الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

الأسئلة والاستفتاءات

جواب سؤال حول ما يسمى بطواف النساء في الحج

السؤال:
ما رأيكم في طواف النساء في الحج؟ نرجو ذكر الجواب مع الدليل.
 

الجواب:
ليس لطواف النساء في الحج في فقه جمهور المسلمين ذكر أصلاً، وإنما ورد ذكره في فقه الشيعة الإمامية والشيعة الزيدية.
أما الإمامية متقدموهم ومتأخروهم فقد ذهبوا إلى وجوب طواف النساء في الحج، وأن الحاج لا تحل له النساء بعد إحرامه للحج إلا إذا أتى بطواف النساء ولا يحل للمرأة الرجل إلا إذا أتت بهذا الطواف. وقد ادعي الإجماع في كتب الفقه الإمامي على هذا الحكم، ولم ينقل الخلاف إلا عن ابن أبي عقيل من متقدمي فقهاء الإمامية. واتفقوا على أنه لا يبطل الحج بترك طواف النساء لكن لا تحل النساء للمحرم إلا إذا أتى به. وقد ذهب بعض كبار فقهاء الإمامية إلى أن طواف النساء ليس جزء من مناسك الحج وأعماله، وانما هو عمل مستقل مرتبط بالحج يؤتى به بعد الحج لتحل النساء للمحرم ويكون قد أحل من إحرامه بشكل تام.
وقد زخرت المجامع الحديثية للشيعة الإمامية بالروايات المروية عن الإمامين الباقر والصادق ومن تلاهما من أئمة الشيعة الإمامية بهذا الشأن أي وجوب طواف النساء وعدم حلية النساء للمحرم إلا به.
وأما الشيعة الزيدية فكلماتهم متفاوتة في هذا الأمر وفي فتاوى وكلمات بعض كبار فقهائهم وأئمتهم تشويش وإضطراب. فان المستفاد من عبارة الإمام زيد في منسكه عدم وجوب طواف النساء إذ قال في أعمال يوم النحر تحت عنوان «باب زيارة البيت»: «وإذا زرت البيت فطف به سبعة أشواط وصل عند مقام إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم وطُف به من عند الصفا والمروة وقل في طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة مثلما قلت يوم قدمت مكة ثم قد حل لك الطيب والثياب وكل شيء يحل للمحرم غير أني أحب أن لا تقرب النساء حتى تطوف بالبيت اسبوعاً آخر ولا تطف فيه بين الصفا والمروة فإذا فعلت ذلك فقد حل لك النساء والطيب والثياب وكل شيء» ومن الواضح أن عبارته عليه السلام لا تفيد وجوب طواف النساء فانه يصرح بأن طواف الحج إذا أتى به الحاج فقد حل له الطيب والثياب وكل شيء. لكنه عليه السلام ذكر رأيه في أنه يحب للحاج أن لا يقرب النساء حتى يطوف طوافاً آخر دون أن يصوغ ذلك بصيغة حكم شرعي مباشر وملزم ودون أن ينسب ذلك مباشرة إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو نقلٍ عن أهل بيته عليهم السلام وكأن ما ذهب إليه لا يخرج عن كونه ترجيحاً إجتهادياً له كأمر مستحب أو من باب الإحتياط.
وفي مجموع الإمام زيد «وقال زيد بن علي عليه السلام : فروض الحج ثلاثة:- «الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة يوم النحر» والظاهر أن المقصود بطواف الزيارة هو طواف الحج وليس طواف النساء بالمعنى الذي هو محل البحث.
وروى الإمام زيد عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام في قول الله عز وجل : { لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحَجّ: 29] قال: «هو طواف الزيارة يوم النحر وهو الطواف الواجب فإذا طاف الرجل طواف الزيارة حل له الطيب والنساء، وان قصر وذبح ولم يطف حل له الطيب والصيد واللباس ولم يحل له النساء حتى يطوف بالبيت».
وظاهر العبارة أنه لا وجوب لطواف ثانٍ لتحل النساء، وإنما هو طواف الحج الواجب يوم النحر والذي هو من مناسك الحج وأعمال يوم النحر.
