الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

الأسئلة والاستفتاءات

حول تفسير آية (24) من سورة الأنفال

السؤال:
فى سورة الأنفال، الآية 24 نقرأ (... أن الله يحول بين المرء وقلبه) إلى آخر الآية الكريمة.
إن هذه الكلمات القليلة تضم في مكنونها معاني عميقة جداً، وقد اطلعت على تفسيرات مستفيضة في كتب التفسير، ولكني أرغب بمعرفة تفسير وتحليل سماحتكم لهذه الآية لما لديكم من العلم الغزير والرؤية المتعمقة جزاكم الله كل خير والسلام عليكم.


الجواب:
للمفسرين في بيان معنى هذه الآية الكريمة ومفادها آراء كثيرة. أهمها -:
1 - أن المقصود بالآية الكريمة هو أنّ الله تعالى يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر.
وهذا الرأي غير صحيح، فمن جهة هو خلاف ظاهر الآية الكريمة، لأن الحيلولة فيها هي بين الإنسان وقلبه، وليس بين الإنسان والعقيدة، ومن جهة أخرى فان الله تعالى يدعو الناس جميعاً إلى الإيمان ويحثهم عليه ويحذرهم من الإعراض عنه وقد أرسل الأنبياء والرسل للدعوة إليه فكيف يحول بين الإنسان وبينه فان في ذلك مفارقة وتناقضاً، ومن جهة ثالثة إن هذا الرأي لا ينسجم مع ما هو الصحيح في العقيدة من حرية الإنسان وإرادته واختياره فلا جبر وإلا بطل الثواب والعقاب، ولا جبر إذ لا يتسق ذلك وعدالة الله عز وجل .
2 - إن المقصود بالآية الكر يمة هو أن الله تعالى يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيراً.
وهذا الرأي غير صحيح أيضاً، فمن جهة هو خلاف ظاهر الآية الكريمة أيضاً إذ الحيلولة فيها بين الإنسان وقلبه وليست بين القلب والعمل، ومن جهة ثانية تخصيصها بالكافر لا وجه له ولا أساس فالآية الكريمة عامة وقد جائت في سياق خطاب المؤمنين، ومن جهة ثالثة إن هذا الرأي مخالف للواقع فقد صدرت أفعال خير كثيرة من كثير من الكافرين مهما كانت دوافعها لكنها في ثمارها وآثارها تعد خيراً مضافاً إلى أن الله تعالى يحب الخير ولا يمنعه حتى من الكافر.
3 - إن المقصود بالآية الكريمة هو أن الله تعالى يحول بين المرء وما يتمناه في قلبه، فذكر القلب تسمية للشيء باسم ظرفه نحو سال الوادي.
ويلاحظ على هذا الرأي مضافاً إلى أنه خلاف الظاهر لكون المعنى الذي يذكره معنى مجازياً فيحتاج إلى قرينة، أقول مضافاً إلى ذلك فان هذا التفسير لا دليل عليه - لا من الآية الكريمة وسياقها ولا من خارجها - وإنما هو مجرد إحتمال.
4 - إن الله تعالى لما دعا المؤمنين إلى القتال وظهر خوفهم من القتال، أعلمهم سبحانه أنه يبدل خوفهم أمناً بأن يحول بينهم وبين ما يتفكرون فيه من أسباب الخوف.
ومشكلة هذا الرأي في تفسير الآية الكريمة هي أنه ركّز على القضية الجزئية بينما المفروض تفسير الآية حسب المفهوم الذي قد ينطبق على هذه الجزئية وتكون من مصاديقه وقد لا ينطبق، وقد صيغ الخطاب في الآية الكريمة صياغة تفيد العمومية فيلزم تفسيرها بما ينسجم مع عموميتها ثم يلاحظ انطباق المفهوم على مصاديقه.
5 - إن المقصود بالآية الكريمة هو أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه بزوال الإستعداد وحصول الحجاب بارتكاب الرين.
وهذا معنى عرفاني، لكنه بهذا الشكل من البيان ناقص فنياً لأن الحيلولة أسندت في الآية الكريمة إلى الله تعالى وحينئذ تفسير الآية الكريمة بما ذكر قد يوقعنا في متاهات الجبر وخطله فلا بد من تجلية هذا المعنى ببيان فني.
6 - إن المقصود بالآية الكريمة هو أن الله تعالى يحول بين المرء والإنتفاع بعقله بالموت فلا يمكنه استدراك ما فات، ففي الآية الكريمة حث على الطاعة قبل الممات وفوات الأوان، ويعزز ذلك ما جاء في ذيل الآية الكريمة من قوله تعالى: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال : 24] فكأن الآية الكريمة بعد أن دعت المؤمنين إلى الإستجابة إلى الله والرسول حذرتهم من وقوع الموت الذي ينهي الحياة الدنيوية للإنسان وانه ليس بعد الموت إلا الحشر إلى الله تعالى للحساب.
