الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

المحاضرات

الاشراف الرباني على المسيرة البشرية (*)

قال تعالى في كتابه المجيد: { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } [الأنبياء:73].
من مميزات ومن معالم حضارة الإسلام ومن السمات البارزة في المدرسة الربانية الإلهية والتي تميزها عن سائر المدارس الوضعية، الأشراف الرباني على المسيرة البشرية.
كل جماعة وكل تجمع بحاجة إلى رعاية وراع، ما من جماعة تتشكل إلا وتضع في أولوياتها أن يكون عليها مشرف ورقيب تكون كلمته هي الفصل في الأمور التي لها علاقة بقيادة هذه المجموعة. وهذا مبدأ قرره علماء الاجتماع أيضاً وهو مقتضى عقلانية المسيرة البشرية، لأن هذه المسيرة مسيرة واعية هادفة يتصرف فيها الإنسان طبقاً لمقتضيات العقل والفطرة. ولهذا لابد لكل مجموعة صغيرة كانت أو كبيرة أن تخضع لرعاية راع، ولأشراف مشرف، ولإرشاد مرشد. حتى الأسرة والتي هي النواة الأولى للتجمع البشري وللكيان الاجتماعي لابد لها من راع يرعاها ويقودها. وكذلك كل تشكل تقوم به جماعة من الجماعات سواءً أكان هذا التشكل لأهداف شخصية لهذه الجماعة أو كان لأهداف عامة لهذه الجماعة، لابد أن يكون على رأس هذه المجموعة راع يرعاها، وهكذا تتسع الدائرة لتشمل الأمم، فكل أمة لابد أن تخضع لقيادة ورعاية تقود مسيرتها.
هذا مبدأ اجتماعي عام لا تختلف فيه جماعة عن جماعة سواءً أكانت متدينة بدين أو لم تكن متدينة بدين. ولكن الفرق والتمايز في نحو هذه الرعاية وفيمن يقوم بهذه الرعاية، فالمجموعات التي تحدد لنفسها أهدافها وتحدد لنفسها برامجها دون أن ترتبط برابط ديني أو سماوي تكون الرعاية فيها خاضعة لإنسان منها فهو الذي يتولى رعاية هذه الجماعة بفكر إنساني وبأهداف يضعها هذا الإنسان من بنات فكره أو يرعاها طبقا لأهداف تحددها تلك الجماعة، بينما المجموعة التي ترتبط بالسماء والتي تخضع لله سبحانه وتعالى، مثل هذه المجموعة يكون الأشراف عليها إشرافاً ربانياً، تكون خاضعة لرعاية السماء وإشرافها المباشر. هذا الإشراف لا يعني أن الله سبحانه وتعالى يمارس الإشراف مباشرة بنفسه، نعم فيما يتعلق بالوحي الذي يوحى وبما ينطلق من تعاليم سماوية نعم هذا الأمر يخضع للإشراف المباشر من قبل الله سبحانه وتعالى لان التعاليم تأتي من الله، ولكن الممارسة التطبيقية والرعاية الماثلة بالشخوص لا تكون إلا من خلال الإنسان.
وحينما نميز بين الإشراف الرباني والإشراف الإنساني لا نعني أن الإشراف الرباني يكون إشرافاً مباشراً وأن الذي يقود المسيرة البشرية هو الله، وإنما نعني أن الإنسان الذي يقود تلك المسيرة يكون مرتبطاً بالله سبحانه وتعالى ويكون برنامج تلك المسيرة برنامجاً ربانياً وهذا هو معنى خضوع التجمع البشري للإشراف الرباني. وإلا فان الذي يقود المسيرة لابد أن يكون إنسانا من نفس هذه المجموعة. فالفارق بين المدرستين لا في إنسانية وبشرية القائد والراعي وإنما الفارق بين المدرستين في نحو هذه الرعاية هل أنها رعاية إنسانية بفكر أنساني، بفكر بشري، بأهداف وببرنامج يحدده الإنسان ذاته، أو أن هذه الرعاية وهذا الإشراف إنما يكون عبر الالتزام بالدين، فالإشراف الرباني إشراف ديني وان كان القائم بقيادة هذه المسيرة بشر وإنسان ولكن هذا الإنسان إنما يقود ذلك التجمع، يقود تلك الأمة عبر برنامج الهي، عبر التعاليم الربانية. هذه ميزة مهمة من امتيازات ومن معالم حضارة الإسلام في أنها حضارة إنسانية يشاد فيها البناء على يد الإنسان نفسه ولكن ذلك البناء الحضاري يشاد بإشراف السماء ورعايتها وطبقا لتعاليمها وهذا أمر يفرضه أيضاً مبدأ الاستخلاف الذي كررناه في محاضرات سابقة حيث قلنا إن الدور الذي أعطي للإنسان هو أن يكون خليفة لله في أرضه وبالتالي هذا المستخلف ما دام انه خليفة لا بد أن يمارس دوره من خلال ما يريده المستخلف، لأنه إذا خرج عن إرادة المستخلف انتفى فيه مبدأ الخلافة ولا يمكن أن يجسد واقع الخلافة على الأرض، كالوكيل عن الأصيل، ذلك الوكيل الذي يتوكل عن شخص مادام انه وكيل عنه ومكلف من قبله ويقوم مقامه لابد أن يأتي بالعمل على طبق ما يريده الموكل وإلا ينتفي معنى الوكالة ولا يتجسد واقع للوكالة أصلاً. فكذلك الإنسان الذي هو خليفة لله على الأرض لا يمكن أن يجسد دور الخلافة على الأرض إلا إذا كان عمله ومارس دوره على طبق إرادة المستخلف وهو الله عز وجل .
