من امور:

ان فقهاء ومراجع الشيعة القدامى والمعاصرين ، يفتون بعدم حصول الزوجة على ارث من الرباع للاسباب التي اوردها المرتضى (اسباب نفسية ،وعصبية – من التعصب).

فيما يفتي الامام السيد فضل رحمه الله بـالتصالح ، أي انه اتبع الوسطية في الفتوى ، مع العلم انه لم يقل بذلك من الفقهاء الاولين ، الا انه جمع بين اجابة الامام الصادق – بدون تقية – وفتاوى الاولين لانهم يريدون مخالفة العامة.

اما سماحة الامام المؤيد فيأخذ بقول الامام الصادق بدون تقية .

فتوى الامام السيد فضل الله  رحمه الله:

 ((س: هل ترث المرأة أرضاً من مورّثيها؟

ج: الأحوط هو التّصالح بينها وبين بقيّة الورثة على حصّتها من العقار.))

(( س- هل ترث الزوجة من الارض ، اي اذا ترك الزوج بيت هل ترث من الارض ام من العقار فقط

المعروف المشهور بين فقهاء الإمامية عدم إرث الزوجة من العقار لكنه محل إشكال عندنا فلا يترك الاحتياط بالتصالح بين الزوجة وباقي الورثة في ذلك)).

***

4 – طهارة أهل الكتاب:

سأل سماحة العلامة الشيخ المؤيد الاسئلة التالية:

((س1- هل يجوز أكل ما يتم طبخه من يد مسيحي او هندوسي او غير مسلم ؟

س2- شريعة مطاعم وجبات السريعة ، هل يحــل الاكل منها)).

 فاجاب قائلا:

(( الجواب على السؤال الأول :-

نعم يجوز ذلك لأننا نذهب إلى عدم النجاسة الذاتية لغير المسلم مهما كان دينه ، وعليه فملاقاة بدنه برطوبة لأجزاء الطعام أثناء الطبخ لا يوجب نجاستها . وما لم يعلم يتنجس بدنه بعين من أعيان النجاسة يبنى على الطهارة في حال الملاقاة.

الجواب على السؤال الثاني:-

يحل ، إذا كان البائع مسلما واحتملت إحرازه للتذكية أو إذا كان لديك من القرائن والشواهد ما يفيد العلم أو الإطمئنان بالتذكية)).

 فيما اجاب المرحوم السيد فضل الله قائلا:

(( س: هل اليهود والنّصارى طاهرون، أي هل يجوز أكل وشرب ما يقدّمونه في المطاعم؟

ج: هم طاهرون، وكذلك كلّ إنسان طاهر ذاتاً حسب رأينا الفقهيّ، ويجوز الأكل عندهم من غير اللّحوم، ما لم يعلم اشتماله على أجزاء مما يحرم أكله.

س: هل توجد حرمه أو احتياط في أكل اللّحم في مطاعم المأكولات السّريعة، مثل مأكولات هارديز أو ماكدونالد...؟

ج: لا يجوز أكل اللّحوم التي يشترط في حلّيّتها التّذكية، إلا بالأخذ من المسلم، أو إحراز التّذكية بالوثوق بمصدر الذّبح)).

الهوامش:

1- الاسلام منهاج الحياة – متن فقهي يعبر عن دورة فقهية تبين فتاوي سماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد . وكذلك راجع الرسائل العملية لكافة المراجع.

2 – (( الاول: اجتهاد كامل ويسمى بالاجتهاد المطلق ويصطلح على المجتهد الكامل المجتهد المطلق . وذلك إذا كان مقتدرا على استنباط الحكم الشرعي في كل مجالات الفقه ولأي واقعة تعرض عليه .

الثاني:- اجتهاد ناقص محدود ويسمى بالاجتهاد المتجزئ ويصطلح على المجتهد المحدود بالمجتهد المتجزئ . وذلك إذا كان مقتدرا على استنباط الحكم الشرعي في بعض المجالات والحقول الفقهية وفي دائرة محدودة ضاقت أو اتسعت لكنها لم تستوعب جميع المجالات والوقائع)) .   (المصدر السابق)

3 – قضية فضل الله مع الاخرين.

4 – كما في القضية السابقة ، وفي قضايا اخرى على مر العصور، منها الخلاف بين الاخبارين والاصوليين الذي وصل حد التكفبر و (وكان من شيوخ الطائفة الاخبارية من لا يلمس مؤلفات الاصوليين بيده تحاشياً من نجاستها – مقال : صراع المرجعيات بين الماضي والحاضر – شبكة النت  ) ، والخلاف الذي ظهر مطلع القرن السابق مع الخالصي حول الشهادة الثالثة ، وكذلك الخلاف الذي ظهر مع أبو الحسن الموسوي حتى وصل الى قتل ابنه اثناء الصلاة في الحضرة العلوة.

5 – منهاج الصالحين - السيد السيستاني - ج 2 - ص 11.

6 - منية السائل - السيد الخوئي - ص 163 – 164.

7 - راجع : مختلف الشيعة - العلامة الحلي - ج 9 - ص 32.

8 - رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 1 - ص 259 .

9 - العلامة الحلي - ص36 – 37.

10 - استفتاءات - السيد السيستاني - ص 353.

 

 

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
almoiad@gmail.com

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com