الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

المقالات

رؤية في ترسيم الحدود العراقية – الإيرانية

 

إثر الإعتداء الذي قام به النظام الإيراني على السيادة العراقية , بتوغل قوات تابعة له في عمق الأراضي العراقية و رفع العلم الإيراني على البئر 4 من حقل فكة , تحركت من جديد قضية الحدود العراقية – الإيرانية وسط إدعاءات إيرانية وقحة بأن الأراضي التي توغلت فيها تلكم القوات ليست أراضٍ عراقية , بل وصلت الوقاحة الى حد الإدعاء بأنّ عائدية بئر 4 من حقل فكة لإيران هو ما نصت عليه معاهدة الجزائر لسنة 1975 , و هو إدعاء كاذب يتنافى تماماً مع بنود هذه المعاهدة و ملاحقها وهذا ما صرّح به أيضاً مسؤولون و خبراء في الخارجية العراقية رداً على التخرصات الإيرانية .
و على الرغم من أنّ الناطق الرسمي بإسم وزارة الخارجية الإيرانية كانَ قد صرّح قبل مدة بأنّ معاهدة الجزائر لم تعد مجدية و لا تلبي المتطلبات الإيرانية و اعتبرها ملغاة , عاد الإيرانيون ليؤكدوا من جديد على معاهدة الجزائر مستغلين اعتداءهم على فكة لتحريك الملف بالشكل الذي يفرض على العراق القبول بهذه المعاهدة مع فرض تعديلات عليها تستجيب للطموحات و المطامع الإيرانية .
و ليس هذا التصرف بجديد , و إنما هناك سابقة في تاريخ العلاقات العراقية – الإيرانية حيث كان الإيرانيون يستغلون حالة الضعف أو عدم الإستقرار في العراق لإنتهاك السيادة العراقية و إستعمال القوة و الضرب بالمعاهدات و الإتفاقيات المبرمة عرض الحائط لفرض وضع جديد .
و تلوح في الأفق محاولة إيرانية تستهدف في وقت واحد فرض ما يراه النظام الإيراني في مصلحته من بنود معاهدة الجزائر , و تعديل ما لا يراه في مصلحته للحصول على مكاسب جديدة إضافية على حساب سيادة العراق و ممتلكاته من الأراضي و الثروة بتوهم أن مرحلة الضعف الحالية التي يعاني منها العراق , و ما نجم عن الإحتلال من تجريده من مقومات القوة العسكرية للدفاع عن سيادته , و سيطرة القوى الموالية للنظام الإيراني على السلطة تتيح لهذا النظام أن يفرض ما يريد .
و لكن هيهات هيهات أن ينال الطامعون ذلك , و امساك الثريا أقرب اليهم منه . فالعراق قوي بشعبه الذي استفز الإعتداء الإيراني الأخير مشاعره الوطنية , و حوّل أحلام الطامعين الى كوابيس .و تحت ضغط الرأي العام العراقي لن تستطيع أي حكومة أن تحقق للإيرانيين رغبتهم و تمضي لهم على مطامعهم . و نحن واثقون من أن النظام الإيراني سيصاب بالخيبة و يرجع بخفي حنين .
و لكن حيث أن قضية الحدود العراقية – الإيرانية قد تحركت و عاد الحديث الى معاهدة الجزائر , فهذه فرصة للعراق في أن يسترجع حقوقه الأصلية و يفرض على النظام الإيراني واقعاً يحظى بالدعم القانوني و الوثائقي , و يستعيد إعتباره السياسي و يعيد التوازن المختل في العلاقة العراقية – الإيرانية بشكل عام و في قضية الحدود بين البلدين بشكل خاص . و لا يتنافى ذلك مع أسس حسن الجوار و الصداقة التي يفترض أن تحكم العلاقات الثنائية , إذ ليس معنى الصداقة و حسن الجوار تقديم تنازلات غير مبررة على حساب الحقوق , و لا القبول بالمساس بالسيادة الوطنية و التجاوز على الممتلكات . بل لا تستقيم الصداقة و لا يتسق حسن الجوار الا اذا صيغت العلاقة على أساس الإحترام المتبادل للحقوق و لسيادة الطرفين و ترسيم الحدود طبقاً للمعايير القانونية و الوثائقية و ما تفرضه حقائق التاريخ و الجغرافيا على الأرض بعيداً عن منطق الظلم و التعسف و القوة و الأطماع غير المشروعة .
إن هذه المقالة تحاول تسليط الضوء على قضية الحدود العراقية – الإيرانية . و تهدف علاوة على إثبات عدم شرعية معاهدة الجزائر و ضرورة الغائها كونها معاهدة باطلة كما سوف يأتي , إثبات عدم صحة العودة الى معاهدة سنة 1937م كمرجعية في ترسيم هذه الحدود .