أما كيف تكون هذه الرعاية؟ هذه الرعاية يطلق عليها القرآن الكريم لفظ ومصطلح الهداية دائماً في الآيات القرآنية التي تشير إلى رعاية السماء لمسيرة البشر، وإلى الإشراف الرباني على هذه المسيرة. في ثقافة الدين يطلق على هذا الأمر عنوان الهداية في آيات كثيرة منها: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه: 123-124] هذه الآية الكريمة تشرح رعاية السماء لآدم وحواء وهما البدايات الأولى للتجمع البشري، هذه الرعاية، يطلق عليها القرآن عنوان الهدى: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [طه: 123] يعني فإما يأتينكم مني توجيه، هذا التوجيه الذي هو مصداق من مصاديق الرعاية وتجسيد للأشراف الرباني يطلق عليه القرآن الكريم اصطلاح الهدى، فهذا التوجيه هو هداية من الله إلى خلقه {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .
النبي يمارس على الأرض دور الإشراف الرباني على المسيرة البشرية هذا الدور أيضاً يطلق عليه قرآنياً في المصطلح القرآني عنوان الهداية: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} [الشورى: 52] .
ما الذي يقوم به النبي؟ النبي كما سيأتي يقوم بدور البلاغ ويقوم بدور الحاكمية وكلا الدورين هما من الأسس ومن المصاديق الأساسية للإشراف الرباني على المسيرة الإنسانية، هذا الدور يطلق عليه القرآن عنوان الهداية: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر: 38] هذا الإتباع يعني إتباع لراع، هنا هذا الإتباع للراعي أيضاً، عنوان من عناوين الهداية فان هذا الراعي يمارس دور الهداية اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر: 38] وهكذا في آيات كثيرة جداً لسنا في مقام استقصائها وحصرها ولكن القاعدة العامة التي يمكن أن نعطيها هي أن الإشراف الرباني يصطلح عليه قرآنياً بمصطلح الهداية. هذه الهداية فيها مدلول معنوي، فحينما ترتبط مسيرة الإنسانية برعاية إنسان لا يكون هذا الإنسان خاضعاً للإشراف الرباني لا يمكن أن يطلق على مثل هذه القضية اصطلاح الهداية بكل معنى الكلمة لأن مثل هذا الإنسان يخطي ويصيب، وهو إنما يقود الناس بفكر منه والآخرون أيضاً لهم مثل هذا الفكر الإنساني، فالعلاقة حينئذ بين تلك الجماعة وبين هذا الإنسان علاقة إنسان بإنسان، خضوع إنسان لأشراف إنسان، بينما المسيرة البشرية التي تخضع للأشراف الرباني في الحقيقة هي خضوع إنسان لرب، خضوع مربوب لرب، وخضوع مخلوق لتدبير خالق، وبالتالي مصطلح الهداية يجد كل مدياته لاسيما ذلك البعد المعنوي التوجيهي الحقيقي الذي ينطبق حقيقة على مثل هذا الإشراف.