إلا أن ملاحظة كلمات بعض كبار علماء الزيدية بعد الإمام زيد تفيد غير ما تفيده كلمات الإمام زيد، إذ يستفاد من كلمات هؤلاء العلماء أن على الحاج لكي تحل له النساء طوافاً آخر غير طواف الحج. وينسب بعضهم ذلك إلى إجماع آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . ونجد تسمية هذا الطواف في كتب الفقه الزيدي المعتبرة بطواف الزيارة.
ففي كتاب الجامع الكافي في فقه الزيدية للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن العلوي المتوفى سنة 445 هجري يذكر أولاً تحت عنوان فروض الحج أن فروض الحج ثلاثة أشياء: «الإحرام وهو عقد التلبية، والوقوف بعرفة، والطواف الواجب يوم النحر». ثم يأتي إلى أعمال الحج فيقول تحت عنوان «كيفية طواف المتمتع والمفرد والقارن يوم النحر»: «طواف الزيارة ويسمى أيضاً طواف النساء وطواف الإفاضة وهو الطواف الواجب، قال الحسن بن يحيى عليه السلام : أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وجوب طواف الزيارة وهو طواف النساء الذي ليس معه سعي وأن النساء لا تحل للحاج حتى يطوفه. وقال محمد: إذا أراد المتمتع أن يزور البيت يوم النحر فليغتسل إن أمكنه وإلا فيتوضأ ثم يطوف بالبيت أسبوعاً يرمل الثلاثة الأشواط الأول ويمشي أربعاً ويصلي ركعتين ثم يسعى بين الصفا والمروة ويقول ويعمل عليهما وفيما بينهما مثل ما قال وعمل يوم دخل مكة ينوي بهذا لحجه، ثم يعود إلى البيت فيطوف به أسبوعاً ولا يرمل فيه ويصلي ركعتين وقد حل له النساء. وإن كان تعجل طوافه وسعيه للحج يوم التروية بعدما أحرم بالحج فانما عليه يوم يزور البيت طواف واحد الذي تحل له به النساء». ثم يقول: «وإذا دخل القارن والمفرد مكة يوم التروية أو قبل ذلك فتعجلا طوافهما وسعيهما لحجهما فطاف القارن طوافين وسعى سعيين لعمرته وحجته، وطاف المفرد أيضاً وسعى لحجته فانما عليهما يوم الزيارة طواف واحد وركعتان بلا سعي بين الصفا والمروة وهو الطواف الذي يحل لهما به النساء. ولا رمل فيه. وإن أخرا طواف القدوم إلى يوم الزيارة فعلى كل واحد منهما يوم الزيارة طوافان وسعي مثلما قلنا أولاً على المتمتع، هذا قول محمد في المنسك وذكر في كتاب الحج أن القارن والمفرد والمتمتع إذا أخروا طوافهم وسعيهم للحج إلى يوم الزيارة فانما عليهم يوم الزيارة طواف اسبوع واحد وسعي ويجزيهم من طواف الحج وطواف الزيارة وهو الطواف الواجب الذي تحل به النساء، قال ذلك كثير من العلماء منهم أبو حنيفة وأصحابه إلا ما روي عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه كان يرى عليهم طوافاً آخر بعد طواف الحج وهو الفرض والسعي وقول محمد في هذه المسألة يدل على أن طواف القدوم سنة وليس بواجب ولا شيء على تاركه» إنتهى.
ولقد نقلنا هذا الكلام بطوله لتتضح الصورة والمناقشة. وفي هذا الكلام عدة ملاحظات:-
1 - نقل عن الحسن بن يحيى إجماع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وجوب طواف النساء، وعدم حلية النساء بدونه، مع أن كلام الإمام زيد على خلاف ذلك وقد تقدم ولا دلالة فيه على الوجوب، فكيف ينعقد الإجماع إذن؟.
2 - إنه ذكر في البداية أن فروض الحج ثلاثة: الاحرام، والوقوف بعرفة، والطواف الواجب يوم النحر. وعند متابعة كلامه يظهر أنه يقصد بالطواف الواجب يوم النحر طواف النساء الذي لا سعي معه. ومعنى ذلك أن الفرض في الحج سيكون طواف النساء وليس طواف الحج نفسه. وهذا أمر غريب جداً من الناحية الفقهية، والأصل هو طواف الحج الذي إن تركه الحاج فسد حجه بينما لا يفسد ترك طواف النساء الحج وإنما لا تحل النساء إلا به حسب الفرض.