أما بطلان معاهدة الجزائر و التي أفضت الى التنازل عن نصف شط العرب و أجزاء من الأراضي العراقية فتوضحه النقاط التالية :-

  1.  ان معاهدة الجزائر تضمنت التنازل و التفريط بأجزاء عراقية من دون أساس موضوعي , إذ أعطت لإيران ما هو جزء غير متنازع عليه و لا مشكوك فيه من أجزاء العراق , و من هنا لا ينطبق على معاهدة الجزائر عنوان تسوية نزاع حدودي يفضي الى إعطاء جزء متنازع عليه بين بلدين لا توجد وثائق دامغة تثبت عائديته لأحدهما . فعائدية شط العرب بكامله للعراق أمر محسوم قانونياً و وثائقياً , و كل الحقائق التاريخية تثبت ذلك و تؤكده . فإعطاء نصف شط العرب لإيران هو تنازل لها عن جزء ليس مثار شك أو نزاع قانوني أو وثائقي , و عليه لا يملك أي نظام مثل هذا الحق , و من ثم يكون تنازله عن هذا الجزء غير شرعي بل يعد تفريطاً بالأرض و السيادة , و هو تنازل مخالف للدستور و يتنافى مع اليمين التي يؤديها المسؤول في الحفاظ على سيادة البلد و ممتلكاته و ثرواته .
    و هكذا فإن معاهدة الجزائر لا يمكن أن تحظى بالصفة الدستورية , و التنازل عن أجزاء عراقية ثبتت عائديتها للعراق يتخطى صلاحية أي نظام و حكومة .
    ولو كان تنازل نظام أو سلطة عن جزء أو أجزاء ثبتت عائديتها بشكل قطعي لبلد ما لا يتخطى صلاحيات ذلك النظام أو السلطة لانفتح باب خطير في العلاقات الدولية لا يستقر معه حجر على حجر , و لتمكنت أي دولة لها أطماع في أجزاء دولة أخرى من الحصول على ما تريد بمختلف وسائل الترغيب أو الضغط و تحت مختلف الذرائع .و من المؤكد أنّ القوانين و الأعراف التي تنظم العلاقات بين الدول لا تسمح بذلك , و هذا ما يمكن أن تتخذه أية حكومة عراقية وطنية مستنداً في كسب قضيتها لدى المجتمع الدولي و المحكمة الدولية لسلخ الشرعية عن معاهدة الجزائر .

  2.  انّ معاهدة الجزائر لا تتسم بالشرعية الشعبية , و انما هي تجسيد لتصرف نظام سياسي وقع في مأزق حينئذ و اجتهد في إنقاذ الوضع بتقديم تنازلات لا يملك صلاحيتها دستورياً و هي تنازلات بالغة الضرر و ذات تأثير مصيري , و تعد ضربة ستراتيجية للعراق . و في ظل عدم وجود مجلس نواب شرعي منتخب ديموقراطياً يصادق على المعاهدة آنذاك فان هذه المعاهدة لا تتسم بالشرعية الشعبية مضافاً الى أن إبرام هذه المعاهدة لم يكن حينها مطلباً جماهيرياً عاماً اتسق معه صانع القرار العراقي , و لذا فإن قراره كان أيضاً فاقداً للغطاء الشعبي . واذا كان الوضع السياسي في العراق آنذاك لا يتيح للشعب التعبير عن رأيه فان الأمر مختلف تماماً الآن و بامكان الشعب أن يجسد ارادته في التمسك بارضه و ممتلكاته و الحفاظ على سيادته .

  3.  انّ معاهدة الجزائر وقعت من الجانب العراقي تحت ضغط الإبتزاز , حيث كان الشاه آنذاك يقدم الدعم العسكري و اللوجستي للتمرد الكردي و يهدد بمواصلة ذلك و عدم التوقف عنه الا بالتنازل عن نصف شط العرب و اجزاء من الأراضي العراقية . مع أن دعمه العسكري و اللوجستي للتمرد الكردي آنذاك يعد في حد ذاته مخالفة قانونية بمنطق العلاقات الدولية فكيف يكون مبرراً قانونياً لتوقيع هذه المعاهدة ؟ . انّ صفة الإكراه تنطبق على هذه المعاهدة و تجعلها باطلة من الناحية الشرعية و القانونية .

  4.  اذا كان الغاء المعاهدات من جانب واحد سائغاً قانونياً , فالعراق ألغى معاهدة الجزائر من جانب واحد الأمر الذي يعني بطلانها , و اذا كان الإلغاء من جانب واحد غير سائغ قانونياً , و لا يترتب عليه أثر فان نظام الشاه الغى معاهدة 1937م من جانب واحد الأمر الذي يعني بطلان الإلغاء و عدم قانونيته , و حينئذ تكون معاهدة 1937م سارية المفعول و لها صفة قانونية حيث أنها معاهدة مصادق عليها من برلماني الدولتين , بينما معاهدة الجزائر لا تمتلك هذه الصفة حيث لم يصادق عليها من مجلس نواب منتخب في العراق آنذاك حيث كان النظام يحكم وفق دستور مؤقت و بقرارات مجلس قيادة ثورة مما لا يعطي للمعاهدات التي يبرمها الصفة الشرعية كمعاهدات دائمة , فتكون على أحسن الفروض بحكم المعاهدات المؤقتة التي هي من صلاحيات حكومات تصريف الأعمال , فلا تلغي معاهدة 1937م و إنما تجمدها لحين , و لأي حكومة تالية الحق في الغاء معاهدة الجزائر بإعتبارها بحكم المعاهدات المؤقتة .