هذا الإشراف له أكثر من مستوى ولكن الأسس الأساسية لهذا الإشراف تتلخص في مستويين: -
المستوى الأول: هو مستوى إيصال التوجيه الإلهي إلى الناس. لان حركة الناس تحتاج إلى فكر، تحتاج إلى محتوى علمي على أساسه يتحرك أولئك البشر. هذا المحتوى بالنسبة للجماعة التي تخضع للإشراف الرباني لن يكون محتوىً بشرياً وإنما هو محتوى يأتي إلى هذه الجماعة من خلال ذلك التوجيه الرباني، هو محتوًى الهي وهو الذي يصل إلى هذه الجماعة عن طريق الوحي وعن طريق الكتب السماوية التي تتضمن كل التعاليم والتوجيهات الكفيلة بإعطاء محتوى لحركة البشر. كيف يتحركون؟ ما هي الأسس التي يتحركون في ضوئها؟ ما هو برنامج عملهم؟ ما هي قوانين تصرفاتهم وسلوكياتهم؟.
إذن المستوى الأول للإشراف هو مستوى التوجيه الفكري إذا صح التعبير، في عبارة التوجيه الفكري نوع من المسامحة لان ما يأتي من السماء لا يصح أن يقال عنه انه فكر ولكن ما يقوم مقام التوجيه الفكري الذي يأتي وحيا من السماء. هذا أول مصاديق الإشراف الرباني على المسيرة. المسيرة تحتاج إلى محتوى يحركها، تحتاج إلى مبادئ إلى تعاليم إلى قوانين وهذه المبادئ والتعاليم والقوانين تأتي إلى هذه الجماعة من السماء عن طريق الرسل وعن طريق الأنبياء ومن خلال الكتب السماوية التي تنزل على الناس. دور النبي في مثل هذه الحالة هو دور الإبلاغ هذا المعنى الذي أطلقه القرآن الكريم عليه. يعني في ثقافة الدين نوع الدور الذي يقوم به المشرف والراعي لمسيرة البشرية وهو النبي والرسول، الدور الذي يقوم به على هذا المستوى هو دور الإبلاغ، وبالنسبة إلى هذا المستوى ليس على الرسول إلا أن يوصل التوجيه الرباني إلى الناس (وما على الرسول إلا البلاغ) ما على الرسول إلا البلاغ لا يعني حصر وظائف الرسول في البلاغ ولكن على مستوى إيصال التوجيه ليس على الرسول إلا أن يوصل هذا التوجيه إلى الناس. وعملية البلاغ لا يمكن أن تكون عملية محدودة زمانياً لأن مسيرة البشرية مسيرة متنامية والحركة الاجتماعية والحركة الحضارية للمجتمعات حركه دائبة وشاقة ولهذا خط التبليغ والإبلاغ لابد أن يكون خطاً مستمراً يبدأه الرسل يبدأه الأنبياء ويكونون على رأس دائرة التبليغ إذا صح التعبير ولكن يتواصل هذا المعنى من خلال من يمثل أولئك الرسل وذلك يتمثل بالعلماء فهم ورثة الأنبياء فإذن هذا الدور دور مستمر من خلال رموز تنتسب إلى الله سبحانه وتعالى بنحو من أنحاء الانتساب، فالرسول ينتسب إلى الله بشكل مباشر ولكن العلماء ينتسبون إلى الله بشكل غير مباشر ويكون دورهم هو دور إيصال ذلك التوجيه الإلهي إلى الناس. هذا التوجيه تارة يبلغ بشكل مباشر تأتي آية ويبلغها الرسول إلى الناس وأخرى يأتي بشكل غير مباشر عبر ما يستنبط من النصوص وهو ما يقوم به المجتهد، فالمجتهد لا يعطي رأيه هو وإنما المجتهد في الواقع والمفتي إنما هو مخبر عن حكم الله فهو حينما يعطي الفتوى يعطي الفتوى بصيغة أنها حكم الله لا بصيغة أنها ما يرتئيه، ليس له رأي شخصي في قبال تلك النصوص وإنما دوره أن يستنبط من النصوص ما يفهمه من أحكام الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فالذي يعطيه المجتهد إنما هو حكم الله ولهذا نقول أن المجتهد استمرار لخط البلاغ الذي يبدأه الرسول ويواصله العلماء المتخصصون في تعاليم الشريعة.
خط البلاغ لابد أن يكون خطاً ثابتاً لان أي رسول من الرسل محكوم بقوانين الطبيعة من حيث الحياة والموت والآية تقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] فبالتالي عمر الرسول عمر محدود ومهمة البلاغ مهمة غير محدودة فلابد أن تتواصل من خلال رموز أخرى ومن خلال قنوات أخرى بديلة، فإذا كان الرسول هو الأساس في القضية لابد أن يتواصل دور الإبلاغ بعد الرسول من خلال العلماء.