3 - الذي يدقق في مجموع ما ذكره يجد أن هناك تشويشاً في موضوع طواف الزيارة الأمر الذي سيتضح فيما بعد حيث أن هناك التباساً في الفقه الزيدي بين طواف الزيارة وطواف النساء، وهذا الالتباس غير موجود في الفقه الإمامي على مستوى كلمات الفقهاء وفتاويهم حيث أن طواف الزيارة وطواف الإفاضة وطواف الحج عناوين لشيء واحد وهو طواف الحج الذي يؤتى به يوم النحر، وهو غير طواف النساء، وأن طواف الحج يحل للمحرم كل شيء إلا النساء، وأن طواف الحج هو ركن يفسد الحج بتركه، بينما لا يفسد الحج بترك طواف النساء وإنما تتوقف حلية النساء للمحرم على الإتيان به. بينما هذا الفرز والوضوح غير موجود في الفقه الزيدي عموماً، فتجد في كلمات بعض كبار فقهاء الزيدية إطلاق طواف الزيارة وطواف الافاضة على طواف النساء، وجعل طواف النساء منسك يوم النحر.
4 - ذكر محمد في كتاب الحج كما تقدم نقله أن القارن والمفرد والمتمتع إذا أخروا طواف الحج إلى يوم الزيارة فانما عليهم يوم النحر طواف واحد ويجزيهم من طواف الحج وطواف الزيارة وهو الطواف الواجب الذي به تحل النساء وهذا كلام مشوش جداً.
أولاً: - بناءً على أن على القارن طوافين وسعيين أحدهما لعمرته والآخر لحجته كيف يكون عليه يوم النحر طواف واحد؟ أليس معنى ذلك أن القارن سيكون بمجرد التأخير ولو العمدي معفى من طواف العمرة وطواف الحج وسيقع طواف النساء مجزياً عن الطوافين؟
ثانياً: - إن لازم هذا الكلام هو عدم وجوب طواف الحج أصلاً على أي من القارن والمفرد والمتمتع وأن الواجب هو طواف النساء لا غير، إذ لو أخر كل منهم طواف الحج كان إتيانه بطواف النساء يوم النحر كافياً.
ثالثاً: - إن لازم هذا الكلام أن الطواف الواجب يوم النحر أساساً هو طواف النساء لا طواف الحج.
كل هذه الأمور غير متسقة فقهياً، وتدلل على إلتباس كبير في فهم أعمال الحج.
ونقل العلامة السيد محمد بن يحيى بن حسين الحوثي في كتابه «المختار من صحيح الأحاديث والآثار» عن أمالي أحمد بن عيسى قال: (وحدثنا محمد قال: حدثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا سالم الفرا عن أبي الجارود عن أبي جعفر: ثم زر البيت بالعشي وإن اشتغلت فلا يضرك متى زرته غير أنه ينبغي لك أن تغتسل إذا زرته بعد يوم النحر، فان زرته يوم النحر كفاك غسلك الذي اغتسلت يوم النحر بعد الحلق، فاذا زرت البيت فطف به اسبوعاً وصل عند مقام إبراهيم ركعتين وطف بين الصفا والمروة لحجك وقل في طوافك في البيت وبين الصفا والمروة وقل عليهما مثل الذي قلت أول يوم قدمت مكة، ثم أحل لك الطيب والنساء والثياب وكل شيء يحل منه المحرم). وهذا الكلام صريح في أن الإحلال لا يتوقف على طواف النساء وانما يترتب على الاتيان بطواف الحج.
وقال أيضاً: (وحدثنا عباد بن يعقوب عن يحيى بن سالم قال: قال أبو الجارود: حدثني عبد الله بن علي بن الحسين قال كنت أحج مع أبي علي بن الحسين وكان إذا رجع من الموقف إلى منى فرمى الجمرة ثم ذبح وحلق أحل من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يأتي البيت فاذا أتى البيت وطاف به وبالصفا والمروة حل له النساء والطيب). وهذا الكلام واضح أيضاً في أن الاحلال هو بعد طواف الحج وسعيه ولا ذكر لطواف النساء.
فالمسألة مشوشة ومضطربة في الفقه الزيدي.
وبعد هذه الجولة أقول إن الذي أذهب إليه وأفتي به هو عدم وجوب طواف النساء في الحج وعدم كونه عملاً في الحج لا كمنسك من مناسكه، ولا كعمل مستقل مرتبط بالحج. والإستدلال على هذا الأمر يحتاج إلى بحث تفصيلي، لكنني سأكتفي هنا بذكر خلاصة وجوهر الإستدلال على ما أذهب إليه.
