الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

المقالات

في ذكرى الإسراء والمعراج

بيت المقدس بوابة السماء ومدخل الأنبياء  

 سماحة العلامة الشيخ حسين المؤيد

إن ذكرى الإسراء والمعراج حدث فريد لا في تأريخ النبوات وحركة الأنبياء منذ مطلعها فحسب , بل في تأريخ البشرية على طول مداه . أما انه حدث فريد في تأريخ النبوات , فلأجل أنه لم يحدث لنبي من أنبياء الله تعالى- على كثرتهم ومعاناتهم في خط الهداية وعلى تفاوت درجاتهم وقربهم من المطلق سبحانه- أن عرج به إلى السماء فضلا عن هذا العروج الذي كان مليئا بالمعطيات التشريفية والتفضيلية والروحية .

أمر لم يحدث حتى لأولي العزم من الرسل, فهذا نوح شيخ المرسلين على عظمته وطول جهده في دعوته إلى الله تعالى وعنائه المرير مدى مئات من السنين لم يدع إلى العروج , وهذا إبراهيم وهو خليل الله وصاحب الحنفية الغراء ورافع قواعد الكعبة لم يدع إلى العروج , وقد أراه الله تعالى ملكوت السموات والأرض وهو على الارض ليكون من الموقنين .

وهذا موسى الذي خص بوصف الكليم لم يدع إلى العروج فضلا عن الدنو من مركز التدبير الإلهي , وكذلك الأمر بالنسبة لعيسى عليه السلام . فالإسراء والمعراج حدث فريد اختص الله تعالى به خاتم أنبيائه وأشرفهم صعد به إلى السموات وخرق الحجب وجعله قاب قوسين أو أدنى من مركز التدبير الإلهي فأوحى الى عبده ما أوحى . إذن هناك حدث فريد متميز في تأريخ الأنبياء وحركتهم وقد ورد في بعض الروايات ان جبرائيل عليه السلام خاطب البراق لما تضعضعت لعظمة محمد (ص) ( اسكني يابراق فما ركبك نبي قبله ولا بعده مثله ) .

 وأما انه حدث فريد في تأريخ البشرية برمتها , فلأن الإنسان بالرغم من تطلعه الروحي الى السماء والى المطلق سبحانه وتعالى وبالرغم من تطلعه المعرفي إلى العوالم التي تحيط به وشغفه بمعرفتها وحتى تسخيرها لم يحدث له الى ذلك الوقت ان تجاوز موقعه الأرضي في رحلة روحية او علمية . وقد شاءت السماء ان يكون تدشين الإنسان للفضاء على يدها مباشرة وان يكون اول رائد فضائي في هذه الرحلة هو أعظم نبي عرفته الإنسانية على الإطلاق يرتاد الفضاء ويخبر عن عوالمه التي لم يكن افق الإنسانية بقادر على تصورها في مخيلته الذهنية الواسعة . وقد أتاحت الإرادة الإلهية لمحمد صلى الله عليه واله وسلم أن يسبق التطور الطبيعي للفكر الإنساني قرونا عديدة وأتاحت له ما لم يتح للعلم ان يحققه بحسب حصيلته المعاصرة على تطورها الهائل .

 ان مثل هذا الحدث ليستحق الكثير من التأمل والتفكير والدرس ويستحق كل تجلة وتخليد واحتفاء . وإذا كنا نحتفل بهذه المناسبة العظيمة بوصفنا مسلمين نشرف بأننا أتباع هذا النبي العظيم , فان هذه المناسبة لتستحق من اتباع الديانات السماوية ان يحتفلوا بها أيضا بوصفها ظاهرة نبوية حملت معها معاني التصديق بالنبوات السابقة وأكدت وحدة النهج والمحور والهدف , فالأنبياء كلهم فريق عمل واحد لهداية الخلق وقيادتهم نحو التكامل , وما النبوات الا حلقات متواصلة يكمل بعضها بعضا على هذا الطريق , ولعل نبينا صلى الله عليه واله وهو ينزل من البراق ليصلي في بيت المقدس أراد ان يوحي بهذا الترابط في تجسيدية بالغة فيما نقله لنا من فعله عليه الصلاة والسلام إذ قال ( فربطت البراق بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء ).

وكذلك فان هذه المناسبة لتستحق من الإنسانية جمعاء أن تحتفل بها بوصفها ظاهرة على درجة عالية من الاثارة والأهمية تحققت للإنسانية وهي تتطلع إلى السماء روحيا ومعرفيا .