بل أكثر من ذلك دائرة التبليغ جعلتها شريعة الإسلام أوسع بحيث أوجبت التبليغ في بعض صوره على عموم الناس فلدينا حكمان أساسيان عامان في الشريعة الإسلامية: -
الحكم الأول: وجوب إرشاد الجاهل. هذا حكم شرعي عام، هذا الوجوب وجوب عام، إرشاد الجاهل يعني من يجهل تعاليم الشريعة من يجهل أحكامها، إرشاد الجاهل إلى أحكام الله واجب عام يقع على العموم لا يختص بالأنبياء لا يختص بالعلماء، وإنما كل إنسان مطلع على الحكم الشرعي إما مطلع عليه اجتهاداً أو مطلع عليه تقليداً كأن يكون المكلف عارفاً بأحكام الشريعة من خلال رأي المجتهد، فإذا وجد جاهلاً بهذه الأحكام وجب عليه أن يرشده إلى تلك الأحكام التي عرفها تقليداً وهذا يعني توسيع دائرة الإبلاغ إلى عموم الناس وجعل تبليغ التعاليم الإلهية أمراً واجباً على المكلفين، جعله من وظيفة العموم فالعالم يرشد الجاهل والعالم له انحاء تارة هو عالم بالأصل وأخرى عالم بالعرض يتعلم الأحكام فيكون عالماً بها فيجب عليه أن يرشد من لا يعرف تلك الأحكام.
والحكم الأساسي الثاني: والذي هو حكم عام، قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وان كانا يعبران عن قوة ردع اجتماعي لكن هذه القوة قوة الردع تستبطن أيضاً حالة من حالات التبليغ لأن الإنسان حينما يأمر بالمعروف فهو في الواقع ضمن أمره بالمعروف يقوم بإيصال التوجيه الإلهي إلى ذلك المأمور وحينما ينهى عن المنكر فهو يبين حكم الله أيضاً من خلال النهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واللذان هما واجبان كفائيان يكلف بهما عموم الناس، أيضاً يمثل حالة من حالات توسيع دائرة التبليغ والإبلاغ فإذاً الإشراف الرباني في دعامته الأساسية الأولى يقوم على أساس إيصال التوجيه الرباني إلى الناس لكي يتحركوا في ضمن هذا التوجيه، في إطار هذا التوجيه، في قنوات هذا التوجيه. وهذا التوجيه له رموز يبدأ بالرسل والأنبياء حتى ينتهي في بعض صوره إلى عموم الناس فيكون عموم الناس مكلفين بإيصال هذا التوجيه، يوصله الحاضر إلى الغائب ويوصله العالم إلى الجاهل.
والأمر الثاني: الدعامة الثانية للإشراف الرباني هي تطبيق ذلك التوجيه في المجتمع. تارة يبلغ هذا التوجيه إلى الناس ولكن إبلاغ التوجيه شيء وتطبيق التوجيه شيء آخر. قد يبلغ الإنسان بحكم الله لكنه يتجاهل ذلك الحكم ولا يطبق ذلك الحكم فالإبلاغ هو إيصال التوجيه إلى الناس أما تطبيق ذلك التوجيه فهو يحتاج إلى سلطة تقوم بهذا التطبيق هذا ما يصطلح عليه بدور الحاكمية. (السيد محمد باقر الصدر) كان يصطلح على هذا الدور دور الشهادة، يسمي هذا النوع من الإشراف الرباني على المسيرة البشرية، ويصطلح عليه مصطلح الشهادة فيقول إن الأنبياء والأوصياء والعلماء لهم دور الشهادة على الناس اقتناصاً للمصطلح من بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } [الحج: 78] .
