الرئيسية شذرات الفتاوى الأسئلة والاستفتاءات المقالات الأبحاث والدراسات المحاضرات البيانات مشروع الميثاق الوطني اللقاءات الإعلامية السيرة الذاتية الصور
 

الفتاوى

مقدمة:-
لاشك في أن لله تبارك وتعالى بحكم إلوهيته وربوبيته وسلطانه على الوجود , سيادة ومولوية أصيلة ثابتة بذاتها يدركها عقل الإنسان بتفكيره السوي .
وهذه المولوية الربانية تعني أن لله عز وجل حق الطاعة على مخلوقاته المدركة المساوق لنفوذ إرادته التشريعية , فيلزم على الإنسان بوصفه منها أن يسير على منهاج العبودية لله تعالى ويطبق أعماله وشؤون حياته وفق شريعة ربه , ويحترز عن الخروج عن إرادته .
ولا يتحقق له ذلك إلا بأحد طريقين :-
الطريق الأول :- معرفة الشريعة والاطلاع على أحكامها وقوانينها . وذلك بإحدى وسيلتين :-
الأولى :- استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية لمن له القدرة العلمية . وهو ما يصطلح عليه الاجتهاد .
الثانية :- الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط وأخذ الحكم الشرعي منه . وهو ما يصطلح عليه التقليد .
الطريق الثاني :- العمل بنحو يحرز معه عدم المخالفة وعدم الخروج عن إرادة الله عز وجل ورسوم العبودية له سبحانه . وهو ما يصطلح عليه الاحتياط .
وهكذا يتضح أن الطرق التي يجب سلوكها عقلا أداء لحق طاعة الله عز وجل ثلاثة :-
1. الاجتهاد .
2. التقليد .
3. الاحتياط .
وبما أن هذا الوجوب عقلي , فلا يختص ابتداء بالمكلف , وإنما يعم كل عاقل مميز , فيجب عليه بحكم العقل أن يبري ذمته اما بالاحتياط بنحو مخرج له عن العهدة , أو الاستناد إلى حجة معتبرة في رفع المسؤولية عنه .
وهذه الحجة إما أن تكون فتواه على افتراض اتصافه بملكة الاجتهاد , أو فتوى من يجب عليه تقليده إن لم يكن كذلك . أضف إلى ذلك انه لابد له في أعماله التي يأتي بها حتى في المرحلة السابقة للتكليف من الاستناد إلى الطرق السالفة لضمان الأداء الصحيح .فإذا أراد الصبي المميز أن يصلي مثلا لابد له من سلوك طريق التقليد لإيقاع صلاة صحيحة .
حكم من ترك الطرق الثلاثة :-
1. لا يمكن الاجتزاء بأي عمل ولا ترتيب آثار الصحة عليه ما لم يكن مستنداَ وبنحو صحيح إلى احد الطرق الثلاثة المتقدمة , إلا إذا تبينت مطابقته للواقع لو أتيح له الاطلاع عليه , أو مطابقته للحجة الشرعية , وهي في حق غير المجتهد فتوى الفقيه الذي يجب عليه تقليده فعلا أي في الحال الذي هو بصدد معرفة صحة العمل الذي كان قد أتى به دون استناد إلى احد الطرق الثلاثة , أو أحرز موافقته للاحتياط . وإذا كان العمل عبادياَ يشترط للاجتزاء به إذا كان الشخص قد أتى به دون استناد إلى أحد الطرق الثلاثة أن يتحقق منه قصد القربة بان يحتمل عند الإتيان به إن هذا العمل في أصله أو في الصورة التي أتى بها مطلوب لله تعالى ومحبوب لديه . ويعبر عن هذا الشيء برجاء المطلوبية بأن يأتي الشخص بالعمل برجاء واحتمال انه مما أمر به الله تعالى أو طلبه وأحبه . فإذا انتفى هذا الاحتمال لم يتحقق منه قصد القربة .