لنا على ما نذهب اليه: -
أولاً: - الأصل العملي، فمقتضى الأصل العملي عدم وجوب طواف النساء، فان الشك في وجوبه محكوم بالبراءة سواء أكان الشك فيه من باب الشك في وجوب مستقل، أو من باب دوران الأمر بين الأقل والأكثر. وعليه فان إثبات الوجوب يحتاج إلى دليل خاص لان الأصل لا يقتضي الوجوب، بل يؤمّن من الوجوب.
فإن قيل: - إن استصحاب عدم الإحلال جار ولا مخرج عنه إلا بالاتيان بطواف النساء ليحصل اليقين بالإحلال.
قلنا: - إن البراءة هنا مقدمة على الاستصحاب، لكون المقام من باب تقدم الأصل السببي على الأصل المسببي، لأن الشك في الإحلال ناشيء من الشك في وجوب طواف النساء، فاذا جرت البراءة عن وجوبه لم يجر الاستصحاب لارتفاع الشك تعبداً.
ثانياً: - إن طواف النساء في الحج لو كان واجباً وثابتاً شرعاً لعرف ذلك منذ الصدر الأول، ولبان وأصبح من الواضحات المتواترة كسائر أعمال الحج، ولما خفي ذلك على عموم المسلمين، خاصة وأنه بناءً على ثبوته ووجوبه فانه يؤثر في حليّة النساء للمحرم، فكيف يمكن أن يخفى هذا الحكم على الصدر الأول من المسلمين، وكيف لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد حج حجة الوداع وحج معه الجمع الغفير الذي قدر بعشرات الآلاف وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما ورد عنه (خذو عني مناسككم) وقد كان المسلمون معه في هذا الحج يأخذون مناسكهم منه صلوات الله وسلامه عليه، فكيف خفي هذا الأمر المهم ذي الأثر العملي الذي لا يمكن تجاهله ولا إهماله على تلكم الألوف المؤلفة التي حجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذت عنه مناسكها وصنعت ما كان يصنع في حجه، وانطبعت تلك الحجة التاريخية في أذهانها. وأي داع يدعو إلى إخفاء مثل هذا الحكم الهام أو إلغائه؟ ولو فرض وفرض المحال ليس بمحال أن هناك أياد قد لعبت بهذا الحكم فكيف تسنى لها التغرير بالجميع، وكيف لم يرد لهذا الأمر ذكر حتى في فقه الإباضية وهم ليسوا تابعين لفقه أهل السنة وقد خالفوهم في أحكام فقهية عديدة ومهمة وذات أثر، ومدرسة الإباضية وهي مدرسة الامام جابر بن زيد رحمه الله تعالى مدرسة لها استقلاليتها وأصالتها وهي بعيدة عن التأثيرات المفترضة في المدارس الأخرى.
بل حتى لدى الصدر الأول من الشيعة لم تذكر الفتوى بوجوب طواف النساء في الحج وقد تقدم كلام الإمام زيد والذي لا يستفاد منه وجوب هذا الطواف، بل يمكن استفادة عدم وجوبه، وتقدمت بعض الروايات التي رواها الزيدية في كتب أخبارهم والتي تدل بوضوح على عدم توقف الاحلال من الإحرام على طواف النساء، وما عرفت عنهم الفتوى بوجوب طواف النساء وتوقف الإحلال عليه إلا في فترة متأخرة عن ذلك وقد أوقفناك على إضطراب كلماتهم في هذا المقام.
كما إنه لم ينقل وجوب طواف النساء فيما وردنا من أخبار عن أئمة أهل البيت عليهم السلام عن الصدر الأول من أولئك الأئمة، وإنما نقل عمن تلاهم كالإمام جعفر الصادق عليه السلام .
إذن نستكشف من ذلك أن طواف النساء في الحج لم يثبت تشريعه في السنة النبوية ولم يذكر في فقه الصدر الأول من أئمة آل البيت عليهم السلام .
