الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

الأسئلة والاستفتاءات

جواب سؤال حول آية الوضوء
 

السؤال:
ذهب بعض المفسرين والفقهاء إلى أن حكم الأرجل في الوضوء لا يتفاوت بتفاوت قراءتي النصب والجر في الآية الكريمة: { وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] فما رأي سماحتكم؟
 

الجواب:
الصحيح هو أن الحكم المستفاد من الآية الكريمة يتفاوت من حيث الأصل بتفاوت القرائتين، لكن الآية دالة على الغسل على كلتا القرائتين. توضيح ذلك: -
إن الآية الكريمة على قراءة النصب تدل دلالة واضحة على وجوب غسل الأرجل، لأن الأرجل على قراءة النصب تكون معطوفة على الأيدي، لامتناع عطفها على الرؤوس، أما العطف اللفظي فامتناعه واضح لفرض أنها منصوبة وليست مجرورة، وأما عطف المحل بدعوى أن موضع الرؤوس منصوب بالفعل «امسحوا» وإنما انجر بعارض الباء فيرده أن الباء في الآية الكريمة ليست زائدة وإنما هي للإلصاق، وعليه فالباء في الآية الكريمة أصلية تفيد معنى جديداً، فليس موضع الرؤوس منصوباً حقيقة، وعليه يمتنع عطف الأرجل على الرؤوس فيتعين أن تكون معطوفة على الأيدي. ومن هنا يمتاز العطف في الآية الكريمة عن العطف في مثل قول الشاعر:

معاوي إننا بشر فأسجح

فلسنا بالجبال ولا الحديدا


فان الباء في عجز البيت زائدة فأمكن أن يأخذ الحديد حكم النصب من باب عطف المحل، بينما الباء في الآية الكريمة ليست زائدة وإنما هي أصلية تفيد معنى الإلصاق وبدخولها يكون هناك فرق بين مسح الشيء والمسح بالشيء، فيمتنع عطف المحل فلا يمكن أن يعزى نصب الأرجل إليه فيتعين أن يكون السبب في نصبها هو عطفها على الأيدي فتأخذ حكمها.
وبهذا البيان لا تنطبق قاعدة لزوم العطف على أقرب مذكور، إذ مجال هذه القاعدة هو فيما إذا لم يكن هناك ما يمنع من العطف على الأقرب وأما إذا كان هناك ما يمنع منه وجب العطف على الأبعد كما في المقام.
ويمكن حفظ قاعدة العطف على أقرب مذكور لكن لا من باب العطف على المحل وإنما من باب عطف العامل المحذوف، فقد قرر في النحو أن واو العطف تنفرد بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله المرفوع أو المنصوب أو المخفوض نظير قوله تعالى: { وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9] فالإيمان معمول ولكن ليس عامله تبوؤوا لأن الإيمان لا يسكن وإنما لعامل محذوف تقديره ألفوا.
وعليه تكون الأرجل معمولة لكن ليس عاملها «أمسحوا» وإنما العامل هو «إغسلوا» فحذف العامل وعطف على عامل آخر فالمعطوف ليس الاسم وإنما العامل المحذوف. قال ابن مالك : -

والفاء قد تحذف مع ما عطفت

والواو إذ لا لبس وهي انفردت

بعطف عامــل مزال قـــد بقي

معمولــــه دفعـــا لوهــــم اتقي

وهكذا يتضح أن الآية الكريمة على قراءة النصب تدل على وجوب غسل الأرجل إما عطفا لها على الأيدي أو من باب العطف على تقدير عامل محذوف.
وعلى قراءة النصب بالعطف على الأيدي يكون تأخير الأرجل عن الرؤوس مع كونها معطوفة على الأيدي ويعمها حكمها، لأجل بيان لزوم الترتيب حيث لا يصح غسل الأرجل قبل مسح الرؤوس فلأجل بيان ترتيب أفعال الوضوء أخرت الآية الكريمة ذكر الأرجل ولم تعطفها على الأيدي مباشرة وإنما عطفتها عليها بعد فصلها بالمسح على الرؤوس.
وأما على قراءة الجر فالآية دالة على وجوب مسح الرجلين، لأن الأرجل حينئذ تكون معطوفة على الرؤوس فتشترك معها في حكمها وهو المسح، وقيل لا يصح حمل العطف فيها على أنه للجوار نظير قولهم «جحر ضب خرب» وذلك:
أولاً: - لأنه خلاف ظاهر العطف، إذ العطف للجوار ليس هو الأصل في العطف.
ثانياً: - إن الكسر على الجوار شاذ نادر ومعدود في اللحن وقد يلجأ إليه بعض الشعراء للضرورة الشعرية ولذا يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه.
ثالثاً: - إن الكسر على الجوار إنما يكون بدون حرف العطف ولم يعهد تكلم العرب به مع حرف العطف.
كما لا يصح القول بان الآية على قراءة الجر يمكن أن تدل على وجوب الغسل أيضاً من خلال حمل العطف على تقدير العامل المحذوف وذلك لأنه لو كان الأمر على هذا النحو لزم نصب الأرجل لا خفضها إذ العامل المحذوف هنا يقتضي معمولاً منصوباً لا مخفوضاً.
إلا أنه يمكن الجواب على الايراد الأول بأن السنة النبوية لما انعقدت على الغسل كانت هي القرينة على حمل العطف على الجوار. ويمكن الجواب على الإيراد الثاني بأن العطف على الجوار ورد في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: { إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود : 26] فجر أليما مع أنه صفة للعذاب للجوار مما يدلك على أن الكسر للجوار ليس شاذاً ولا معدوداً في اللحن وإلا لما جاء في القرآن الكريم وهو المعجز في فصاحته وبلاغته، وأما الايراد الثالث فجوابه أن العرب تكلمت بالكسر على الجوار مع حرف العطف كما في قولهم: فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل. فجرّ قديراً مع العطف للمجاورة.
وهكذا يتضح أن الآية الكريمة على قراءة الجر لا تدل على وجوب مسح الأرجل. بل لما ثبت وحدة الحكم على كلتا القرائتين وأن الاختلاف فيهما لا يرجع إلى الاختلاف في الحكم، لزم حمل قراءة الجر على أنه للمجاورة لعدم إمكان المصير إلى المسح على قراءة النصب وإمكان المصير إلى الغسل على قراءة الجر، وبما أن الحكم واحد لزم حمل قراءة الجر على أنه للمجاورة ليبقى الحكم نفسه وهو الغسل. فنصل إلى أن الحكم المستفاد من الآية الكريمة وإن كان يتفاوت بتفاوت القرائتين من حيث الأصل لكن انعقاد السنة على الغسل، مضافاً إلى معلومية وحدة الحكم بالنسبة للأرجل وعدم إمكان المصير إلى المسح على قراءة النصب، وإمكان المصير إلى الغسل على قراءة الجر يجعل الآية دالة على الغسل على كلتا القرائتين. فلا يصح ما ذهب إليه علماء الإمامية بأن الآية الكريمة تدل على وجوب مسح الأرجل حتى على قراءة النصب.

الفهرست || الأسئلة الفقهية

السابق

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
almoiad@gmail.com

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com