2- إن التارك للطرق الثلاثة عن تقصير مستحق للمؤاخذة والعقوبة إذا كانت أعماله التي أتى بها دون استناد إلى تلكم الطرق مخالفة لما هو المطلوب واقعا في شرع الله تعالى , حتى لو فرض مطابقتها صدفة للحجة المعتبرة كفتوى من يجب عليه تـقـليده ، لان مجرد المطابقة صدفة لا يعد عذرا له وسببا للتخلص من المؤاخذة إذ كان اللازم عليه تطبيق عمله عند الإتيان به وفق شرع الله تعالى والتحرز عن الخروج على إرادته سبحانه . بل يستحق مثل هذا الشخص العقاب حتى إذا كان عمله الذي أتى به دون استناد إلى إحدى هذه الطرق عن تقصير موافقا لما هو المطلوب واقعا في شرع الله تعالى , إذا كان عند الإتيان بالعمل ملتفتا إلى احتمال مخالفة العمل للواقع لكنه لم يبال بذلك فانه يكون مستحقا للعقوبة , لان الإقدام على عمل يحتمل مخالفته للشرع مع عدم المبالاة بهذا الاحتمال ودون استناد إلى حجة معتبرة يعد خروجا عن رسوم العبودية وهتكا لحريم المولوية نظير التمرد على المولى وهذا ما يجعل العبد مستحقا للمؤاخذة والعقوبة .  

الاجتهاد

  تعريفه :-

هو استنباط واستخراج الحكم الشرعي من الأدلة المقررة له . وهذه العملية لا تتحقق إلا عند من اتصف بملكة الاجتهاد وهي القدرة العلمية على الاستنباط , وهي لا تتحقق إلا عند استكمال الشخص للمؤهلات التي تبلغ به إلى المستوى العلمي التخصصي الذي يتمكن بالوصول إليه من استخراج الحكم الشرعي من مصادره .

  أنواعه:-

والاجتهاد نوعان :-الأول :-

اجتهاد كامل ويسمى بالاجتهاد المطلق ويصطلح على المجتهد الكامل المجتهد المطلق . وذلك إذا كان مقتدرا على استنباط الحكم الشرعي في كل مجالات الفقه ولأي واقعة تعرض عليه .

الثاني:- اجتهاد ناقص محدود ويسمى بالاجتهاد المتجزئ ويصطلح على المجتهد المحدود بالمجتهد المتجزئ . وذلك إذا كان مقتدرا على استنباط الحكم الشرعي في بعض المجالات والحقول الفقهية وفي دائرة محدودة ضاقت أو اتسعت لكنها لم تستوعب جميع المجالات والوقائع .   

 أحكامه:-
ونذكر فيما يلي مجموعة من الأحكام التي تتصل بالاجتهاد :-
1- يجب على المسلمين وجوبا كفائيا في كل زمان أن يتوفر فيهم العدد المطلوب من المجتهدين الذي يفي بحاجاتهم ويسد الفراغات التي لا تسد إلا بالفقهاء .وإذا لم يمتثل المسلمون هذا التكليف فلم يتوفر ذلك العدد المطلوب أثموا جميعا .ومن هنا يقضي الواجب أن تتجه مجموعة وافرة لدراسة العلوم الدينية ليتأهل من بينها من يصل إلى درجة الاجتهاد ويتصف بملكته ويكون قادرا على استنباط الحكم الشرعي في مختلف حقول الحياة بنحو يسد حاجة المجتمع . قال تعالى :" وما كان
المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " .

2- إذا توفرت في المجتهد شرائط مرجع التقليد جاز لغير المجتهد تقليده , فان كان مجتهدا مطلقا جاز تقليده في كل أبواب الفقه , وان كان مجتهدا متجزيا جاز تقليده فيما اجتهد فيه من مسائل وأبواب .
3- المجتهد سواء أكان مطلقا أو متجزيا يعمل وفق رأيه الاجتهادي , ولا يجوز له الرجوع إلى الغير . ولكل من المجتهد المطلق والمتجزئ بيان فتواه والتعبير عما أدى إليه اجتهاده سواء أتوفرت فيه شرائط المرجعية أم لا . لكن إذا كان فاقدا للشرائط لا يجوز له التصدي , وعليه لا يجوز له بيان فتواه فيما إذا كان ذلك في سياق التصدي .
4- لا يجوز لغير المجتهد الإفتاء في أمور الدين , ولا التصدي للأمور التي لا
يشرع لغير المجتهد التصدي لها أصالة , ويجب على المسلمين منعه من ذلك , ويـحرم ترويجه وتحرم إعانته بأي شكل من أشكال الإعانة , وهو ومن يعينه أو يروجه محكومون بالفسق ومعصية الله عز
وجل .
5- يعرف الاجتهاد , إما بالاختبار المباشر ممن له أهلية ذلك , أو شهادة أهل الخبرة الناشئة من الاطلاع الكافي على مستوى من يشهدون له , على أن يكونوا مضافا إلى خبرتهم العلـمية متصفين بالوثاقة التي يضمن معها موضوعية شهادتهم وعدم تحيزها أو تضليلها سواء أكانت الشهادة بالإثبات أو النفي . وتكفي شهادة الواحد إذا توفر فيه ما ذكرناه . كما يعرف بالشياع أو الشهرة المفيدة للعلم , أو الاطمينان والوثوق , وهي لا تفيد الوثوق إلا إذا نشأت من أسس موضوعية بعيدا عن الميول العاطفية , أو المصالح المعينة , أو الدعايات الإعلامية المضللة , أو الألاعيب السياسية والجهوية .

التقـليد
تعريفه :-
التقليد لغة عبارة عن جعل الشيء في العنق , ومن هنا قيل للمجعول في العنق قلادة ,وبهذه المناسبة يعني التقليد في الأحكام جعل العمل في عنق المقلّـد.
والتقليد الذي هو أحد الطرق الثلاثة لطاعة الله عز وجل عبارة عن الاستناد إلى فتوى المجتهد الجامع للشرائط في مقام العمل فعلا أو تركا . وهو في واقعه رجوع إلى ذي الاختصاص والمعرفة ممن ليست له المعرفة اللازمة والاختصاص , وهو الأمر الذي دأب عليه الناس في كل زمان ومكان فإنهم يرجعون في كل شعبة ومنحى إلى ذوي الاختصاص والخبرة .
وجوبه :-
التقليد واجب على كل مكلف لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد . وهو واجب على نحو التخيير للمتمكن من الاحتياط وعلى نحو التعيين لغير المتمكن منه إما لعدم معرفته بكيفية الاحتياط,أو لتعذر العمل بالاحتياط,أو لتعسره . والحقيقة ان التقليد هو الطريق العملي غالبا لغالب الناس .
مرجع التقليد :-
وهو المجتهد الذي يسوغ للشخص الاستناد إلى فتاواه في مقام العمل وتصح أعماله بهذا الاستناد .
ولا بد ان يكون واجدا للشرائط التالية :-
1- الاجتهاد , بمعنى ان تكون الملكة موجودة عند حال اخذ الفتوى منه للعمل بها فلا يكفي حصولها في الزمن السابق على العمل بالفتوى .
2- العقل , بمعنى ان يكون عاقلا حال الاستناد إلى فتواه فلا يكفي كونه عاقلا في الزمن السابق على العمل بالفتوى .
3- العدالة .
4- الحياة , فلا يجوز الرجوع إلى الميت ابتداء أو بقاء إلا إذا وافق قوله قول الأعلم الحي .
5- الاعلمية  إذا تعدد المجتهدون ولم يحصل للشخص علم أو اطمئنان باتفاقهم في الرأي .
    ولا يشترط في المرجع لأخذ الفتوى منه والعمل على طبقها شرط آخر , فلو قدر افتراضا وجود مجتهد أعلم تتوفر فيه الشرائط المتقدمة لكنه لم يكن بالغا كانت فتواه حجة ,ولو بلغت امرأة درجة الاجتهاد وكانت واجدة للشرائط المتقدمة كانت فتواها حجة .

مسألة :- لا يجوز للشخص أن يبني تقليده على الميول والأهواء والاستحسانات وما شاكل ، وإنما يجب عليه اعتماد الضوابط الشرعية في التقليد والالتزام الدقيق بها , ولا يسوغ له التحول والتنقل في التقليد إلا طبق الضوابط الشرعية التي يجب عليه الالتزام بها بدقة .