ومعنى ذلك أن الفتوى بوجوبه وعدم حلية النساء إلا به على أحسن الفروض هي فتوى إجتهادية مستندة إلى الإجتهاد وليست مبنية على كون هذا الحكم من الأحكام الواضحة للحج والمعروفة التي تلُقيت بالتواتر، وعرف ثبوتها في الشريعة الإسلامية كالوقوف بعرفة ورمي الجمار، بل حتى إنها ليست على مستوى ثبوت طواف الوداع الذي لم يختلف أحد على ثبوته وإن اختلفوا في وجوبه أو إستحبابه.
ثالثاً: - إن حجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي سميت بحجة الوداع قد استفاض نقلها بخصوصياتها وهي القول الفصل في هذا المجال وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤخذ المناسك. وإذا دققنا في أعمال الحج التي أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أمر بتأديتها لا نجد لطواف النساء فيها أثراً على كل الطرق والنقول التي نقلت هذه الحجة سواء في كتب السنة أو الشيعة زيدية أو إمامية أو غيرهم.
ولتوضيح ذلك نذكر ما نقلته كل مدرسة من هذه المدارس وَنعلِّق عليه كما يلي: -
أولاً: - ما نقلته كتب الحديث لدى الشيعة الأمامية، فقد روت معتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقام في المدينة عشر سنين لم يحج ثم أنزل الله عليه { ؟ » « { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحج من عامه هذا فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب فاجتمعوا فحج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيتبعونه أو يصنع شيئاً فيصنعونه فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر وعزم بالحج مفرداً وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول فصف له الناس سماطين فلبى بالحج مفرداً وساق الهدي ستا وستين بدنة أو أربعاً وستين حتى إنتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة فطاف بالبيت سبعة أشواط وصلى ركعتين خلف مقام إبراهيم ثم عاد الحجر فاستلمه وقد كان استلمه في أول طوافه ثم قال: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدء بما بدء الله به وان المسلمين كانوا يظنون ان السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } [البقرة: 158] ثم أتى الصفا فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني فحمد الله وأثنى عليه ودعا مقدار ما تقرأ سورة البقرة مترسلاً ثم إنحدر إلى المروة فوقف عليها كما وقف على الصفا حتى فرغ من سعيه ثم أتى جبرئيل وهو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلا سائق هدي فقال رجل أنحل ولم نفرغ من مناسكنا فقال نعم فلما وقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا جبريل - وأومأ بيده إلى خلفه - يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحل ولو إستقبلت من أمري مثل الذي استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم ولكني سقت الهدي ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله - إلى أن قال - فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلوا بالحج وهو قول الله الذي أنزله على نبيه { فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 95] فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مهلين بالحج حتى أتوا منى فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة والفجر ثم غدا والناس معه - إلى أن قال - فلما أضاء له النهار أفاض حتى إنتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة وكان الهدي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعاً وستين أو ستاً وستين وجاء علي عليه السلام بأربعة وثلاثين أو ست وثلاثين فنحر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستاً وستين ونحر علي عليه السلام أربعة وثلاثين بدنة وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم ثم تطبخ - إلى أن قال - وحلق وزار البيت ورجع إلى منى فأقام بها حتى كان اليوم الثالث من أيام التشريق ثم رمى الجمار ونفر حتى إنتهى إلى الأبطح فقالت عائشة يا رسول الله ترجع نساؤك بحجة وعمرة معاً وأرجع بحجة فأقام بالأبطح وبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم - إلى أن قال - ثم أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرتحل من يومه ولم يدخل المسجد الحرام ولم يطف بالبيت».