ولكننا نرى أن في استعمال هذا المصطلح نوعاً من التسامح الكبير بالشكل الذي لن يجعل من هذا المصطلح مصطلحاً دقيقاً للتعبير عن هذا الدور، وهذا أمر بنفسه يحتاج إلى تفصيل لسنا بصدده، دور الشهادة، ومصطلح الشهادة، معنى الشهادة، في مثل هذه الآيات لا يؤدي بالدقة الدور المطلوب الذي يطلق عليه هذا المصطلح، ولكننا نصطلح على هذا الدور دور الحاكمية لأنه الذي يعبر بشكل دقيق عن واقع هذا الدور، واقع الدور الذي يمارسه النبي أو يمارسه ولي الأمر هو دور الحاكمية بمعنى انه يقوم بتطبيق القانون الإلهي بتطبيق ذلك التوجيه الرباني في المجتمع من خلال سلطة تنفيذية يتولاها لتطبيق ذلك القانون وهذا هو دور الحاكمية بمعنى انه يحكم المجتمع ويدير أمر المجتمع ويرعى شؤون الناس من خلال تطبيق قانون الله فيهم. وهذا التطبيق تارةً يكون تطبيقاً للمبادئ الثابتة والتي قد تسمى في العرف القانوني المعاصر (بالدستور)، وكذلك يكون تطبيقاً للمبادئ التفصيلية القانونية الثابتة، كما انه تطبيق لعنصر الحكم المتغير فيما يسمى بمليء منطقة الفراغ، في الإسلام لا توجد منطقة فراغ تشريعي لأنه ما من واقعة إلا ولله فيها حكم فلا يوجد أي فراغ تشريعي وإنما المقصود بمنطقة الفراغ هو الفراغ التطبيقي للشريعة، لان بعض تطبيقات الشريعة تطبيقات متغيرة وليست تطبيقات ثابتة في كل تعاليم الشريعة وإنما هناك أحكام ثابتة وهناك أحكام متغيرة. فهناك منطقة فراغ تطبيقي، بمعنى أن الشريعة لم تطبق مسبقاً في تلك المنطقة بما يتناسب من حكم فيقوم الحاكم الشرعي بتطبيق ذلك الحكم الشرعي بما يتناسب مع ظرف تلك الحادثة ومتطلبات تلك الحادثة ولكن انسجاماً مع هدى الشريعة الإسلامية المقدسة. فإذاً الدعامة الثابتة التي يقوم بها النبي وولي الأمر، هي ما يمكن أن نسميه بدور الحاكمية دور الحاكمية يتلخص في كونه تطبيقاً لذلك التوجيه الإلهي الذي يفتر ض وصوله إلى الناس عبر البلاغ، هذا التوجيه حينما يتخذ صورته التطبيقية الرسمية يعبر عنه بدور الحاكمية.
إذن المسيرة البشرية في كل تفاصيلها تخضع للإشراف الرباني من خلال التوجيهات الربانية التي تتمثل في تعاليم السماء ومبادئها وقوانينها ودساتيرها، ومن خلال السلطة التنفيذية والقوة التنفيذية التي تخول شرعاً لتطبيق تلك التوجيهات. طبعاً حتى هذه القوة لابد أن تتحرك وفقا لموازين الشرع ووفقا لأسس الشرع. هذه القضية تجعل مسيرة المجتمع ذات ميزة تفرقها عن سائر المجتمعات الأخرى التي لا تخضع لمثل هذا الإشراف وبالتالي كل الميزات التي سبق وان ذكرناها في محاضرات سابقة، الميزات التي تتعلق بالقانون الإلهي كلها تنطبق على مثل هذا الإشراف بينما تكون المجتمعات البعيدة عن هذا الإشراف خالية منها وفاقدة لها.
هذا الأمر طبعاً يختلف عن مسالة ظل الله في أرضه التي استخدمت كتبرير لتعسف الحاكم في أوروبا فإنهم كانوا يطلقون عليه بأنه ظل الله في أرضه، جائت النهضة الأوربية لتقضي على هذه القضية، هنا ظل الله في أرضه ليس سوى قضية اعتبارية تشريفية تطلق على الشخص لتجعل له امتيازاً زائفاً يبرر له ظلمه وجوره وتعسفه. هذا الأمر لا يوجد في الإشراف الرباني، حينما نقول انه لابد من إنسان يقود المسيرة ولكنه يمثل السماء لا نعني بذلك إضفاء صبغة ظل الله على الأرض على ذلك الإنسان لان هذا الإنسان أيضاً محكوم بقوانين الشرع وبالتالي لو خرج عن هذه القوانين وشذ عنها فسوف يسقط حينئذ عن ذلك الدور الذي لابد أن يقوم به، يفقد صلاحيته ويصبح إنساناً معرضاً حتى للعقوبة الدنيوية فضلاً عن العقوبة الأخروية (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ولقطعنا منه الوتين)، فإذاً المسألة ليست مسألة تبرير لممارسات إنسان يقوم بها طبقا لمشتهياته وإنما المسألة أن ذلك الإنسان الذي يمثل الله على الأرض لا يراد به ما هو نظير ظل الله في الأرض وإنما يراد به ذلك الإنسان المثالي ذلك المثل الأعلى الذي يجسد حالة النموذج والقدوة التي تقتدي بها كل جماعات البشر.
والحمد لله رب العالمين.
_________
(*)محاضرة ألقيت على جمع من المثقفين في بغداد بتاريخ 23/11/1424هـ.

السابق

 

 

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
[email protected]

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com