وهذا المعنى هو معنى محتمل في الآية الكريمة لكنه لا دليل عليه حصراً، مضافاً إلى أنه قد يتم التساؤل عن وجه المناسبة في ذكر الحيلولة بين المرء وقلبه، مع أنه على المعنى المذكور في تفسير الآية حسب هذا الرأي يكون الأنسب ذكر الحيلولة بين المرء وحياته الدنيوية، فإن طاعة الإنسان لله تعالى لا تتوقف على استفادة الإنسان من عقله فقط وإنما من قواه كافة عقلية وجسدية وروحية.
7 - إن الله تعالى أخبر في هذه الآية الكريمة بأنه أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينها وبينهم إذا شاء حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئاً من إيمان أو كفر أو أن يعي به شيئاً إلا بإذنه ومشيئته.
وهذا الرأي إن كان يرجع في جوهره إلى الرأي الأول وردَ عليه ما أوردناه على الرأي الأول، مضافاً إلى أنه من غير المناسب ذكر ذلك في سياق الدعوة إلى الإستجابة لله والرسول، لأن في هذه الدعوة تحميل المسؤولية للمدعو فلا يناسب أن يذكر ما قد يجعله يتنصل من المسؤولية أو ما يجعلها باهتة أو فارغة من المحتوى.
8 - إن المقصود بهذا المقطع في الآية الكريمة بيان أن الله تعالى قريب من قلب الإنسان فلا يخفى عليه شيء أسره أو أظهره.
وقد يصاغ هذا الرأي بصياغة أخرى لا تختلف من حيث الجوهر عن هذه الصياغة هي أن علم الله تعالى يخلص بين المرء وعقله خلوص الحائل بين شيئين فانه يكون شديد الإتصال بكليهما.
والمراد بالمرء عمله وتصرفاته، فالمعنى هو أن الله تعالى يعلم عزم المرء ونيته قبل أن تنفعل جوارحه بعزمه فشبهه بالحائل من حيث شدة الإتصال، وهو تحذير للمؤمنين من كل خاطر يؤدي إلى التراخي في الإستجابة لدعوة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأقصى ما يقال في هذا الرأي انه وجه محتمل في تفسير الآية الكريمة وليس للآية الكريمة دلالة حصرية عليه، بل يستبطن من المعاني ما فيه تجوز فيحتاج إلى دليل لإرتكاب المجاز.
والذي يظهر لي في تفسير الآية الكريمة هو أن الآية الكريمة صيغت بصياغة عامة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال : 24] وقد قصدت العمومية في الآية حتى وإن كان المورد فيها الدعوة إلى القتال والجهاد، لكن القرآن أراد أن يبين أن الدعوة إلى القتال والجهاد ما هي إلا مصداق من مصاديق الدعوة إلى الإلتزام بأحكام الشريعة وأوامر الله تعالى ونواهيه. وبعد الأمر بالإستجابة إلى دعوة الله تعالى ورسوله جاء قوله تعالى: - {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال : 24]وهنا يحتمل أن يراد بالقلب الروح والنفس، وقد استعمل القلب بهذا المعنى في قوله تعالى: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء : 88-89] والمراد بالقلب هنا الروح والنفس. وحينئذ قد يكون المقصود أن الله تعالى يفصل بين الجسد والروح بالموت فلا يمكن تدارك ما فات ويراد بذلك الحث على الجدية في الإستجابة لله والرسول وعدم التراخي فيها وقد وردَ التعبير بما يشاكل هذا في قوله تعالى: - {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} [سبأ : 54].
ويختلف ما ذكرناه هنا عما ورد في الرأي السادس في أن الرأي السادس فسر القلب بالعقل فجاء إيرادنا المتقدم عليه، أما إذا كان المراد بالقلب الروح لم يرد ذلك الإيراد كما هو واضح إذ تكون الحيلولة بين المرء وحياته الدنيوية.