وبملاحظة هذه الرواية بدقة نعرف أن طواف النساء كطواف زائد على طواف الحج ليس مذكوراً فيها، ذلك أن الناس الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حجهم حج تمتع لأنهم لم يسوقوا الهدي وحينما دخلوا مكة حُسب طوافهم الأول طواف عمرة التمتع وحين طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طواف الزيارة طافوا معه فيكونون قد أتوا بطواف واحد وهو طواف الحج ولم تذكر الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرهم بطواف ثانٍ، ولو كان هناك طواف خاص لتحل به النساء لذكره لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم تذكر الرواية ذلك مع أنها ذكرت في البداية أن الناس حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا ينتظرون ما يؤمرون به فيتبعونه أو يصنع شيئاً فيصنعونه. والرواية في مقام بيان كيفية الحج ولم تذكر سوى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زار البيت يوم النحر أي أدى طواف الزيارة وبحكم السياق يكون مَن معه قد أدوا طواف الزيارة، ولم تذكر الرواية زيادة على ذلك وهذا يعني أن مَن حج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طافوا طوافين الأول طواف العمرة حينما دخلوا مكة والثاني طواف الحج حينما أدوا أعمال الحج، ولو كان هناك طواف واجب آخر عليهم لذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم تذكر الرواية شيئاً من ذلك مع أنها في مقام البيان للخصوصيات. وعليه نفهم طوافي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن طوافه الأول طواف الحج ليكون طوافه الثاني حين زار البيت يوم النحر طواف النساء، وإلا لوجب تنبيه الناس معه وهم حجاج تمتع أن يطوفوا يوم النحر طوافين أحدهما للحج والثاني للنساء. وانما طوافه الأول صلى الله عليه وآله وسلم كان طواف القدوم والثاني كان طواف الحج ولم يطف صلى الله عليه وآله وسلم طوافاً زائداً للنساء. وقد يحمل على أن الأول طواف للعمرة والثاني طواف للحج إذا فهم أن حجة صلى الله عليه وآله وسلم كان حج قران وأنه يقتضي طوافين وسعياً واحداً، ولا مجال لحمل طوافه الأول على أنه طواف للحج أداه تسبيقاً له إذ لا موجب لتسبيق طواف الحج قبل يوم التروية لو صح مثل هذا التسبيق، ومضافاً إلى أنه لو كان كذلك لتم بيانه وتوضيحه. فعلى كل الفروض لم يكن طوافه الثاني طواف نساء زائداً على طواف الحج وإلا لأمر الناس يوم النحر بطوافين أحدهما للحج والآخر للنساء ولذكرت الرواية ذلك، فعدم ذكر ذلك دلنا على أنه لم يكن في أعمال حجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء بإسم طواف النساء.
هذا ما يتصل بما نقلته كتب الحديث الإمامية من حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً: - ما نقلته كتب الحديث لدى الشيعة الزيدية.
والملاحظ أن مجموع الإمام زيد عليه السلام لم ينقل شيئاً عن حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن ورد في كتاب درر الأحاديث النبوية بالأسانيد اليحيوية والذي تضمن أكثر الأحاديث والآثار التي رواها الامام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن ابراهيم بن إسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام المتوفى سنة 298 هجري والتي جمعها القاضي عبدالله محمد بن حمزة بن أبي النجم الصعدي المتوفى سنة 647 هجري وفي القسم الثامن في ذكر الحج قال: «وأما صفة حج محمد فقد رواه يحيى بن الحسين متفرقاً حسب ما أملاه من المسائل في مناسك الحج فأحببت أن أسرد الحديث على نسقه في صفة حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . حدثنا القاضي الأجل ركن الدين عطية بن محمد بن حمزة بن أبي النجم - أيده الله تعالى - بقرائتي عليه عن والده رضي الله عنه بإسناده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى اليّ فقلت أنا محمد بن علي بن الحسين فأهوى بيده إلى ذؤابتي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحباً يا ابن أخي فسل عما شئت فسألته يومئذ وهو أعمى وجاء وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه موضوع على المشجب فقلت أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعقد بيده تسعاً فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في العاشرة فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إليه كيف أصنع؟ فقال: إغتسلي وإستثفري بثوب وأحرمي فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ثم ركب ناقته القصوى حتى إذا استوت به ناقته في البيداء نظرت مد بصري من بين يديه من ماشٍ وعن يمينه مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا عليه يتنزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل من شيء عملناه فأهللنا بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به اليوم فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته. قال جابر: ولسنا ننوي إلا الحج ولسنا نعرف العمرة وأتينا البيت فاستلم الركن ورمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم صعد إلى مقام إبرهيم فقرأ ( واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى ) فجعل المقام بينه وبين البيت - إلى أن قال - ثم رجع من الباب إلى الصفا فلما أتى الصفا قرأ «ان الصفا والمروة من شعائر الله» أبداً بما بدء الله به فبدأ بالصفا - إلى أن قال - حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت منه لم أسق الهدي ثم جعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة - إلى أن قال - فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح - إلى أن قال - ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت فصلى بمكة الظهر.