  5.  ان هذه الإتفاقية نقضتها ايران عملياً من خلال إخلالها بالبند القاضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق , و النظام الإيراني كان و ما يزال يتدخل تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي العراقي بل صار تدخله هذا عاملاً أساسياً من عوامل الأزمة في العراق .
     

و إذا كان ايقاف الشاه دعمه للتمرد الكردي آنذاك مبرراً و سبباً رئيساً لإبرام هذه المعاهدة و الإلتزام بها , فان النظام الإيراني بعد سقوط الشاه ذهب مديات أبعد بكثير مما كان الشاه قد قام به قبل ابرام المعاهدة لا على مستوى الأكراد و حسب و إنما على مستوى أوسع من ذلك بكثير . و بغض النظر عما يذكر من تفسير لذلك أو تبرير فإن هذا العمل من زاوية العلاقات الدولية و منطقها يعتبر إخلالاً بالإلتزامات و نقضاً للمعاهدة .
إن معاهدة الجزائر الفاقدة للشرعية الدستورية و الفاقدة للشرعية الشعبية و المضرة بالعراق ووضعه الستراتيجي لا تصلح أساساً لتنظيم العلاقة العراقية – الإيرانية , و لا لترسيم الحدود بين البلدين . و ليس للحكومة العراقية الحالية و لا للحكومة التي تليها تثبيت هذه المعاهدة دون الرجوع الى مجلس نواب شرعي منتخب وفق الأسس الديموقراطية الصحيحة , و لذا يجب الإمتناع حالياً عن أي تثبيت لهذه المعاهدة لحين إعادة النظر فيها دستورياً و قانونياً .
و أما معاهدة سنة 1937م فيمكن تلخيص الموقف منها في نقطتين :-

  1. انها هي المعاهدة الملزمة للنظام الإيراني , لأنه قام بنقضها بصورة إنفرادية و من جانب واحد مع أنها معاهدة مصادق عليها من كلا البلدين وفق الأحكام الدستورية و قد نصت هذه المعاهدة على أن الغرض من عقدها هو " وضع حد حاسم لمشكلة حدودهما المشتركة " الأمر الذي يعني أنها حسمت موضوع ترسيم الحدود نهائياً , و بالتالي فهي لها صفة قانونية دائمة , فعلى أي أساس يقبل الجانب العراقي بإلغائها ؟ إن المسؤولية تقع على النظام الإيراني آنذاك الذي الغى المعاهدة من جانب واحد و هو ما يتنافى مع الأعراف و القوانين المتبعة في تنظيم العلاقات بين الدول .

  2.  انّ معاهدة 1937م تضمنت أيضاً التنازل عن شريط حدودي بطول سبعة كيلو مترات أمام عبادان و سبعة كيلومترات أمام المحمرة حيث نصت على أن خط الحدود على طول هذا الشريط هو التالوك , الأمر الذي أدى الى التفريط بهذا الشريط الذي هو جزء لا شك في عائديته الى العراق قانونياً و وثائقياً , و معترف بعائديته للعراق في المعاهدات السابقة سواء معاهدة أرض روم لسنة 1847م أو بروتوكول طهران لسنة 1911م أو بروتوكول القسطنطينية لسنة 1913م أو محاضر اللجنة المشتركة لسنة 1914م .
    ان هذا التنازل عن جزء غير متنازع عليه أصلاً هو تنازل غير دستوري و يتخطى صلاحية السلطة .

اذن طبق أيّ مرجعية يمكن التفاوض على ترسيم الحدود ؟
الجواب واضح من الناحية القانونية . ان معاهدة أرض روم لسنة 1847م مع بروتوكول طهران لسنة 1911 , و بروتوكول القسطنطينية لسنة 1913م و محاضر اللجنة المشتركة لسنة 1914 , هي المرجعية الصحيحة من الناحية القانونية للتفاوض و يجب أن يكون الحل وفقها حاسماً و نهائياً و هو حل يمكن تأييده دولياً , و يمكن أن تكون المرجعية المذكورة أساساً للإحتكام الى محكمة لاهاي الدولية في حال تعذر ايجاد تسوية مباشرة بين الجانبين .

الشيخ حسين المؤيد
العلامة و رئيس التيار الوطني العراقي
13-1-1431 هـ
30-12-2009 م 
 

 

السابق

 

 

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
almoiad@gmail.com

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com