 وبالرغم من أهمية هذه الحادثة الا إنها –للأسف- كالعديد من المناسبات التاريخية المهمة لم يضبطها لنا التأريخ بنحو دقيق حيث وقع الخلاف بين من كتب عنها من المؤرخين وعلماء السيرة والحديث في ضبط تاريخها الدقيق سواء في الليلة التي وقعت فيها او السنة , فهناك من يقول إنها وقعت (  ليلة سبع وعشرين من رجب), وآخر يزعم انها وقعت ليلة ( السابع والعشرين) من ربيع الآخرة , وثالث يزعم انها وقعت ليلة سبع عشرة من شهر رمضان , وهناك من يسجل إنها وقعت بعد البعثة بثمانية عشر شهراَ , ويزعم آخرون انها وقعت في أواسط البعثة, ويقول آخرون انها وقعت في أواخر البعثة على خلاف بينهم في السنة .فمنهم من يحددها بالسنة العاشرة ومنهم من يحددها بالسنة الثانية عشرة 0 ان هذا الاختلاف الفاحش يترك بلا ريب أثرا سلبيا واضحا , فمن جهة أية حادثة مهما بلغت من الأهمية والعظمة تتميع وتصبح باهتة حينما يتذبذب ضبطها ألتأريخي , ومن جهة ثانية فأن ضياع الضبط الدقيق قد يفوّت علينا الكثير من الحقائق لان التاريخ سياق متصل وحفظ السياق التاريخي للأحداث له دور كبير في معطيات الحدث , وقصة أي حدث يصعب فهمها مالم توضع في إطارها وسياقها الخاص بها , ومن جهة ثالثة يؤدي التذبذب في الضبط التاريخي إلى تخلخل على الصعيد العملي أحوج مانكون نحن المسلمين إلى تجاوزه لنعيش مناسباتنا مجسدين وحدتنا وتماسكنا0 وأريد أن استفيد من هذه المناسبة لأدعو ومن على هذا المنبر الى تشكيل لجنة علمية خاصة من كبار المحققين من العلماء والمؤرخين وذوي العلاقة لدراسة مناسباتنا التاريخية محاولة – ووفق أسس علمية موضوعية بعيدة عن أي راسب وانتماءات- للوصول إلى نتيجة متقنة تجتمع عليها الأمة .كما ان ملابسات هذه الرحلة العظيمة قد اختلفت فيها النقول بنحو يحتاج الكثير منها إلى غربلة وتدقيق طبقا لمنهج علمي تعرض فيه النصوص على معطيات القران الكريم فيرفض ما يتنافى وإياها , وعلى ثوابت العقل السليم فيرد ما يصطدم معها مما هو اقرب إلى تفكير العوام والسذج من الناس .

     لقد جاء الإسراء والمعراج في ظرف عصيب وفي مقطع زماني كانت الرسالة الإسلامية تتعرض فيه لأقسى ألوان المحاربة والاستهتار ولأشد الضغوط , وبالرغم من ان الهدف الأساسي كان يعود إلى شخص الرسول العظيم صلى الله عليه واله وسلم لتكريمه وإمداده بطاقة روحية كبيرة , فقد كانت للإسراء والمعراج آثار أخرى على الصعيد الاجتماعي , فان هذه الحادثة أعطت للمؤمنين زخما روحيا قويا على قلـّتهم واضطهادهم , ورفعت معنوياتهم وقدمت برهانا على صدق الرسول وحقانية الرسالة وصحة النهج , وكانت اسلوبا بليغا في تحدي المشركين تعلّـمنا اننا حتى في اللحظات الحرجة وتحت وطأة اشد الظروف علينا ان نتحدى ونواجه ولا نتصرف من موقع الضعف او الهزيمة , فالتحدي ليس من عوامل الانتصار في الصراع فحسب وإنما هو عنصر مهم من عناصر الحصانة في مقام الدفاع وأسلوب ضروري في المواجهة والمجابهة , فليس من الصحيح وانت على حق أن تعطي لعدوك الفرصة ليخنقك ويمعن في حصارك والتضييق عليك , بل اللازم ان لا تستكين وتواجه ما وسعتك المواجهة .

      لقد تضافرت النقول على ان المشركين كعادتهم في مواجهة الرسول (ص) لجأوا إلى التكذيب , ولكنهم سرعان ما اختنق التكذيب في حناجرهم لما جاء الرسول الكريم بالشواهد الصادقة فلاذوا بالصمت .   