وهذه الرواية مع أنها نقلت خصوصيات المناسك إلا انها لما وصلت إلى الإفاضة إلى البيت بعد النحر إكتفت بذكر إفاضة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت ولم تتحدث عن تفاصيل أخرى والظاهر أنه لم يكن ذلك إهمالاً أو إجمالاً لأن أبا جعفر الباقر سأل من جابر رضي الله عنه عن حجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يريد أن يعرف كامل أعمال هذه الحجة، إذن إكتفاء جابر بالقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفاض إلى البيت يدلل على أنه لم يبق من أعمال الحج سوى طواف الأفاضة سواء بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه أو للحجيج معه، وعليه بما أن من كان معه ممن لم يسق الهدي كان حجهم حج تمتع فطوافهم الأول كان لعمرة التمتع، وبما أنه يفهم أنه لم يبق من أعمال الحج بعد النحر سوى طواف الإفاضة دل ذلك أنهم لم يؤمروا بطواف زائد عليه لتحل به النساء وإلا لذكر جاير ذلك ليكون قد إستوفى الجواب على السؤال. وأما طوافا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالأول إما يكون طواف القدوم، وإما أن يكون طواف العمرة باعتبار أن حجه صلى الله عليه وآله وسلم كان حج قران، وطوافه الثاني هو طواف الحج ولو كان طوافه الثاني طواف النساء زائداً على طواف الحج لأمر الناس أن يطوفوا طوافين يوم النحر مع أن ظاهر الرواية بالتقريب الذي ذكرناه يدل على أنهم لم يؤمروا بذلك فلم يطوفوا إلا طوافاً واحداً لحجتهم حل به كل شيء حتى النساء.
ثالثاً: - ما نقل في الجوامع الحديثيّة لأهل السنة من كتب الصحاح والسنن.
فقد روى مسلم في صحيحه حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن ابراهيم جميعاً عن حاتم قال أبو بكر حدثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلت على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى اليّ فقلت أنا محمد بن علي بن الحسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال مرحباً بك يا ابن أخي سل ما شئت فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه موضوع على المشجب فصلى بنا فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال بيده فعقد تسعاً فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف أصنع؟ قال: إغتسلي وإستثفري بثوب وأحرمي فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منه ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته. قال جابر: ولسنا ننوي إلا الحج ولسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبرهيم عليه السلام فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت - إلى أن قال - حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما أستدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان معكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة - إلى أن قال - فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج - إلى أن قال - ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأفاض إلى البيت. وقد روى هذه الرواية كل من أبي داود في سننه وابن ماجة في سننه.
وهذه الرواية شبيهة بما تقدم مما روى حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي كذاك في دلالتها على عدم وجود طواف آخر زائد على طواف الحج خاص بحلية النساء.
وهكذا نجد أن جميع الروايات التي نقلت حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إختلاف طرقها قد إتفقت على عدم وجود طواف زائد خاص بحلية النساء.
ويعزز ذلك والاستفادة التي قرّبنا بها دلالة تلكم الروايات على هذا الأمر روايات متفرقة في قضايا جزئية مما وقع في ذلك الحج تعطي نفس الدلالة منها رواية أم سلمة عليها السلام في سنن أبي داود قالت: كانت ليلتي التي يصير الي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مساء يوم النحر فصار اليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوهب: هل أفضت أبا عبد الله؟ قال لا والله يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم إنزع عنك القميص فنزعه من رأسه ونزع صاحبه قميصه من رأسه ثم قال:و لم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء فاذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به.
فهذه الرواية لم تتحدث إلا عن طواف واحد يوم النحر وهو طواف الحج وتحل به النساء. وأصرح منها رواية عائشة عليها السلام في صحيح البخاري «فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فانما طافوا طوافاً واحداً».
رابعاً: - إن الروايات الواردة عن الأئمة عليهم السلام في كتب الحديث الشيعية متعارضة، فبعضها يدل على عدم توقف الإحلال على طواف النساء، وعدم وجود طواف زائد على طواف الحج، وهو لا شك يعارض ما ورد عنهم بشأن طواف النساء وتوقف حلية النساء عليه. ومن ذلك: -
1 - معتبرة أبي أيوب الخزاز قال: «كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فدخل عليه رجل ليلاً فقال له: أصلحك الله إمرأة معنا حاضت ولم تطف طواف النساء فقال: لقد سئلت عن هذه المسألة اليوم، فقال: أصلحك الله أنا زوجها وقد أحببت أن أسمع ذلك منك فأطرق كأنه يناجي نفسه ويقول: لا يقيم عليها جمّالها، ولا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها تمضي وقد تم حجها. ومن الواضح أن طواف النساء لو كان واجباً ولا يحل للمرأة زوجها إلا إذا طافته فانه لا يتمشى ذلك مع قوله عليه السلام : «تمضي وقد تم حجها» إذ كان اللازم أن تنيب من يطوف عنها فقوله عليه السلام : «تمضي وقد تم حجها» مبتنٍ على عدم وجوب طواف النساء وعدم توقف الاحلال من الاحرام عليه.