وقد يكون المقصود شيئاً آخر إن كانت الآية الكريمة قد وردت في الإستجابة للدعوة إلى الجهاد فكأن المراد بهذا المقطع هو أن الموت بيد الله تعالى وهو الذي ينزله بالانسان وهو الذي يحول بين الجسد والروح، فلا يخيفكم الموت لأنه إنما ينزل بكم بتقدير الله تعالى، فاذا لم يشأ ذلك لن يدرككم الموت ولو كنتم في غمرة المعركة. وفي هذا تقوية لعزائم المؤمنين على الجهاد وردّ هواجس الموت والخوف من القتال.
ويحتمل أن يراد بالقلب العقل أو المشاعر، فتدل الآية الكريمة على تصرف الله تعالى بالعقل والمشاعر، وقد ورد في بعض الأدعية أن الله تعالى مقلب القلوب. وهذا التصرف قضية مؤكدة، فاذا كان للشيطان وهو مخلوق من مخلوقات الله أن يتسلل إلى عقل الإنسان وقلبه بالوسواس فكيف لا يكون لله تعالى أن يتصرف في العقل والقلب. وهناك آيات كثيرة تؤكد هذا التصرف {فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى : 24]، {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص : 10]، {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} [آل عمران : 151]، {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح : 4] ، فجاءت الآية الكريمة لتؤكد ذلك. الاّ أن هذا التصرف ليس تصرفاً ينافي ارادة الإنسان واختياره الذي تقتضيه عدالة الله تعالى وبالتالي ليس تصرفاً يفضي إلى الجبر، وإنما يتخذ هذا التصرف مسارات ثلاثة -:
الأول: - أنه يكون أثراً لفعل يختاره الإنسان، فهو من آثار أفعال الإنسان نفسه، وأفعاله خاضعة لاختياره، وهذا حاصل في حالتي المؤمن وغيره فالمؤمن إذا أتى بأفعال معينة فان الله تعالى يمنحه على تلك الأفعال منحاً {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت : 69] فالهداية هنا أثر لجهاد الإنسان من أجل الله تعالى وهذا الجهاد هو فعل الإنسان نفسه وخاضع لإختياره لكنه إن فعله منحه الله تعالى سبل الهداية من عنده. وكذلك الأمر في غير المؤمن في الكافر أو العاصي فان ارتكابه لفعل منكر يرتّب عليه آثاراً والفعل خاضع لإختياره قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة : 13] فنقض الميثاق فعل خاضع لإختيار الإنسان لكنه إن اختاره وأتى به ترتبت عليه آثار منها قسوة القلب. {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين : 14] فما يكتسبه الإنسان من معاصي بإرادته واختياره يؤدي به إلى آثار تترك بصماتها على مشاعره أو عقله.
الثاني: - إن نسبة التصرف إلى الله تعالى من باب وضع القانون، ذلك أن الله تعالى قدّر كافة الأمور ووضع لها قوانينها ومن ذلك ما يرتبط بالنفس البشرية عقلاً ومشاعر، وكل شيء يجري طبق ذلك القانون نظير قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس : 7-9] وتأتي كثير من حركات العقل والقلب على ضوء ذلك فتسند إلى الله تعالى من باب انه جل شأنه واضع قوانينها.
الثالث: - هناك تصرفات في العقل والقلب لا ترتبط بأفعال الطاعة والمعصية، وإنما ترتبط بأمور أخرى وبعضها يأتي على نسق القوانين والنواميس الإلهية وبعضها يأتي في حالات ومناسبات معينة كما في المعاجز والكرامات والعنايات الإلهية وما شاكل.
وهكذا يتضح أن الآية الكريمة على هذا الوجه بصدد بيان هذه التصرفات التي ذكرنا أنواعها، فان كانت ناظرة إلى تطمين المؤمنين فهي تشير إلى تصرف إلهي في قلوب المؤمنين يزيل الخوف عنهم وهي من مصاديق التصرف العام الذي عرفت أنواعه.
ثم إنه على احتمال إرادة العقل أو المشاعر من القلب فالحيلولة بين المرء وقلبه لا يراد بالقلب فيها الجسم العضوي بأن يكون التصرف فيه، وإنما بما يتوارد على العقل من خواطر وأفكار، وما يعتري الصدر من مشاعر وأحاسيس.
هذا ما ظهر لنا في تفسير الآية الكريمة.
ومن الله تعالى نستمد السداد وبه الإعتصام.

الفهرست || الأسئلة القرآنية

السابق

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
[email protected]

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com