مسائل أساسية تتصل بالاعلمية :-
1- الاعلمية عبارة عن درجة علمية يكون فيها المجتهد ذا مستوى علمي أرقى من سائر المجتهدين يؤهله لأن يكون أعرف منهم وأقدر على تشخيص حكم المسألة وتحديده من خلال عملية الاستنباط .
وتتدخل مجموعة من العناصر في بلوغ المجتهد هذا المستوى , أهمها :-
1- مدى قدراته العقلية ولياقاته الذهنية وكفاءته في الربط والتحليل , وسرعة انتقاله الذهني ، ومقدار قدرته الذهنية على نظم المطالب وترتيبها , ومقدار سعة أفقه وقدرته الذهنية الاستيعابية .
2- مدى ذوقه وسليقته العرفية والفقهية .
3- عمق حصيلته المعرفية ومدى تبحره في عملية الاستنباط نفسها , وفي العلوم التي يحتاجها في الاستنباط , وفهمه للواقع بالقدر الذي يتصل بتحديد الحكم الشرعي .

2-يجب على من يسلك طريق التقليد أن يستفرغ وسعه في الفحص عن الأعلم , فان لم يهتد إليه , فان كان متمكنا من الاحتياط وجب عليه ذلك , وإلا أخذ بفتوى من يكون احتمال أعلميته أكبر من غيره , فان لم يكن ولم يتمكن من الاحتياط تخير من بين محتملي الأعلمية .

3-تعرف الأعلمية بشهادة أهل الخبرة الناشئة من الاطلاع الكافي ,على ان يكونوا مضافا إلى خبرتهم العلمية متصفين بالوثاقة التي تضمن معها موضوعية شهادتهم وعدم تحيزها أو تضليلها سواءً أكانت بالإثبات أم النفي . وتكفي شهادة الواحد إذا توفر فيه ما ذكرناه من الخبروية والوثاقة .
ونريد بأهل الخبرة من له القدرة بحكم ما يمتلكه من مستوى علمي على تشخيص الأعلم من المجتهدين , ومثل هذه القدرة لا تتحقق عادة إلا فيمن بلغ درجة الاجتهاد . ولذا لا يصح الاستناد إلى شهادة غير المجتهد بالاعلمية وان كان قد قطع أشواطا طويلة من العلم والفضل لكنه لم يصل بعد إلى درجة الاجتهاد . كما تثبت الاعلمية بالشياع المفيد للعلم أو الاطمينان والوثوق الذي تركن معه النفس , ولا يتحقق ذلك إلا إذا نشأ الشياع من أسس موضوعية بعيدا عن الميول والمصالح والدعايات المضللة والألاعيب السياسية والجهوية .

4- إذا تميز من بين المجتهدين أكثر من واحد وتساووا في الفضيلة فان اتفقوا في الفتوى تخير المقلد , وان اختلفوا لزم الأخذ بالاحتياط , إلا إذا تعذر أو تعسر العمل بالاحوط فيتخير بينهم حينئذ . وكذلك إذا برز مجتهدان كان احدهما أعلم في الأصول مثلا والأخر أعلم في الفقه , لزم الأخذ بالاحتياط , ومع التعذر أو التعسر يتخير بينهما .

5- إذا قلد الأعلم ثم برز من بين المجتهدين من تفوق عليه فصار الأعلم وجب على المقلد العدول إليه . وأما إذا برز من يساويه في الفضل , فحكمه هو ما تقدم في النقطة الرابعة .

6- إذا قلد الشخص مجتهدا متيقنا من أعلميته , ثم حصل له الشك في بقاء أعلميته لاحتمال تفوق بعض المجتهدين عليه ممن لم يكن سابقا قد تفوق عليه ,وجب عليه البقاء على تقليده للأول والبناء على أعلميته حتى يثبت العكس .

 

السابق

 

 

Twitter Facebook قناة الشيخ حسين المؤيد في اليوتيوب google + البريد الالكتروني
almoiad@gmail.com

جميع الحقوق © محفوظة للمنتدى العلمي
مكتب سماحة الإمام الشيخ حسين المؤيد

www.almoaiyad.com