وَحملها على التقية غير وارد: -
أولاً: - لسانها لا يساعد على ذلك، إذ لو كان قوله عليه السلام : «تم حجها» قد صدر على جهة التقية لم يكن وجه للأتيان بعذر عدم إنتظار الجمّال وعدم إمكان التخلف عن أهلها.
ثانياً: - إنها موافقة للسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتقدم على ما خالفها.
ثالثاً: - إن أصل الحمل على التقية لنا فيه نقاش جوهري.
2 - معتبرة محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يحدث الناس بمكة فقال: إن رجلاً من الأنصار جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن شئت فاسأل وإن شئت أخبرك عما جئت تسألني عنه فقال: أخبرني يا رسول الله فقال: جئت لتسألني عن حجك وعمرتك وما لك فيهما من الثواب فأعلم أنك إذا توجهت إلى سبيل الحج ثم ركبت راحلتك ثم قلت بسم الله والحمد لله ثم مضت راحلتك لم تضع خفا ولم ترفع خفاً إلا كتب لك حسنة ومحي عنك سيئة، فإذا أحرمت ولبيت كان لك بكل تلبية لبيتها عشر حسنات ومحي عنك عشر سيئات - إلى أن قال - فاذا ذبحت هديك أو نحرت بدنك كان لك بكل قطرة من دمها حسنة تكتب لك فيما تستقبل من عمرك، فاذا زرت البيت فطفت به اسبوعاً وصليت ركعتين خلف المقام ضرب ملك على كتفيك ثم قال لك قد غفر الله لك ما مضى وما تستقبل ما بينك وبين مائة وعشرين يوماً.
وهذه الرواية نقلت حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ذكر فيه أعمال الحج وما عليها من ثواب ولم يذكر سوى طواف واحد بعد النحر ولا شك في أن المراد به طواف الحج وليس طوافاً آخر. بل فيها دلالة على انتهاء أعمال الحج بطواف الحج وصلاته فلا شيء بعده.
هذا بالنسبة إلى الإمامية.
وأما الزيدية فالملاحظ أنهم لم يرووا في طواف النساء شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وانما اقتصرت كتبهم على الفتوى بطواف النساء. وما رووه في طواف الافاضة ليس فيه ما يدلل على أنه غير طواف الحج. على أنه تقدم عن علي بن الحسين وعن أبي جعفر عليهم السلام ما يدلل على عدم وجود طواف زائد باسم طواف النساء.
خامساً: - وردت معتبرة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى: { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحَجّ: 29] قال: تقليم الأظفار وطرح الوسخ عنك والخروج من الإحرام { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحَجّ: 29] طواف الفريضة. وظاهر الرواية أن المراد به هو طواف الحج وهو التفسير المطابق للآية الكريمة.
ووردت معتبرة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحَجّ: 29] قال: طواف النساء.
وهذا التفسير مخالف للآية الكريمة إذ لا شك في أن المراد منها طواف الحج، إذ لا يحتمل أن تترك الآية طواف الحج الذي هو ركن من أركانه وتنتقل رأساً بعد بيان الذبح والتقصير إلى طواف النساء.
وهكذا ننتهي من هذه الجولة إلى عدم وجود ما يسمى بطواف النساء في الحج لا كجزء من أعمال الحج، ولا كعمل مستقل مرتبط بالحج، ولا يتوقف الإحلال من الإحرام بنحو تحل به النساء على هذا الطواف، وانما تحل النساء للمحرم بعد إتيانه بطواف الحج والله هو العالم بأحكامه وبه التوفيق والحمد لله أولاً وآخراً.

الفهرست || الأسئلة الفقهية

السابق

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
almoiad@gmail.com

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com