      ولئن بحث علماء المسلمين قديما في إمكان هذه الظاهرة لكون الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد كما تشع به الآيات الكريمة وتدل عليه النصوص الصحيحة وتدعمه القرائن الأكيدة فإننا اليوم في غنى عن هذا البحث بعد ان استطاع الإنسان ومن دون إعجاز ان يرتاد الفضاء , وان تجاوز المعراج الأطر التي لا يتاح لإنسان اليوم ان يتجاوزها , الا ان عدم كون ذلك متاحا من الناحية العملية لا ينفي الإمكان العلمي للقضية , فليس لدى العلم الحديث اليوم ولا تشير اتجاهاته إلى ما يدعو إلى رفض إمكان المعراج وفقا لظروف خاصة ووسائل معينة , على ان نفي الإمكان العلمي في الحال الحاضر لا يستلزم نفي الإمكان واقعياَ , فلعل حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني لم يصل مداه إلى درجة تمكنه من خلال اتجاهاته المتحركة تأكيد هذا الإمكان , وعدم الإمكان العلمي لو ثبت في الحال الحاضر لا ينفي الإمكان المنطقي والعقلي وإنما يعني ان ما يمتلكه العلم من وسائل تقصر عن الوصول الى الهدف مع بقاء القضية ممكنة من الناحية المنطقية والعقلية بمعنى انه لا يوجد لدى العقل وفقا لمدركاته السابقة على التجربة ما يسوغ رفض الشيء ويحكم باستحالته اذ لا يوجد من وجهة نظر عقلية تجريدية أي تناقض في افتراض صعود الإنسان إلى أفاق مترامية من العوالم الكونية كي يحكم العقل باستحالته .

إن للإسراء والمعراج أبعادا كثيرة يصعب استيعابها في حديث واحد محدود الا إنني أريد في هذا الحديث ان اتناول نقطة مهمة وجوهرية لنربط ذكرى الإسراء والمعراج بواقعنا الذي نعيشه ولنخرج بدرس عملي بدلا من الاقتصار على الفهم النظري لهذه الحادثة الجليلة .

      لقد بدأ الرسول حركته من المسجد الحرام متجها الى بيت المقدس ومن بيت المقدس كان الانطلاق الى السماء , لم يكن الانطلاق من المسجد الحرام ولم يشأ الله تعالى ان يجعل المسجد الحرام قاعدة للعروج اليه مع انه أول بيت وضع للناس وأفضل المساجد على الإطلاق رفعت قواعده بيد إبراهيم مجمع الديانات الثلاث أليس هذا الامر جديرا بالتأمل , والبحث عن مسوغ ؟. الغريب اننا في الروايات التي وصلت الينا عن قصة الإسراء والمعراج نلاحظ التلقي الطبيعي لهذه القضية فلم يكن جعل بيت المقدس قاعدة للعروج مثار سؤال واستغراب واسعين لماذا ؟

هل لان مكانة المسجد الحرام وأفضليته لم تكن واضحة في أذهان الناس بحيث تدعوهم الى الاستغراب ؟ هل لان مكانة بيت المقدس وقداسته وقد كان قبلة ومحجا ومهوى للديانات السماوية هي الباعث على عدم الاستغراب ؟ هل لان هذا العمل نفسه أوجد في الأذهان إيحاءات سبقت كل ما قد ينقدح فيها من استغراب ورفعته؟ كل ذلك يمكن ان يكون صحيحا , لكننا ونحن نحتفل بهذه الذكرى بعد حفنة من القرون البعيدة تلح على أذهاننا إيحاءات هذه القضية التي فيها أكثر من إيحاء . إيحاء بان بيت المقدس بوابة السماء ومركز القدس الإلهي او في الاقل هو الباب الذي يلج منه الأنبياء ويعرجون الى ربهم . إيحاء بالترابط بين الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه واله وسلم , وما سبقه من ديانات سماوية ومن سبقه من أنبياء . إيحاء بما لهذه البقعة من دور في حركة التاريخ الذي جاء الإسلام ليغير وجهه , وقد تكون هذه النقطة من الأرض العامل الحاسم الذي يظهر الاسلام على الدين كله كما أراد الله تعالى , وقد تشع بهذا الإيحاء الروايات التي نقلت تقديم جبرائيل نبينا عليه الصلاة والسلام ليؤم الصلاة في بيت المقدس إيذانا بمرحلة جديدة تخلعها السماء على هذا المكان هي مرحلة الإسلام , الدين المصدق لما قبله الخاتم للديانات .

     نشرت هذه المقالة في جريدة الزمان عدد  السبت

 23 من شهر رمضان المبارك سنة 1425 هـ الموافق لـ تشرين الثاني 2004 م

 

السابق

 

 

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
almoiad@gmail.com

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com